كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي يختار روائعه الأدبية والفلسفية والشعرية لكن بشكل متعسف أحياناً

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب
TT

كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب

هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الأدبية وتستمتع بها؟ هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الفلسفية؟ هل تستطيع أن تطلع على كل الروائع الموسيقية والفنية والسينمائية، وتستمتع بها أيضاً؟ هل تستطيع أن تعشق كل نساء العالم؟ مستحيل.
ومع ذلك فهذا ما يؤكده الكاتب الفرنسي الشهير جاك أتالي، في كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «الطريق إلى لب اللباب». ويمكن ترجمته حرفياً: «الطرق المؤدية إلى ما هو جوهري وأساسي».
والمؤلف هو مستشار الرئيس ميتران سابقاً وصاحب الكتب العديدة. نذكر من بينها: «العقل والإيمان ابن رشد، وابن ميمون، وتوما الأكويني»، 2004، ثم: «تاريخ الحداثة: كيف تفكر البشرية بمستقبلها» 2013، ثم: «هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل؟» 2015.
كما أنه صاحب السير التاريخية الكبرى عن باسكال، وغاندي، وكارل ماركس: روح العالم... إلخ.
في هذا الكتاب الجديد، يقول المؤلف ما معناه: أن الحياة الطيبة والحرة والسعيدة ستكون حتماً أفضل إذا ما اطلعنا على أكبر عدد ممكن من الروائع من شتى الأنواع والأصناف. فهي تشكل وسيلة ممتازة لاكتشاف الآخرين والعالم ونفسك. ولهذا السبب خطرت على بالي فكرة تنظيم قائمة بأسماء هذه الروائع من روايات، وكتب فكرية، وأعمال موسيقية، ولوحات فنية، ودواوين شعرية... إلخ. وقد استغرق مني هذا الفرز عشرات السنين. وقد أحببت أن يشاطرني القراء الأعزاء هذه المختارات أو المنتخبات. وعلى هذا النحو نتج هذا الكتاب.
ثم يردف المؤلف قائلاً: «طيلة زمن طويل جداً ما كان ممكناً للمرء أن يطلع على ثقافات الآخرين إلا قليلاً ونادراً. كان كل واحد منا محصوراً داخل جدران ثقافته الخاصة فقط. وأما اليوم فقد أصبحت كل ثقافات العالم متوافرة لنا جميعاً بفضل الإنترنت وثورة المعلوماتية التي دوخت العقول، وأدخلتنا في طور جديد من أطوار البشرية». ماذا نستنتج من كلام جاك أتالي؟ نستنتج أننا انتقلنا من كنوز التراث العربي مثلاً إلى كنوز البشرية كلها. التراث الصيني والهندي والياباني... إلخ أصبح ملكاً مشاعاً لنا أيضاً. وأنا شخصياً أجد متعة كبيرة في الانتقال من هذا إلى ذاك، وبالأخص من التراث العربي إلى التراث الفرنسي. وأجد أن الإنسان يغتني بتراثين وشخصيتين وثقافتين.
لكن ما هي أعظم 10 روائع روائية؟
يرى المؤلف أنه في مجال الروايات، فإن «دون كيشوت» هي واحدة من أعظم ما كُتب في مجال الرواية. وهذا شيء متفق عليه وتحصيل حاصل. ثم يذكر «موبي ديك» لميلفيل، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«الحرب والسلام» لتولستوي، و«مائة عام من العزلة» لماركيز. وكل هذا اختيار جيد ومقبول تماماً. ولكنه يذكر روايات أخرى أقل قيمة، بل وغير معروفة أحياناً. ثم بالأخص ينسى روائع دوستوفسكي ولا يعدها في العشرة الأوائل. فهل يعقل ذلك؟ وينسى روائع بلزاك، و«الأحمر والأسود» لستندال، و«هيلويز الجديدة» لجان جاك روسو، إلخ. هكذا نلاحظ أن اختياراته تعسفية في قسم منها على الأقل.
ما هي أعظم ثلاثين رائعة روائية؟
هنا يذكر «ألف ليلة وليلة»، وكان ينبغي أن يضعها مع العشرة الأوائل إلى جانب «دون كيشوت». كما يذكر «الأحمر والأسود» لستندال، و«ديفيد كوبرفيلد» لتشارلز ديكنز، و«الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، و«الغريب» لألبير كامو، إلخ. ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة أبداً اللهم إلا إذا أراد أن يفرض علينا ذوقه وميوله بالقوة.
- ما هي أعظم مائة رائعة روائية؟
هنا نلاحظ أن حظنا نحن العرب يتمثل فقط برواية نجيب محفوظ: «قصر الشوق». وهي الجزء الثاني من ثلاثيته الشهيرة. وفي رأي المؤلف فإنها أفضل الثلاثة. وهو يضعها في مصاف «البؤساء» لفيكتور هيغو، و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبيك، و«لمن تقرع الأجراس» لأرنست همنغواي، و«الجريمة والعقاب» لدوستوفسكي، و«التربية العاطفية» لفلوبير... ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة على الإطلاق.
والآن لننتقل إلى روائع من نوع آخر، ولنطرح هذا السؤال:
ما هي أعظم الروائع الفكرية - الأدبية في نظر جاك أتالي؟
هنا نلاحظ أنه يركز على كتب السيرة الذاتية والمقالات والمذكرات الشخصية. وهذا شيء محترم ولا غبار عليه. فهو يذكر كتاب مونتيني الشهير المدعو بـ«المقالات»، الصادر عام 1592. وعنه يقول ما فحواه: هذا الكتاب يشكل قارة بأسرها لوحده. إنه يتحدث عن الكوني من خلال الخصوصي، ويعالج كل جوانب الوجود البشري. وكل ذلك بنرجسية استهزائية عميقة لا تقاوم. يقول مونتيني مثلاً: «لم أصنع كتابي هذا بقدر ما صنعني». بمعنى أنه منصهر فيه تماماً. ولهذا السبب اشتهر الكتاب وظل معتبراً من الروائع الفرنسية بل والعالمية منذ نهاية القرن السادس عشر، وحتى يومنا هذا. هناك كتب تخترق القرون، لا تموت. وهناك كتب تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات، وينساها الناس، وكأنها لم توجد قط. ولكن جاك أتالي ينسى كتاباً عظيماً صدر عام 1762، يدعى «اعترافات» جان جاك روسو. وهذا شيء مؤسف جداً. وهو لا يقل أهمية عن كتاب مونتيني إن لم يزد أضعافاً مضاعفة.
- ما هي أعظم الروائع الفلسفية؟
هنا نتفق معه في اختيار كتاب ابن رشد «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» الصادر عام 1179، المقصود بالحكمة هنا الفلسفة. ولا يسعنا إلا أن نشاركه إعجابه بفيلسوف العرب والإسلام. وسبب إعجابه هو أن ابن رشد نص منذ القرن الثاني عشر على أولوية العقل قياساً إلى النقل. فإذا ما تناقض النقل مع العقل فإنه يتوجب علينا إعادة تأويل النقل لكي يتوافق مع العقل. بمعنى آخر فإن الأولوية للعقل. هذا في حين أن الدوغمائيين المتحجرين يقولون العكس. وربما لهذا السبب نقم عليه فقهاء عصره وحرقوا كتبه في أواخر حياته. (بين قوسين: ولكن هناك رأي يقول العكس تماماً. فابن رشد لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره، وإنما كان فقيهاً متديناً بل وقاضي القضاة في قرطبة. وبالتالي فالشرع الديني أهم بالنسبة له من الفلسفة ويعلو عليها). ثم يختار المؤلف كتاب «خلاصة اللاهوت» للقديس توما الأكويني المؤلف بين عامي 1266 - 1273. وقد استفاد كثيراً من ابن رشد، وحاول مثله التوفيق بين الدين المسيحي والفلسفة اليونانية. أما ابن رشد فقد وفق بين الدين الإسلامي والفلسفة اليونانية ذاتها. لقد وفق كلاهما بين الإيمان والعقل. وهناك فيلسوف ثالث مهم هو موسى بن ميمون الذي استفاد من ابن رشد أيضاً، لكي يوفق بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية. وقد فعل ذلك من خلال كتابه المعروف: «دلالة الحائرين». وقد كتبه بالعربية مباشرة، وبعدئذ ترجموه إلى العبرية واللغات الأخرى. وهو كتاب مهم جداً، ومن روائع القرون الوسطى. ولذلك نقول بأن ابن ميمون مفكر عربي لأن كل من كتب وفكر وأبدع بالعربية فهو عربي. نقول ذلك باعتبار أن العروبة ثقافة وحضارة كونية وليست نزعة عرقية أو عنصرية أو طائفية. هؤلاء الثلاثة الكبار هم فلاسفة العصور الوسطى: المسلم ابن رشد، واليهودي ابن ميمون، والمسيحي توما الأكويني. ونتفق معه أيضاً في اختيار كتاب ديكارت الذي تجاوزهم جميعاً، وأغلق فلسفة العصور الوسطى، ودشن العصور الحديثة من خلال كتابه الشهير «مقال في المنهج» الصادر عام 1637، وهو يقوم فيه بمحاولة لتوجيه العلوم في اتجاه تحقيق التقدم التقني أو التكنولوجي. إن ديكارت يدافع هنا عن حق الإنسان في التفكير بكل حرية بواسطة عقله فقط. وهذا كان يشكل ثورة في تاريخ الفكر البشري. ولكنه لم يستطع تجاوز الدين كلياً، ولم يتجرأ على نقده بشكل مباشر خوفاً من الاغتيال. ولذلك جاء بعده مباشرة تلميذه سبينوزا الذي تجرأ لأول مرة على نقد العقائد اللاهوتية اليهودية - المسيحية نقداً صارماً. ثم جاء بعدهما كانط وأحدث القطيعة الكبرى بين الفلسفة والدين من خلال كتابه الشهير: «نقد العقل الخالص». ولكنه لم ينكر مشروعية الدين على المستوى الميتافيزيقي الأخروي الماورائي. ولم يرفضه في المطلق، كما سيفعل نيتشه لاحقاً. فقط رفض الصيغة الأصولية الظلامية للدين. ولكنه أقر بمشروعية الصيغة التنويرية من خلال كتابه: الدين ضمن حدود العقل فقط.
ولا نخالفه الرأي، إذ يختار «رسالة في التسامح» لفولتير. ومعلوم أنه كتبها دفاعاً عن شخص أقلوي بروتستانتي مضطهد، بل ومقتول من قبل الأغلبية الكاثوليكية في مدينة تولوز الفرنسية. هذا الشخص يدعى جان كالاس. وعندما سمع فولتير بالجريمة أمسك بقلمه وألف هذا الكتاب الذي نحن أحوج ما نكون إليه في عصر «الدواعش». إن فولتير يقدم هنا نصاً فلسفياً كونياً ينطبق على جميع الثقافات وجميع الأديان وجميع العصور. والشيء العجيب في الأمر هو أن فولتير يهاجم هنا طائفته الخاصة بالذات، أي طائفة الأغلبية الكاثوليكية، ويدافع عن الطائفة المضادة، أي طائفة الأقلية البروتستانتية. وهذا شيء نادر عند المثقفين. هل تجدون له مثيلاً في العالم العربي؟ ما عدا صديقي الراحل العفيف الأخضر لا أرى أحداً.. أرجو أن أكون مخطئاً.
- ما هي أعظم الروائع الشعرية؟
الآن دعونا ننتقل إلى الشعر. هل يهتم جاك أتالي به؟ يبدو ذلك. ويضع في مقدمة القائمة «نشيد الإنشاد» التوراتي، ومعه الحق من دون شك. فهو شعر بديع وقصيدة طويلة تمجد الحب والغزل بشكل حسي، بل وإيروتيكي تقريباً، أو حتى من دون تقريباً. والغريب العجيب أنه موضوع في قلب الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهل يمكن أن يتصالح الجنس مع الدين؟ هل يمكن أن يقبل الدين بالغزل الحسي والجنسي محشوراً في نصه المقدس؟ بعده تجيء «الأوديسا» لهوميروس. ولكن أين هي «الإلياذة»؟ ولماذا لم يقع عليها الاختيار؟ سر مجهول. ثم نفاجأ بأنه يصنف كتاب «الأغاني» الشهير لأبي الفرج الأصفهاني في القائمة ذاتها. وقد سعدت جداً بذلك لأنه أحد عيون تراثنا العربي. فشكراً له وألف شكر.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن «رباعيات الخيام»، ونعم الاختيار، فهي كونية ومترجمة إلى مختلف لغات العالم. كما يتحدث عن دانتي وفصل «الجحيم» في «الكوميديا الإلهية». ولكني لن أغفر له أنه نسي ذكر «رسالة الغفران». لماذا لم يضعها في صدر القائمة؟ المعري في رأينا أهم من دانتي. وهو على أي حال سبقه وأثر عليه أيضاً. هنا يوجد نقص كبير في تصنيفات جاك أتالي على الرغم من ألمعيته.
ثم يذكر المؤلف بعدئذ «أزهار الشر» لبودلير وهي من روائع الشعر العالمي بطبيعة الحال. ويقول عنها كلاماً صائباً عندما يصفها بأنها تتحدث عن الألم، والعذاب، والتقزز من الوجود، والهوس بالموت، والطموح إلى الخير. ثم يذكر «التأملات» لفيكتور هيغو، و«أوراق العشب» لوالت ويتمان، و«النبي» لجبران خليل جبران... إلخ. وهنا أيضاً نشكره لأنه أشاد بعبقري لبنان والعرب. لكن ماذا عن قصص الحب والغرام؟ لا أغفر له أنه نسي شعراءنا العذريين من ذو الرمة وحبيبة قلبه الغالية مي، إلى جميل بثينة، فمجنون ليلى:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريا روضه بعد القطار
تحية للشعر العربي!
تحية لمجنون ليلى، قيس بن الملوح: أعظم مجنون وأنقى شاعر في تاريخ العرب والعالم.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.