إيران 2019... «السير على حافة الهاوية»

عقوبات شاملة طالت خامنئي وظريف والبنك المركزي > تصنيف «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب > طهران تخفض التزاماتها وأوروبا تميل نحو الولايات المتحدة

حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
TT

إيران 2019... «السير على حافة الهاوية»

حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)

تشعبت حلقات التوتر بين طهران وواشنطن وعواصم إقليمية، على مدى عام 2019. مما يجعلها مصدر قلق عالمياً.
ووصل الاتفاق النووي على شفا الانهيار. ولم يسجل أي اختراق ملحوظ في الملف الإيراني على صعيد الشروط الـ12 الأميركية. تدهورت أحوال الاقتصاد الإيراني أكثر مع من أي وقت مضى بعد عام على انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق ودخول طهران إلى مسار خفض الالتزامات في إطار انسحاب متدرج من الاتفاق. وتبنت طهران استراتيجية «السير على حافة الهاوية»، فيما أدخلت الولايات المتحدة جرعات زائدة على استراتيجية «الضغط الأقصى» ومعها تلبدت غيوم الحرب فوق المنطقة رغم تأكيد الطرفين الأساسيين التمسك بـ«الصبر الاستراتيجي».
ملفات عديدة برزت في الملف الإيراني خلال 2019. من بينها ملف التجارب الصاروخية، والتدهور الأمني في خليج هرمز، وإعادة العقوبات على طهران، والهجمات على السفن، وأخيراً الاحتجاجات الشعبية على تردي الأحوال الاقتصادية التي راح ضحيتها الآلاف.
وهي ملفات ألقت بظلالها على تدهور الوضع الإقليمي ورسمت معالم تطورات لاحقة سواء في الداخل الإيراني أو في علاقاتها مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

التجارب الصاروخية
في الشهرين الأولين من 2019 صعدت طهران بشكل كبير على صعيد الملف الصاروخي، وتجاهلت تحذيرات أميركية وأخرى أوروبية من انتهاك القرار 2231 الصادر بعد الاتفاق النووي في مجلس الأمن. وأقدمت على إرسال صاروخ يحمل قمراً صناعياً إلى الفضاء في يناير (كانون الثاني) لكن الصاروخ انفجر قبل وضع القمر في مدار الأرض، ورغم تحذيرات دولية، فشلت تجربة إيرانية في بداية فبراير (شباط). واتفقت فرنسا وأميركا بشأن التكنولوجيا المستخدمة في التجربتين، وقالت إنها صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، واتهمت إيران بانتهاك القرار الأممي 2231. وأعلنت طهران في فبراير تطوير صاروخ كروز يبلغ مداه ألف و300 كليومتر.
وبين التجربة الصاروخية الأولى والتجربة الثانية، أعلن رئيس الأركان الإيراني محمد باقري أن بلاده انتقلت من استراتيجية الدفاعية إلى الهجومية، معلناً عن استعداد القوات العسكرية الإيرانية لتوجيه ضربات استباقية «إذا وجدت مؤشراً أو دليلاً على اعتداء وشيك ضد إيران».
وفي بداية أبريل (نيسان)، وجه الثلاثي الأوروبي في الاتفاق النووي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) رسالة إلى الأمم المتحدة، بشأن قلقها المتزايد من الأنشطة الباليستية الإيرانية، وطالبت بتقديم تقرير «كامل وشامل» إلى مجلس الأمن الدولي. وفي بداية ديسمبر (كانون الأول)، عاد الثلاثي الأوروبي لاتهام إيران بتطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، وذلك في رسالة ثانية إلى الأمم المتحدة خلال 2019.

تدشين الآلية المالية
بعد نحو ثلاثة أشهر على تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية أعلن الثلاثي الأوروبي في نهاية يناير، تدشين آلية «إينستكس» للتبادل التجاري بغير الدولار وهي عبارة عن خط ائتمان مالي يعوض طهران عن خسائر العقوبات الأميركية، لتكون إيران قادرة على شراء الأغذية والأدوية في البداية قبل أن تتوسع الآلية.
وقال الاتحاد الأوروبي في أكثر من مناسبة أنه يريد إبقاء الاتفاق النووي على قيد الحياة وصرحت مسؤولة السياسة الخارجية، فدريكا موغريني في عدة مناسبات أن الاتفاق النووي «ما زال عنصراً رئيسياً في مكافحة الانتشار النووي، وفق القرار الأممي 2231». لكن الآلية المالية لم تحقق تقدماً ملموساً بسبب المخاوف من تحذيرات واشنطن للشركات الأوروبية من حرمانها من الوصول إلى شبكة المال الأميركية، ومماطلة إيران في الامتثال لمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف) المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وجاءت الآلية المالية بعد شهور من تدهور العلاقات الإيرانية مع ألمانيا وهولندا والدنمارك والسويد وبلجيكا وفرنسا على خلفية إحباط عمليتين إرهابيتين في صيف 2018. مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على وزارة الاستخبارات الإيرانية في فبراير 2019.
في مارس (آذار)، اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي، الدول الغربية بـ«طعن إيران في الظهر»، بشأن الاتفاق النووي، وقلل من أهمية الآلية المالية ووصفها بـ«المزحة».

مؤتمر وارسو
بموازاة التصعيد الصاروخي الإيراني والمفاوضات الإيرانية الأوروبية لتدشين الآلية المالية، بدأت الولايات المتحدة عام 2019 بسقف عالٍ من الضغوط وأعلنت عن تنظيم مؤتمر وارسو لـ«تشجيع الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط»، بمشاركة نحو 60 دولة لبحث أمن المنطقة والتركيز على إيران بالتزامن مع احتفالات إيران بذكرى مرور أربعين عاماً على الثورة، في منتصف فبراير.
ورغم أن البيان الختامي لم يذكر اسم إيران لكن خطابات نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو تمحورت حول تهديدات أنشطة إيران. وشدد البيان الختامي للمؤتمر على ضرورة التصدي لخطر إنتاج الصواريخ والإرهاب والتطرف وأمن الملاحة البحرية ومخاطر المجموعات المسلحة التي تدين بالولاء لبعض الدول. ووجهت إيران انتقادات لاذعة للمؤتمر واعتبرته عملاً تمهيدياً لتحالف يهدف إلى إسقاط النظام.

تصنيف الحرس الثوري إرهابياً
في الثامن من أبريل اتخذ البيت الأبيض خطوة عملية بضم قوات «الحرس الثوري» إلى 100 كيان إيراني مصنف على قائمة المنظمات الإرهابية.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن «الحرس الثوري هو أداة الحكومة الرئيسية لتوجيه وتنفيذ حملتها الإرهابية العالمية»، مضيفاً: «يقمع الإيرانيين في الداخل ويمارس الإرهاب في الخارج»، مشيراً إلى أن «قاسم سليماني (قائد فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس) هو وزير خارجية إيران الفعلي». وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن الخطوة تساوي بين سليماني وزعيم تنظيم «داعش»، أبو بكر البغدادي، ولوح باللجوء إلى أدوات لوقف التعامل مع «الحرس الثوري»، محذراً الشركات والبنوك الأجنبية.
ولم يمر أسبوعان على تصنيف «الحرس الثوري» حتى أصدر خامنئي مرسوماً بإقالة قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري وتعيين نائبه حسين سلامي على رأس «الحرس الثوري» الذي أطلق إعادة هيكلة للصف الأول من قيادات الجهاز المتنفذ.
وأثارت الخطوة مخاوف من استهداف القوات والمصالح الأميركية في المنطقة. وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران برايان هوك: «إن الحرس الثوري لطالما كان يهدد القوات الأميركية منذ تأسيسه». وأضاف: «كلما فرضت عقوبات على إيران تتبعها سلسلة من التهديدات»، وتحدث عن اعتماد واشنطن نهجاً جديداً كلياً في استراتيجية الضغط الأقصى المستمر لحرمان «الحرس الثوري» والنظام الإيراني من الإيرادات التي يحتاج إليها لإدارة سياسته الخارجية.
جاء الحدث بعد يوم من طلب المرشد علي خامنئي، من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، العمل على إخراج القوات الأميركية «على وجه السرعة». ورداً على الخطوة الأميركية، اعتبرت إيران القوات الأميركية في المنطقة «جماعات إرهابية» وصادق البرلمان الذي ارتدى أعضاؤه زي قوات «الحرس» على مشروع في هذا الصدد. وهدد الرئيس حسن روحاني بدخول إيران إلى طريق مغاير للاتفاق النووي، ملوحاً بإنتاج أجهزة طرد مركزي متطورة. وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف إن بلاده قد تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي. وبعد يوم أعلنت الولايات المتحدة إلغاء العمل بإعفاءات مؤقتة كانت قد منحتها إلى أكبر عملاء للنفط الإيراني وهم اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وإيطاليا واليونان وتركيا.

التوتر الإقليمي وتحالف أمن الملاحة
زادت حدة التوتر في الخليج على بعد شهرين من بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، والتي شملت صادرات النفط الإيرانية. توجه رئيس الأركان الإيراني محمد باقري في يناير 2019 إلى جزيرة أبو موسى لتوجيه رسالة للقوات الأميركية في المنطقة وذلك بعد عشرة أيام على عودة حاملة الطائرات «جون سي. ستينيس» واقتراب 30 زورقاً إيرانياً من حاملة الطائرات.
جاء ذلك بعد شهور من تلاسن بين الرئيسين الأميركي والإيراني حول إمكانية إغلاق هرمز في حال منعت الولايات المتحدة صادرات النفط الإيرانية. وبالتزامن مع بدء وقف الإعفاءات النفطية حض خامنئي القوات العسكرية للجهوزية الحربية. وشن قادة «الحرس» حرباً كلامية تضمنت تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة حركة الملاحة. وقالت إيران إنها مسؤولة عن أمن مضيق هرمز وطالبت القوات الأميركية بمغادرة الخليج.
وفي المقابل أرسلت الولايات المتحدة تعزيزات إلى الخليج، أبرزها مجموعة حاملة طائرات «إبراهام لنكولن» وقاذفات «بي 52» ومنظومة صواريخ «باتريوت» الدفاعية قبل أن ترسل مزيداً من التعزيزات بعد مهاجمة منشأتي «أرامكو» في شمال السعودية منتصف سبتمبر (أيلول)، مما رفع حدة التوتر إلى مستويات غير مسبوقة في المنطقة. وحملت السعودية والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا إيران مسؤولية الهجوم.
قبل هجوم «أرامكو»، تعرضت نحو ست سفن إلى هجمات في مياه الخليج بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) وألقت واشنطن بمسؤوليتها على طهران. كما استهدف هجوم بطائرات مسيرة مفخخة خط الأنابيب النفطية الممتد من شرق إلى غرب السعودية. وقالت ميليشيا الحوثي الموالية لإيران إنها نفذت الهجوم بسبع طائرات مسيرة.
وفي 20 يونيو أعلنت إيران عن إسقاط «درون» أميركية من طراز «غلوبال هوك» بصاروخ سطح جو في مياهها الإقليمية قرب مضيق هرمز ونفت الولايات المتحدة أن تكون الطائرة دخلت المجال الجوي لإيران ووصفت الهجوم بأنه «غير مبرر».
في يوليو (تموز) دخلت أزمة الخليج إلى مستويات متقدمة بعدما احتجز «الحرس الثوري» ناقلة نفط ترفع علم بريطانيا يوم 19 يوليو، بعد أسبوعين من احتجاز قوات بريطانية لناقلة نفط إيرانية قرب جبل طارق متهمة إياها بانتهاك عقوبات على سوريا. بعد شهر ونصف أطلقت سلطات جبل طارق الناقلة الإيرانية. ولكن طهران لم تطلق الناقلة البريطانية إلا قبل يومين من توجه الرئيس الإيراني للمشاركة في أعمال الجمعية العامة في الأمم المتحدة.
ودفعت الهجمات على ناقلات النفط واحتجاز الناقلات إلى تحرك أميركي وآخر أوروبي لتشكيل تحالف بحري يهدف إلى حماية أمن الملاحة.
وبعد شهور من مشاورات واشنطن وحلفائها باشر «التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية» باسم «سانتينال» مهمته بمقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية في البحرين، فيما أعلنت الدول الأوروبية أن تحالفها ستقوده فرنسا وتتخذ من أبوظبي مقراً لها.
وفي الأيام التي شهدت ارتفاع نسبة التوتر فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار مستشاريه وشملت نجله مجتبى خامنئي الذي يرتبط اسمه بـ«الحرس الثوري». وضم الولايات المتحدة قبل ذلك وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى قائمة العقوبات وفرضت حظراً على نشاط الدبلوماسيين الإيرانيين في أراضيها. كما فرضت عقوبات مشددة على البنك المركزي الإيراني.

أربع خطوات من خفض التزامات النووي
مع حلول الذكرى الأولى لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بدأت واشنطن استراتيجية منع تصدير النفط الإيراني وفي المقابل لم تقف طهران مكتوفة الأيدي وبدأت خطوات الرد على الإجراءات الأميركية.
وعلى مدى ثمانية أشهر، أعلنت إيران تجميد ثمانية أجزاء من التزاماتها في الاتفاق النووي، في إطار ما وصفته بالانسحاب التدريجي من الاتفاق.
وأعلنت إيران أربع خطوات، ومع إعلان كل خطوة جديدة تقوم طهران بإمهال الدول الأوروبية 60 يوماً للحصول على مطلبين أساسيين تعتبرهما حلاً مؤقتاً لمواجهة منظومة العقوبات، وهي بيع النفط الإيراني وإقامة علاقات بنكية تسمح للتجارة ونقل الموارد النفطية.
في الخطوة الأولى قالت طهران إنها لم تعد تلتزم بعملية بيع المخزون الزائد اليورانيوم المخصب والماء الثقيل. وزاد مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى 372.3 كيلو غرام، أي بزيادة كبيرة عن الحد الأقصى المنصوص عليه في الاتفاق والبالغ 202.8 كلغ. وفي منتصف نوفمبر، أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية دول الأعضاء أن مخزون إيران من الماء الثقيل في مفاعل أراك تخطى عن 130 طناً المنصوص عليه في الاتفاق النووي.
أما الخطوة الثانية، فقد رفعت طهران في بداية يوليو نسبة تخصيب اليورانيوم من درجة 3.67 في المائة القصوى بموجب الاتفاق النووي، إلى 4.5 في المائة، وهددت إيران بإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي، ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20 في المائة في تجاوز لحدود الاتفاق وفتحت الباب أمام التراجع من التزامات منشأة أراك للمياه الثقيلة.
وفي الخطوة الثالثة، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في بداية سبتمبر إن بلاده لن تلتزم بأي قيود فيما يتعلق مجال الأبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران أقدمت على تركيب نحو 60 جهاز طرد مركزي متطور نوع «إي - أر 4» و«إي أر - 5» و«إي أر - 6» في منشأة نطنز، مما يزيد مخزونها من اليورانيوم المخصب.
الخطوة الرابعة: في بداية نوفمبر أعلنت إيران خطوة من شأنها أن تثير الدول الغربية بإعادة أنشطة تخصيب اليورانيوم إلى منشأة فردو، وهو موقع كان سرياً تحت الأرض عثر عليه بناء على تقارير استخباراتية في 2009. وبدأت إيران ضخ غاز يو إف6 (سداسي فلوريد اليورانيوم) في أجهزة الطرد المركزي في فردو في حضور مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

موقف أطراف الاتفاق النووي
بعد الخطوة الرابعة، بدأت الأطراف الأوروبية بشكل علني طرح إمكانية إطلاق «آلية فض النزاع» المنصوص عليها في الاتفاق؛ مما يهدد بالاستئناف التلقائي لعقوبات الأمم المتحدة على إيران. وعادت أطراف الاتفاق النووي لمباحثات أكثر حساسية في بداية ديسمبر (كانون الأول). وطالبت القوى الأوروبية إيران بوقف انتهاك الاتفاق النووي، لكن تلك الدول أجلت تفعيل آلية فض النزاع.
وقالت طهران، إنها ستواصل تقليص تعهداتها ما لم يعمل الأطراف الأخرى بالتعهدات وحذرت من نقل ملفها إلى مجلس الأمن.
وبعد تراجع لأشهر، عادت جهود الوساطة إلى الواجهة في الأمتار الأخيرة من عام 2019، وعادت الوساطة السويسرية لتنجح بإبرام صفقة تبادل سجناء في النصف الأول من ديسمبر.
وفي النصف الثاني، سافر الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى طوكيو في وقت قالت مصادر فرنسية، إن الرئيس إيمانويل ماكرون أغلق ملف الوساطة منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) بعدما لم تنجح دعواته للتفاوض بين الطرفين بسبب تمسك طهران برفع العقوبات أولاً.

خطة حكومية لموازنة جديدة ترفع أسعار البنزين وتفجر احتجاجات شعبية

> أعلنت الحكومة الإيرانية في منتصف نوفمبر قراراً مفاجئاً بزيادة أسعار البنزين بين 50 في المائة إلى 300 في المائة، أثار هلعاً بين الإيرانيين الذين يمرون بأوضاع معيشية صعبة جراء أزمة اقتصادية تفاقمت مع إعادة العقوبات الأميركية عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. وجاء القرار بعد أقل من شهرين على إعلان الحكومة الإيرانية خطة لاعتماد موازنة جديدة دون الاعتماد على عائدات النفط في ظل استراتيجية تتبعها الإدارة الأميركية بمنع صادرات النفط الإيرانية منذ الذكرى الأولى للانسحاب الأميركي من الاتفاق.
وصدم إعلان الحكومة المفاجئ الإيرانيين. ومنذ اللحظات الأولى تناقلت وكالات رسمية صوراً تظهر حالة الهلع في محيط محطات البنزين بطهران ومدن كبرى بأنحاء البلاد.
وفي يوم الجمعة 15 نوفمبر، قطع محتجون طرقاً سريعة في عموم محافظة الأحواز. وتناقلت شبكات التواصل الاجتماعي تسجيلات من نزول المتظاهرين إلى أحياء كبرى وسط مدينة الأحواز، ويرددون هتافات تنادي بتحرك الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، نفت السلطات اندلاع نيران بمحطات البنزين. ولكن السبت في 16 ديسمبر امتدت المظاهرات إلى عدة مدن كبيرة وصغيرة على رأسها طهران وشيراز وأصفهان وتبريز وكرمانشاه ومشهد.
وبدأت السلطات قطع الإنترنت، في وقت بدأ ناشطون بنشر معلومات عن تدخل عنيف لقوات الأمن لفتح الطرق السريع بالمدن الكبير، وهو ما أدى إلى تراشق بالحجارة بين المحتجين وأجهزة الأمن. وأظهرت مقاطع إحراق مبانٍ ومقرات تابعة لقوات الأمن، فضلاً عن مئات البنوك ومحطات البنزين. وفي اليوم الثالث تحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات منددة بالنظام ودخلت إلى أجواء مشابهة لاحتجاجات واسعة شهدتها أكثر من ثمانين مدينة إيران في نهاية 2017 جراء تدهور الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار. وبعد مضي أسبوعين عاد الإنترنت تدريجياً إلى البلاد.
وبعد ثلاثة أسابيع على الاحتجاجات، المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أعلنت الجمعة استناداً إلى «تقارير» أن لديها «معلومات تشير إلى مقتل 208 أشخاص على الأقل» خلال الاحتجاجات، مما يدعم عدد القتلى الذي سبق أن قدمته منظمة العفو الدولية. وقالت إن ما لا يقل عن سبعة آلاف شخص تم اعتقالهم في إيران.
واتهمت الأمم المتحدة قوات الأمن الإيرانية بإطلاق النار على المتظاهرين. هناك أيضاً تقارير لم تتمكن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من التحقق منها حتى الآن تشير إلى مقتل أكثر من ضعف هذا العدد».
وقالت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه إن شريط الفيديو الذي حصل عليه مكتبها يظهر «استخدام عنف شديد ضد المحتجين». وأضافت: «تلقينا أيضاً لقطات تظهر على ما يبدو قوات الأمن تطلق النار على متظاهرين غير مسلحين من الخلف بينما كانوا يفرون وتطلق النار مباشرة على الوجه والأعضاء الحيوية... بعبارة أخرى يطلقون النار لقتلهم».
ولاحقاً، نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مصادر مسؤولة في وزارة الداخلية، أن المرشد علي خامنئي جمع كبار المسؤولين في أجهزة الأمن والحكومة بحضور الرئيس حسن روحاني، بعد 48 ساعة من بداية الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وأصدر بنفاد صبرٍ أوامر لهم: «افعلوا ما يلزم لوضع حد لها».
ونقلت «رويترز» عن مسؤولين، أن 1500 شخص سقطوا قتلى خلال الاحتجاجات ومن بين القتلى 17 في سن المراهقة، ونحو 400 امرأة، وبعض رجال الأمن والشرطة.
وأعلن المرشد علي خامنئي تأييده لقرار رفع زيادة البنزين الذي اتخذته اللجنة الاقتصادية العليا في البلاد وهي تضم رئيس القضاء ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان. كما تصدى لتحرك نواب البرلمان الذين حاولوا عرقلة القرار.
وأطلق المسؤولون الإيرانيون تسميات مثل «الأشرار» و«مثيري الشغب» على المحتجين، كما وصفوا الاحتجاجات بـ«الحرب العالمية» و«المؤامرة الكبيرة» و«الفتنة».
ويرتبط سعر البنزين ارتباطاً وثيقاً بأسعار السلع والخدمات في إيران. وشكلت زيادات سعر البنزين في السابق موجات غلاء أدى بعض منها إلى نزول الإيرانيين في الشارع.
وتتطلب خطة الحكومة زيادة مواردها الداخلية وخفض الأنفاق وتكاليف الدوائر الحكومية، إضافة إلى رفع أسعار الوقود والخدمات العامة والضرائب. وقالت الحكومة إنها تريد تقليص الحكومة وإلغاء بعض المؤسسات والأجهزة. وفي المقابل وعدت بزيادة الدعم لذوي الدخل المحدود.
وواجهت الحكومة الإيرانية نقصاً يقدر بنحو عشرة مليارات دولار في موازنة 2019.
وشهدت العملة الإيرانية استقراراً نسبياً بعدما مرت بأيام صعبة منذ بداية عام 2018 ولكنها بلغت مستويات قياسية 190 ألف ريال للدولار الواحد في الشهور الأولى من إعادة العقوبات الأميركية، وعادت العملة للتراوح على مدار عام 2019 بين 100 ألف ريال و130 ألف ريال كحد أقصى.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.