الكتّاب اللبنانيون يحبون الرواية ويفضلون المترجمة

الروائية جنى الحسن  -  الصحافي الكاتب محمد الحجيري  -  الروائية بسمة الخطيب
الروائية جنى الحسن - الصحافي الكاتب محمد الحجيري - الروائية بسمة الخطيب
TT

الكتّاب اللبنانيون يحبون الرواية ويفضلون المترجمة

الروائية جنى الحسن  -  الصحافي الكاتب محمد الحجيري  -  الروائية بسمة الخطيب
الروائية جنى الحسن - الصحافي الكاتب محمد الحجيري - الروائية بسمة الخطيب

لا يزال الكتاب اللبنانيون منشغلون بقراءة الرواية والعودة إلى التاريخ، لكن الغالب هذه السنة هو عدد الكتب المترجمة التي قالوا إنهم قرأوها. وإذا كانت الكتب المترجمة، من رواية وغيرها، باتت من مفضلات القارئ العربي، فإن المثقفين ربما لا يشذون عن هذه القاعدة. وهنا آراء لأربعة كتاب لبنانيين يتحدثون عن أجمل الكتب التي قرأوها هذا العام، وبينها كتب لفيليب روث، ويمنى العيد، وأغوتا كريستوف، وأمير تاج السر، وكذلك أسامة المقدسي.
- جنى الحسن: قرأت «الوصايا» أكثر من 20 مرة
أعجبتني رواية «مستر نون»، للكاتبة اللبنانية نجوى بركات. الرواية مكتوبة بلغة آسرة، وأسلوب يجعلها تستحق أن تكون في مصاف الروايات العالمية. هي رواية تدخلك إلى عالمها لتعيش تفاصيل شخصياتها، وأيضاً تفاصيل المكان الذي هو بيروت. ورغم أنها تعالج موضوع الحرب، فإنها تتطرق أكثر إلى مرحلة ما بعدها، وكيف تطبع أثرها على الإنسان.
كذلك كتاب «بعلم الوصول»، للكاتب المصري أحمد خير الدين، وهو مجموعة رسائل قديمة مكتوبة بخط اليد جمعها الكاتب على مدى فترة طويلة في هذا الكتاب. الرسائل تظهر تحولات المجتمع المصري، ولكن أيضاً تحمل في كل رسالة حكاية وحالة إنسانية مختلفة.
وهناك ديوان «استيقظ لكي تحلم»، للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي. وواقعية شعر مريد البرغوثي، وملامسته لتفاصيل الحياة اليومية، عوامل جاذبة بالنسبة لي. أن تختزل حكمة في سطرين بالنسبة لي هو أمر لافت ينطبع في الذاكرة.
هناك أيضاً كتاب «الوصايا»، لفادي عزام. قرأته تقريباً أكثر من 20 مرة، وأعود إليه كلما كنت بحاجة إلى تحفيز أو دعم معنوي. ومن الكتب المهمة «المخطط ضد أميركا»، للكاتب الأميركي فيليب روث. وقد قرأت مجمل أعمال فيليب روث، وهو من كتابي المفضلين، لكن هذه الرواية كانت مميزة لأنه رغم أنها مكتوبة منذ مدة، فإنها تلامس الواقع الأميركي الحالي.
- د. غادة صبيح: «لن أغادر منزلي» لسليم بطّي
أعشق بشكل أساسي قراءة الرواية، وأختار من بين ما قرأت «لن أغادر منزلي»، لسليم بطّي، بل «لن يغادرني منزلي»... هذا هو العنوان الأصح لهذه الرواية.
قرأتها مرتين متتاليتين، وما أزال أرغب في تصفحها. قوي جداً سليم بطي، بجرأة صوره وتعابيره، لدرجة تدفعك إلى مراجعة نفسك، والتأكدّ من المعنى المقصود فعلاً.
من زمنٍ، بل إنها المرة الأولى التي أرفع فيها كلمات للبحث في المعجم، وأنا أقرأ العربية وبالعربية. شعرت بالكاتب، المحاضر بالترجمة والأدب الإنجليزي، ينتقم لكل الويلات التي يعاني منها عند نقله النصوص الأدبية إلى اللغة العربية، وكأنه يقارع من سيحاول ترجمة روايته لاحقاً بالبحث عن المعنى الفصيح لمفردات يصعب علينا فهمها بالعربية، دون العودة لدلالتها بالسياق الذي أتت ضمنه.
ما هذا الهول من الصور والإيحاءات الجنسية لوصف جمادٍ كاد أن ينطق من بين أسطرك؟ قاسية جداً وعميقة لدرجة تدفعك إلى معاودة القراءة، ومعاودة الاشمئزاز من المعنى المقصود، فقط لتبيان المعنى، من عملية النحت اللغوي الذي مارسته مع حروفك وجملك. أحببت أيضاً رواية «جزء مؤلم من حكاية»، لأمير تاج السر. غريب الإحساس وأنت تقرأ هذه الرواية الغارقة بالاشمئزاز... حاولت التوقف عن القراءة، ولكن شخصية بطل الرواية «مرحلي»، بكل تفاصيل العنف والقتل التي يعيشها، أعادتني إلى عالمه. من الأسطر الأولى نوّه الكاتب بأن النص قد يبدو مؤلماً بعض الشيء... ومن الصفحات الأولى، حطّ رحاله بمدينة «أشبه بوعاء كبير على نار»، وكان في قلبه توجّس كبير، ملمحاً إلى نهاية لبطله «لا يرغب حتى بتخيلها»، وهنا كانت البداية: البحث عن هذه النهاية التي ننتظرها ونطلبها «لسارق أرواح» مثله. الملاحظة التي استوقفتني، من جهة أخرى، هي العلاقة مع الشجر، وكيف يطلق اسمها على النساء المعمرات، وبعد كل عملية قتل كانت الشجرة من يحتضنها ويبكي. أما دكّة أو ركن الإخباريين، فحدّث ولا حرج عن الربط مع الإعلام وبث الأخبار وهذا العالم الذي من عام 1750، وفق الرواية، ينسج ويساهم بخلق الأحداث والجرائم.
- بسمة الخطيب: إيشيغورو وأدب الأطفال
يمكنني عنونة عام قراءاتي بعام الكاتب الياباني البريطاني كازو إيشيغورو؛ قرأت 7 من رواياته، بعضها بالإنجليزية وبعضها الآخر مترجمة إلى العربية. اكتشفت أن لكل رواية تقنيتها المختلفة تماماً. وهذا ما أذهلني. صحيح أنها ليست متساوية الإتقان، وليست في مستوى جمالي واحد، وهي بهذا تخبر بوضوح مسيرة تجربة إيشيغورو غير الرتيبة والحيوية، التي رغم صعودها ونزولها لم تصل إلى مرحلة السكون أو انقطاع النبض.
روايتان هما المفضّلتان عندي، وأعتبرهما من أجمل الأعمال الروائية التي قرأتها في العقد الأخير. الأولى هي «منظر شاحب للتلال»، وهي أولى روايات إيشيغورو. ومن يريد أن يكتشف هذا الأديب أنصحه أن يبدأ بها، فهي من أقوى رواياته، ولا تشبه غيرها البتة، بل لا تشبه الكثير مما نتوقّعه في الرواية المعاصرة. أربكت هذه الرواية النقاد والقراء. حين صدرت، اعتبر البعض أن هذا الروائي المبتدئ أخطأ في مكان ما، والحقّ أنهم هم من أخطأوا فهمه حينذاك، أو استخفّوا في أن يكون عمله الأوّل إشكالياً بل وعبقرياً لهذه الدرجة. قراءة هذه الرواية ستشكل تحدياً كبيراً للقارئ. إنها من الروايات التي سنحبّ أن نقرأها مرة جديدة فور انتهاء قراءتنا الأولى.
الرواية البديعة الثانية التي لفتتني، صدرت في مرحلة متقدّمة من مسيرة إيشيغورو الأدبية، وهي الفانتازيا التاريخية «العملاق المدفون»، عن حقبة سقطت سهواً، أو عمداً ربما، من تاريخ بريطانيا، وتحكي الرواية كيف أن عملاق الفتنة بين الأعراق أو الطوائف الذي ينام، أو يُخدِّره المنتصر عصوراً طويلة لا بدّ من أن يستيقظ وينتقم، وذلك عبر زوجين عجوزين ينطلقان في رحلة البحث عن ابنهما بعدما فقدا الكثير من ذكرياتهما، وابتلاهما زمنهما بمرض النسيان كمعظم معاصريهما، بحيث تتحوّل رحلتهما إلى رحلة في ظلمة حقبة تاريخية كانت إنجلترا فيها ساحة حروب وحشية بين السكسون والبريتون.
هناك أيضاً كتابان مهمّان صدرا هذا العام، وهما الأعمال النثرية الكاملة لبوشكين، المشهور بكونه شاعر روسيا الكبير، نجح المترجم فؤاد المرعي في جمع شتاتها، بما فيها تلك التي مات بوشكين قبل إكمالها، وفي ترجمتها إلى عربية جميلة وطيِّعة، ولكنها تحتفظ بنكهة كلاسيكية تقابل كلاسيكية لغتها الأصلية وبيئة نصوصها وروح موضوعاتها.
في الشق الثاني من قراءاتي، الذي أخصصه لأدب الأطفال واليافعين، قرأت الكثير من الكتب بلغات مختلفة، أختار الحديث عن بعضها.
«The Restless Girls» لجسي بورتون ورسوم أنجيلا باريت، هو إعادة سرد القصة الشعبية الشهيرة بعنوان 12 أميرة، من وجهة نظر مختلفة، وفي رؤية معاصرة، تضع المرأة في دور البطولة، من دون انتظار الشاب المنقذ الذي سيتزوّج أجمل الأميرات في نهاية القصّة. الأميرات الاثنتا عشرة في القصة هنّ أفريقيات، لكلّ منهنّ موهبة مختلفة، بينها القراءة والعزف وقيادة السيّارة، وتجمعهنّ جميعاً هواية واحدة هي الرقص، وهو فعل التمرّد والتحدّي الذي يواجهن به صرامة والدهنّ وديكتاتورييّه. كسبت دار «بلومزبيري» حين راهنت على بورتون التي لم تُخفِ خوفها من التجربة. وهي تعترف أنه من الصعب إعادة حكاية مثل تلك الحكايات الشعبية، وإسقاطها على قضايا وأفكار إشكالية مثل حرية المرأة ونضالها ضدّ الديكتاتورية الذكورية.
وأتممت هذا العام قراءة الموسوعة المصوّرة الأكبر عن أدب الأطفال الغربي، عنوانها: «أدب الأطفال، تاريخ مصوّر»، التي حرَّرها المؤرخ والباحث بيتر هانت.

- محمد الحجيري: العودة إلى الصراعات الدينية
أعجبني كتاب «مدفعية السماء»، لمؤلفه أسامة المقدسي، وهو من ترجمة ريما العيسى، وصادر عن «دار الآداب». ويروي قصة لقاء مؤسس بين أميركيين وعرب، بحيث تقتفي القصة أثر وصول الإرساليات الأميركية البروتستانتية الأولى إلى المقاطعات العربية من الدول العثمانية، وما تلاها من اضطهاد وقتل لأحد المتحولين على يديها. إن ما يستدعي رواية هذا التاريخ هو كونها تضيء بدايات علاقة معقدة ومتطورة بين أميركا والعالم العربي، تعود إلى زمنٍ «أبعدَ مما يظنّ أكثرُنا أو يتوهم»، وقبل «الحرب الباردة» بين المعسكر الاشتراكي السوفياتي والمعسكر الرأسمالي، وقبل شعارات «الموت لأميركا» الخمينية.
والمتحول الذي يتحدَّث عنه أسامة مقدسي هو أسعد الشدياق (شقيق اللغوي والرحالة أحمد فارس الشدياق)، أولُ عربي (لبناني) تحوَل إلى البروتستانتيَة الأميركيَة، قبل أن يذهب إلى موته الفاجع. وفي استقراء سيرته يمكن استقراء تحوّل الطوائف في لبنان وبروزها الحديث، بل يمكن استقراء أنماط انتشار البروتستانتية في المشرق، سواء في منطقة رأس بيروت أو جبل لبنان.
النافل أن الشدياق ألّف رسالة ضدّ عبادة الأيقونات، داعياً إلى التفسير المباشر للكتاب المقدّس من قبل المؤمنين أنفسهم. وفي عام 1820، شنَ البطريرك الماروني يوسف حبيش حملته على «الهرطقة البروتستانتية»، بناء على أمر من روما، وحرم أي تعاطٍ مع البروتستانت. بناء على ذلك، اعتُقل الشدياق، وأُودع السجن في المقرّ البطريركي في قنوبين، حيث توفي بسبب المعاملة الهمجية عام 1830. وعلى أثر اعتقاله، غادر معظم المرسلين البروتستانتيين المنطقة، ولم يعودوا إلا في ظلّ الحكم المصري على سوريا، حيث فتحوا مدرسة للصبيان في بيروت 1835، تلتها مدرسة للبنات.
الكتاب الثاني هو «هندية الصوفية الآثمة 1720-1798، أزمة دينية»، مؤلفه برنار هيبرجي، وترجمه جان هاشم، وصادر عن «دار النهار». يفتح هذا الكتاب «قضية» هنديّة عجيمي (1720-1798)، الصوفيّة الآثمة، التي كبَتَتْها الذاكرة الجماعية منذ قرنين من الزمن، ولا يمكن فصل المسار الذي ذهبت فيه الأحداث في قضية الراهبة هندية عن الصراع بين الكنيستين الغربية والشرقية، وعن التداخل بين السلطات الدينية والسياسية والتبعيات المحلية في لبنان.


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».