الموبايل... أطروحة ثقافية

الهوس الجمعي به سيستمر كما يبدو وتتعاظم أشكاله في السنوات المقبلة

الموبايل... أطروحة ثقافية
TT

الموبايل... أطروحة ثقافية

الموبايل... أطروحة ثقافية

يعرف دارسو تاريخ العلوم أن سنة 1905 كانت سنة عجائبية Annus Mirabilis بحق عندما أنجز فيها (أينشتاين) أربع دراسات كان من شأنها إحداث ثورة حقيقية في الفيزياء المعاصرة؛ غير أنّ الحقيقة تخبرُنا أنّ سنة 1948 كانت أكثر عجائبية من عام 1905. وبخاصة بعد أن نشر فيها البروفسور (نوربرت فينر)، أستاذ الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT، كتاباً بعنوان (السيبرنيتيكا: السيطرة والاتصال في الحيوان والآلة) - ذلك الكتاب الذي جاء انعطافة ثورية في حقل المعلومات والاتصالات على مستوى المكوّنات المادية صعوداً حتى أكثر النظم البيولوجية تعقيداً (الجهاز العصبي البشري على سبيل المثال).
وتمثل وسائل الاتصال واحدة من أهمّ المجالات التي شهدت انقلاباً ثورياً في كلّ الثورات الصناعية: في الثورة الصناعية الأولى شهدنا جهاز «مورس» للتراسل البرقي، وفي الثانية حلّ الهاتف؛ أما في الثالثة فكان «الموبايل» هو الأعجوبة السحرية للعصر الرقمي والممثل المعترف به للثورة الصناعية الثالثة (تسمّى الثورة المعلوماتية أيضاً)، ولنا أن نتساءل عن أسباب ذلك ودلالاته من الوجهتين التقنية والآيديولوجية.
جرت العادة على اختزال القدرة الثورية لكلّ عصر صناعي في كينونة مادية محدّدة لها القدرة على الإيفاء بمتطلبات التمثل الرمزي لطاقة ذلك العصر وقدرته التأثيرية الفائقة في إحداث انعطافة محسوسة في حياة أعظم عدد ممكن من البشر؛ فكان من الطبيعي أن يكون القطار (والماكينة البخارية بعامة) الممثل الرمزي للثورة الصناعية الأولى، وأن تكون السيارة (ومحرك الاحتراق الداخلي بعامة) الممثل الرمزي للثورة الصناعية الثانية؛ أما الثورة الصناعية الثالثة (الثورة المعلوماتية) فكان الموبايل رمزها وعنوان سحرها الرقمي.
لكن من أين تنبع هذه الرمزية التقنية للموبايل في عصر نعرف كم تعني فيه الحاسبات بكلّ أنواعها (بحثية عملاقة ومكتبية وشخصية) ؟ يكمن الجواب في أمرين اثنين: الأول هو شيوع نطاقات الاستخدام وجماهيريته الكاسحة، والثاني هو الدلالة الفكرية اللصيقة بالدلالة الآيديولوجية.
قد يبدو الحاسوب أكثر الكينونات المادية المصنّعة شيوعاً في عالمنا؛ لكنّ أعداد الحواسيب مهما تعاظمت لن تكون سوى نسبة مئوية بسيطة من أعداد الموبايلات المنتشرة على كوكب الأرض، ولا ينبغي أن ننسى وجود موبايلات رخيصة الثمن وبتصاميم مختلفة توفّر للمستخدم ما يحقق رغباته التواصلية أو الفكرية بثمن في الاستطاعة تحمّل عبء تكلفته؛ في حين لا يبدو هذا (الاسترخاء) الشخصي مُتاحاً عند شراء حاسوب، ومن جانب آخر يستلزم تشغيل الموبايل والتعامل الكفؤ معه معرفة تقنية أقلّ بكثير بالخوارزميات الرقمية عند المقارنة مع الحاسوب - وهو الأمر الذي ساهم في شيوع استخدام الموبايل وجعله رمزاً للحداثة الرقمية في عصر الثورة المعلوماتية.
أما على الصعيد الفكري - الفلسفي - الآيديولوجي فيمثل الموبايل كسراً لصلادة الزمان والمكان وتمكيناً للفرد من تمثّل عصر الحداثة السائلة (التعبير الذي استخدمه السوسيولوجي الراحل زيغمونت باومان لوصف عصر ما بعد الحداثة الذي ترافق مع عصر الثورة المعلوماتية). إنّ التواصل اللحظي الذي يتيحه الموبايل مع أي شخص على الأرض كفيل بكسر عزلة الإنسان واختراق حلقات ضعفه الناجمة عن تصورّه بانعدام القدرة على التواصل مع سواه من البشر وعدم مشاركتهم له في دراما وجوده الإنساني التي تحفل بالكثير من اللحظات المحزنة العسيرة، ويفسّر هذا الأمر رغبة الحكومات الشمولية في فرض نوع من التعتيم التواصلي على المرء لتكريس حالة الضعف البشري لديه وتوهين إرادته المضادة وتقوية فكرة أنّ الآخرين لا شأن لهم به.

- المنتج الأكثر حداثة
تنقاد الصناعة الرقمية بكاملها لقانون غريب من نوعه يدعى (قانون مور)، ويرى واضع هذا القانون (وقد وضعه في ستينيات القرن الماضي) أنّ قدرة المعالجة الاحتسابية للمكوّنات الرقمية المادية تتضاعف كلّ 18 شهراً - أو سنتين أحياناً - لأسباب تختصّ بالقدرة المتعاظمة على تصغير المكونات المادية التي تُصنّع منها الرقاقات الإلكترونية Microchips، وقد أثبتت التطورات التقنية المتتالية صحة هذا القانون حتى أوقات قريبة.
إنّ قانون مور هذا الذي ربما لم يسمع به الكثيرون ولا يهتمون به كثيراً هو ما يفسّر تعدّد موديلات الموبايلات وتحديثها كلّ سنة بحيث صار من التقاليد المعروفة ترقّبُ طرح تصميم جديد من أجهزة الموبايلات المعروفة في وقت محدّد من كلّ سنة، وهو أمر لم نشهده من قبلُ مع السيارات أو القاطرات أو الطائرات أو أي منتج من منتجات الثورات الصناعية المتتالية. إنّ اختزال الوقت الواقع بين فترة البحث والتصميم من جهة والتطوير المادي الذي ينتهي بدورة إنتاج تجارية واسعة النطاق هي إحدى معالم الصناعة الرقمية هائلة الاستثمارات في الصناعة المعلوماتية التي يمثل الموبايل رمزها التقني الرائد في عالم اليوم.

- مُفارقة الأمية الرقمية الخوارزمية
يمثل الموبايل كينونة مادية مكتنفة بأعلى أشكال المفارقة بين المعرفة الرقمية من جهة والاستخدام الرقمي اليومي من جهة أخرى، ويبدو واضحاً أنّ هذه المفارقة ستتعاظم في عصر سيادة تطبيقات الذكاء الصناعي. إنّ منشأ هذه المفارقة يكمن في أنّ النظم الرقمية تعمل وفقاً لخوارزميات محدّدة تحكم عمل المنظومة بأكملها، وقلّما تُتاحُ معرفة هذه الخوارزميات إلا لمن يمتلك الخبرة على التعامل مع الخوارزميات، ولا تنفكّ شركات التطوير الرقمي تطوّر هذه المنظومات في شتى التطبيقات والمجالات حتى باتت النظم الرقمية أقرب إلى (ملغّزات لاهوتية) سرية معقدة ليس بمستطاع الأفراد سوى شراء منتجاتها واستخدامها من غير معرفة مسبقة لازمة أو ضرورية بها، وهنا أصبحنا نشهد نوعاً من الأمية الرقمية الخوارزمية التي لا تشكّل عائقاً أمام التطوّر الفكري للأشخاص طالما هم يعرفون كيفية استخدامها فحسب وعلى العكس من الأمية الأبجدية التي تمثل كابحاً خطيراً في مسيرة الارتقاء الفكري للأفراد.

- تسليع لفضاء التواصل
لم يعُد غريباً رؤية مشهد الطوابير المؤلفة من الناس وهم يقفون أفواجاً منذ الليل على أبواب المتاجر التي تعلن بيع النسخ الأولى من إصدار جديد لجهاز موبايل - ذلك المشهد الذي لم نألفه مع أي منتج مادي من منتجات الثورة المعلوماتية. إنّ كل واحد من هؤلاء الواقفين في الطابور يمتلك بالتأكيد جهاز موبايل وإلا ما كان ليتزاحم من أجل الحصول على نسخة جديدة؛ لكنه الهوس الجمعي الذي يشيع ضرورة الحصول على أسبقية في الوصول إلى آخر مبتكرات الحداثة «الموبايلية» رغم أنّ تلك المبتكرات قد تكون طفيفة (مثل شيء من التحسين على الكاميرا أو تطبيقات جديدة... إلخ) ولا تسوّغ المبالغ الهائلة المدفوعة لقاءها، ويبدو أنّ هذا الهوس الجمعي سيستمرّ وتتعاظم أشكاله في السنوات المقبلة.

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن


مقالات ذات صلة

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

شؤون إقليمية إيرانيات يجلسن داخل مقهى في طهران (أ.ف.ب)

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

دخل انقطاع الإنترنت في إيران الأحد يومه الثلاثين على التوالي مع استمرار عزل ملايين الأشخاص عن المعلومات والاتصالات منذ اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز) p-circle

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية أدخنة تصعد في السماء خلف عدد من المواطنين في يوم القدس في طهران أمس (أ.ب) p-circle

5 بدائل يلجأ لها الإيرانيون لتجاوز حجب الإنترنت

كيف يواجه الإيرانيون حجباً واسعاً للإنترنت تفرضه السلطات منذ أكثر من 14 يوماً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
العالم رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب) p-circle

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.