العشوائية والثورة ومفارقات المكان

أشرف الصباغ يكتب عنها في «كائنات الليل والنهار»

العشوائية والثورة ومفارقات المكان
TT

العشوائية والثورة ومفارقات المكان

العشوائية والثورة ومفارقات المكان

يمهد أشرف الصباغ لروايته «كائنات الليل والنهار» بمشهد بانورامي، يكاد يكون تشريحاً لمفاصل القاهرة، بأحيائها الراقية والشعبية والعشوائية، راصداً حركة سكانها وعابريها، ما بين التثاقل والبطء والسرعة، كما يرصد طبيعتهم الشخصية، التي تتأرجح ما بين الكسل والثرثرة والصمت، وأمزجتهم التي تتوقف على نوعية الكيف الذي يتعاطونه، ويعكس في الوقت نفسه أوضاعهم الاجتماعية والطبقية.
في هذه الطبوغرافيا البشرية، تبدو العلاقة عضوية ومفارقة معاً، بين حي الوايلي الكبير الشعبي مسقط رأس «عاشور» بطل الرواية، الذي غادره يتيماً إلى حي بولاق أبو العلا الشعبي أيضاً، ليعيش بين ناسه وفقره وعشوائيته، ويكتوي بلحظات انهياره، بينما تبدو متنافرة وشاسعة العلاقة نفسها بين حي بولاق، وحي الزمالك الراقي المواجه له على الضفة الأخرى من النيل، حيث يعمل البطل بأحد محال التجميل للنساء، مرتقياً في سلم العمل من صبي مكلف بنظافة المكان، إلى كوافير مرموق يحظى بتقدير واهتمام زبونات المحل الأرستقراطيات، واستطاع أن يكمل تعليمه الجامعي.
لكن مع ذلك لا يبرح عاشور دائرة حياته النمطية، مقترباً من الجميع، ومحتفظاً بمسافة رخوة بينه وبينهم، لا يتوانى عن تقديم المساعدة لأحد، لكن كل همه أن يسد فجوات حياته والتعايش مع متناقضات الواقع الشرهة، ولو بالرشوة والواسطة، خصوصاً بعدما أصبح يدور في فلك لغز ومتاهة، مع سجل غرامات المرور الباهظة على عربته القديمة المتهالكة التي بالكاد توصله إلى محل عمله، وكذلك فواتير الكهرباء التي وصلت إلى أكثر من 20 ألف جنيه، على صالونه الخاص؛ محل جديد اشتراه في «مثلث ماسبيرو» (حي بولاق)، ودفع فيه كل ما يملك، رغم أنه مغلق لم يُفتتح أصلاً، وليس به عداد للكهرباء. لم يفكر عاشور في أن كل هذا ابن ميراث من إدارات خربة وأنظمة فاسدة غاشمة، فما يشغله هو إيجاد حلول تتماشى مع طبيعة التكيف والإذعان والعيش، وفق مقتضى الحال.
تتحول هذه البانوراما، على مدار الرواية، إلى عين كاميرا خفية، يحركها الكاتب بزوايا محددة، متوغلاً في طبقات المهمش والشائك والملتبس في خطى بشر يعيشون على هامش حياة واقعية فقدت واقعيتها تحت وطأة الفقر والعوز والحرمان، وجشع رأس المال والفساد، وأصبحت بمثابة كابوس يطاردهم في أحلامهم ولقمة عيشهم وحيواتهم الفقيرة المفتتة، كما أنها حياة ابنة زمن ضيق ومضطرب، يتكرر على مدار اليوم، ما يبقى فيه إنسانياً خالصاً من الغبار والضجيج لا يعدو أربعين دقيقة أو ساعة قبيل صلاة الفجر تشكل استراحة لكائنات الليل من ضجيج النهار، وتفسح مساحة من الحميمية لتأمل الذات.
تعلو وتيرة المفارقة بين البشر وعلاقتهم بالمكان، ويجري الكاتب الراوي المراقب الكاتب مناظرة طبوغرافية، بين أحياء القاهرة الراقية وحي الزمالك، معرجاً على المدن والأحياء الجديدة المحروسة بـ«كمباوندات»، ونظم حراسة حديثة، «لكنها تكرس للعزلة...»، هذه الدويلات يسمونها عرضاً بالمدن الجديدة، مدن تشبه الوحوش الخرافية، على الأطراف الهشة للقاهرة، منتصراً لحي الزمالك بنظافته ومعماريته الأوروبية، وكوده التاريخي الذي يشكل خزنة أسراره، وأيضاً يتعاطف مع القاهرة بعبقها التراثي العتيق قائلاً: «لا مقارنة بين البشر في القاهرة الشائخة القذرة التي تحتضر منذ ما يزيد على النصف قرن بكل روائحها القديمة، وبخورها، وغبارها، وإزعاجها، وإثارتها للنفور، وبين روائح تلك السجون الفخمة، وبرودتها، وطرزها المعمارية المثيرة للتأمل».
هذا اللعب على روح المكان، والتماهي معه والانفتاح على حيواته، بشكل واقعي ملموس، يبقى من مناطق التميز في الرواية، ففي جملة شديدة الدلالة (ص 124) في معرض الكلام على علاقة التاريخ والجغرافيا والمدينة، يؤكد الراوي السارد على أن «البشر هم الجغرافيا الحقيقية للتاريخ».
تلون هذه الطبوغرافيا طبيعة الشخوص، ومدى التصاقهم بالمكان، حتى أصبح جزءاً من نسيجهم وظلاً لهم، لا يتقدمون خطوة بمعزل عنه، ولا يتراجعون أيضاً... فضاء مفتوح على كل شيء بفقره وعشوائيته ومهنه التي تتدرج من العمل بالمقاهي والورش إلى الخدمة في بيوت الأثرياء، لا فواصل ولا عُقد سميكة بين الأشياء ونقائضها، بين مشاغل الجسد ومشاغل الحياة؛ كل شيء عادي إلى حد الملل والرتابة، حتى مكائدهم ونزواتهم العابرة الطائشة، لا تعدو مجرد رذاذ شاحب في مرآة مهمشة تصفها الرواية على هذا النحو: «في تلك الشوارع والحواري والبيوت لا توجد أي أسرار، حتى الأبواب المغلقة لا تواري شيئاً، ولا تداري أحداثاً أو علاقات. فالبيوت بلا أسطح وستائر النوافذ والبلكونات شفافة حتى لو كانت مصنوعة من الجلد والفولاذ، والعيون لا ترى إلا الآخرين، ولا ترصد إلا سكناتهم وحركاتهم».
شخوص نمطية، تتصرف بمنطق محايد في واقع نمطي مستلب وطارد، تعيش حياتها كيفما اتفق، لا تتسم بصفة البطولة، ولا تولي اهتماماً بأي دوافع داخلية، تجعلها تتشبث بمصائرها في المكان، وإرادة الحياة فيه، والعيش حتى على أنقاضه. ينعكس كل هذا على نظرتها المتوجسة لما يحدث خارج المكان، حتى لو كان ثورة وانتفاضة شعبية ضد الفقر والجوع، تدور على بعد خطوات منه مثل أحداث «ثورة 25 يناير» (كانون الثاني) التي يحيدها الكاتب، ويجعلها مجرد غلالة خافتة في الخلفية، ينعكس هذا المناخ أيضاً على علاقات الحب، فهو دائماً ابن الخطيئة والنزوات العابرة، مجرد قشرة لستر الجسد، وترميم الشقوق، كما يتجسد على نحو لافت في علاقة عاشور البطل المتعلم، ونبيلة ابنة خالته زينب، الذي يعلمها القراءة والكتابة، ويمارس معها الجنس، ولا يتقدم إلى خطبتها بدافع الحب، وإنما بدافع الستر، بعد أن يتكرر حملها منه، وتجهض نفسها... وترفضه خالته زينب قائلة بحسم: «خليك في حالك، يا بني، وخلينا في حالنا». لكن بذرة هذا الحب لا تتبخر ولا تموت، بل تتحول إلى ما يشبه الأسطورة في قوس الرواية الأخير. يكسر الكاتب من واقعية المكان الجهمة، محاولاً شده خارج الإطار، مستعيناً بما يمكن تسميته بـ«سردية الأفكار»، التي تتكثف على نحو لافت، بداية من الفصل السابع، فنجد أفكاراً عن سيكولوجية البوح والفضفضة والمحافظة على المسافات البينية صوناً للذات، كما نجد ومضات مهمة مشرّبة بنفس الفلسفة والفن مثل وصفه قواعد تصفيف شعر النساء، كأنها أيقونة فنية، لها فلسفتها ولمساتها الخاصة، قائلاً (ص 79) على لسان عاشور البطل: «يختار الجمل والعبارات بدقة، لون الشعر الطبيعي يظهر جمال العينين، وكأنه خيوط من الحرير، مهما كانت خشونته»، ويقول باهتمام «لملمة الشعر إلى الخلف تظهر على الفور حيوية الملامح، وتجعل خلايا البشرة تتألق فرحاً». تبرز أيضاً نظرة مغايرة للصراع الاجتماعي الذي يعلو فوق فكرة الطبقة إلى فكرة الوجود بالمعنى الأعمق والشامل... فتطالعنا أفكار حول الرغبة والقدرة والتحقق، وكتابة التاريخ، ومن يصنعه، والشجن والفقد والندم، كأحد المعاول المهمة في تشكيل كينونة الإنسان، من هذه الزاوية يصف الراوي السارد حالة عاشور بعد تلقيه نبأ موت خالته زينب، وبعد انقطاع بينهما دام نحو عشرين عاماً، قائلاً (ص 116): «اهتز جسده بشدة عندما أدرك أنه سيعيش، ليس فقط دون درع البوح، وإنما أيضاً بسيف الندم الذي يمزق صدره، ويسمم كل لحظات الصفاء في حياته التي لم يعد فيها أحد».
عاشور البطل السلبي، الذي يكره «ثورة 25 يناير»، ويسخر منها على مدار الرواية، ويرى شبابها مجرد بلطجية، يريدون حرق البلد، بعد أن يتم اغتيال صالونه الجديد، ويصبح مجرد ركام تحت مخالب البيت الذي انهار فجأة، يذهب بعربته المتهالكة إلى وسط ميدان التحرير، يفتح أبوابها، ويرقص على سقفها، ثم يغادرها وينطلق إلى كوبري قصر النيل، يوزع من جرابه مراكبه وعصافيره الورقية على العشاق الذين يسندون أحلامهم على سور الكوبري، حتى تحول إلى شبح تطارده ظلال ترتدي ملابس مدنية وعسكرية، يبحثون عن إرهابي بيده حقيبة متفجرات ترك عربته مفتوحة وسط ميدان التحرير. قال صبي إنه «رآه يقفز وسط العصافير البيضاء، ويحلق معها فوق صفحة المياه»، بينما نبيلة تبتلعها شجرة مشعة ضاربة جذورها في مياه النيل، لتلحق بمصير زوجها الصياد وابنها، لنصبح إزاء نهاية روائية تشارف أسطورة الخلود في النيل.
لكن، يظل هذا الخلاص الأسطوري بالنيل مجرد نزق ناتئ في جسد رواية واقعية صنعت جمالياتها من التعامل بذكاء شديد مع المكان، وأبقت الهوة شاسعة بين الواقع والثورة التي قبعت في الخلفية، وتحولت إلى مجرد نثار لذكرى تكاد تكون محرمة، مررها الكاتب برشاقة فنية مرة على لسان بطل خذله التاريخ والجغرافيا معاً.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.