العشوائية والثورة ومفارقات المكان

أشرف الصباغ يكتب عنها في «كائنات الليل والنهار»

العشوائية والثورة ومفارقات المكان
TT

العشوائية والثورة ومفارقات المكان

العشوائية والثورة ومفارقات المكان

يمهد أشرف الصباغ لروايته «كائنات الليل والنهار» بمشهد بانورامي، يكاد يكون تشريحاً لمفاصل القاهرة، بأحيائها الراقية والشعبية والعشوائية، راصداً حركة سكانها وعابريها، ما بين التثاقل والبطء والسرعة، كما يرصد طبيعتهم الشخصية، التي تتأرجح ما بين الكسل والثرثرة والصمت، وأمزجتهم التي تتوقف على نوعية الكيف الذي يتعاطونه، ويعكس في الوقت نفسه أوضاعهم الاجتماعية والطبقية.
في هذه الطبوغرافيا البشرية، تبدو العلاقة عضوية ومفارقة معاً، بين حي الوايلي الكبير الشعبي مسقط رأس «عاشور» بطل الرواية، الذي غادره يتيماً إلى حي بولاق أبو العلا الشعبي أيضاً، ليعيش بين ناسه وفقره وعشوائيته، ويكتوي بلحظات انهياره، بينما تبدو متنافرة وشاسعة العلاقة نفسها بين حي بولاق، وحي الزمالك الراقي المواجه له على الضفة الأخرى من النيل، حيث يعمل البطل بأحد محال التجميل للنساء، مرتقياً في سلم العمل من صبي مكلف بنظافة المكان، إلى كوافير مرموق يحظى بتقدير واهتمام زبونات المحل الأرستقراطيات، واستطاع أن يكمل تعليمه الجامعي.
لكن مع ذلك لا يبرح عاشور دائرة حياته النمطية، مقترباً من الجميع، ومحتفظاً بمسافة رخوة بينه وبينهم، لا يتوانى عن تقديم المساعدة لأحد، لكن كل همه أن يسد فجوات حياته والتعايش مع متناقضات الواقع الشرهة، ولو بالرشوة والواسطة، خصوصاً بعدما أصبح يدور في فلك لغز ومتاهة، مع سجل غرامات المرور الباهظة على عربته القديمة المتهالكة التي بالكاد توصله إلى محل عمله، وكذلك فواتير الكهرباء التي وصلت إلى أكثر من 20 ألف جنيه، على صالونه الخاص؛ محل جديد اشتراه في «مثلث ماسبيرو» (حي بولاق)، ودفع فيه كل ما يملك، رغم أنه مغلق لم يُفتتح أصلاً، وليس به عداد للكهرباء. لم يفكر عاشور في أن كل هذا ابن ميراث من إدارات خربة وأنظمة فاسدة غاشمة، فما يشغله هو إيجاد حلول تتماشى مع طبيعة التكيف والإذعان والعيش، وفق مقتضى الحال.
تتحول هذه البانوراما، على مدار الرواية، إلى عين كاميرا خفية، يحركها الكاتب بزوايا محددة، متوغلاً في طبقات المهمش والشائك والملتبس في خطى بشر يعيشون على هامش حياة واقعية فقدت واقعيتها تحت وطأة الفقر والعوز والحرمان، وجشع رأس المال والفساد، وأصبحت بمثابة كابوس يطاردهم في أحلامهم ولقمة عيشهم وحيواتهم الفقيرة المفتتة، كما أنها حياة ابنة زمن ضيق ومضطرب، يتكرر على مدار اليوم، ما يبقى فيه إنسانياً خالصاً من الغبار والضجيج لا يعدو أربعين دقيقة أو ساعة قبيل صلاة الفجر تشكل استراحة لكائنات الليل من ضجيج النهار، وتفسح مساحة من الحميمية لتأمل الذات.
تعلو وتيرة المفارقة بين البشر وعلاقتهم بالمكان، ويجري الكاتب الراوي المراقب الكاتب مناظرة طبوغرافية، بين أحياء القاهرة الراقية وحي الزمالك، معرجاً على المدن والأحياء الجديدة المحروسة بـ«كمباوندات»، ونظم حراسة حديثة، «لكنها تكرس للعزلة...»، هذه الدويلات يسمونها عرضاً بالمدن الجديدة، مدن تشبه الوحوش الخرافية، على الأطراف الهشة للقاهرة، منتصراً لحي الزمالك بنظافته ومعماريته الأوروبية، وكوده التاريخي الذي يشكل خزنة أسراره، وأيضاً يتعاطف مع القاهرة بعبقها التراثي العتيق قائلاً: «لا مقارنة بين البشر في القاهرة الشائخة القذرة التي تحتضر منذ ما يزيد على النصف قرن بكل روائحها القديمة، وبخورها، وغبارها، وإزعاجها، وإثارتها للنفور، وبين روائح تلك السجون الفخمة، وبرودتها، وطرزها المعمارية المثيرة للتأمل».
هذا اللعب على روح المكان، والتماهي معه والانفتاح على حيواته، بشكل واقعي ملموس، يبقى من مناطق التميز في الرواية، ففي جملة شديدة الدلالة (ص 124) في معرض الكلام على علاقة التاريخ والجغرافيا والمدينة، يؤكد الراوي السارد على أن «البشر هم الجغرافيا الحقيقية للتاريخ».
تلون هذه الطبوغرافيا طبيعة الشخوص، ومدى التصاقهم بالمكان، حتى أصبح جزءاً من نسيجهم وظلاً لهم، لا يتقدمون خطوة بمعزل عنه، ولا يتراجعون أيضاً... فضاء مفتوح على كل شيء بفقره وعشوائيته ومهنه التي تتدرج من العمل بالمقاهي والورش إلى الخدمة في بيوت الأثرياء، لا فواصل ولا عُقد سميكة بين الأشياء ونقائضها، بين مشاغل الجسد ومشاغل الحياة؛ كل شيء عادي إلى حد الملل والرتابة، حتى مكائدهم ونزواتهم العابرة الطائشة، لا تعدو مجرد رذاذ شاحب في مرآة مهمشة تصفها الرواية على هذا النحو: «في تلك الشوارع والحواري والبيوت لا توجد أي أسرار، حتى الأبواب المغلقة لا تواري شيئاً، ولا تداري أحداثاً أو علاقات. فالبيوت بلا أسطح وستائر النوافذ والبلكونات شفافة حتى لو كانت مصنوعة من الجلد والفولاذ، والعيون لا ترى إلا الآخرين، ولا ترصد إلا سكناتهم وحركاتهم».
شخوص نمطية، تتصرف بمنطق محايد في واقع نمطي مستلب وطارد، تعيش حياتها كيفما اتفق، لا تتسم بصفة البطولة، ولا تولي اهتماماً بأي دوافع داخلية، تجعلها تتشبث بمصائرها في المكان، وإرادة الحياة فيه، والعيش حتى على أنقاضه. ينعكس كل هذا على نظرتها المتوجسة لما يحدث خارج المكان، حتى لو كان ثورة وانتفاضة شعبية ضد الفقر والجوع، تدور على بعد خطوات منه مثل أحداث «ثورة 25 يناير» (كانون الثاني) التي يحيدها الكاتب، ويجعلها مجرد غلالة خافتة في الخلفية، ينعكس هذا المناخ أيضاً على علاقات الحب، فهو دائماً ابن الخطيئة والنزوات العابرة، مجرد قشرة لستر الجسد، وترميم الشقوق، كما يتجسد على نحو لافت في علاقة عاشور البطل المتعلم، ونبيلة ابنة خالته زينب، الذي يعلمها القراءة والكتابة، ويمارس معها الجنس، ولا يتقدم إلى خطبتها بدافع الحب، وإنما بدافع الستر، بعد أن يتكرر حملها منه، وتجهض نفسها... وترفضه خالته زينب قائلة بحسم: «خليك في حالك، يا بني، وخلينا في حالنا». لكن بذرة هذا الحب لا تتبخر ولا تموت، بل تتحول إلى ما يشبه الأسطورة في قوس الرواية الأخير. يكسر الكاتب من واقعية المكان الجهمة، محاولاً شده خارج الإطار، مستعيناً بما يمكن تسميته بـ«سردية الأفكار»، التي تتكثف على نحو لافت، بداية من الفصل السابع، فنجد أفكاراً عن سيكولوجية البوح والفضفضة والمحافظة على المسافات البينية صوناً للذات، كما نجد ومضات مهمة مشرّبة بنفس الفلسفة والفن مثل وصفه قواعد تصفيف شعر النساء، كأنها أيقونة فنية، لها فلسفتها ولمساتها الخاصة، قائلاً (ص 79) على لسان عاشور البطل: «يختار الجمل والعبارات بدقة، لون الشعر الطبيعي يظهر جمال العينين، وكأنه خيوط من الحرير، مهما كانت خشونته»، ويقول باهتمام «لملمة الشعر إلى الخلف تظهر على الفور حيوية الملامح، وتجعل خلايا البشرة تتألق فرحاً». تبرز أيضاً نظرة مغايرة للصراع الاجتماعي الذي يعلو فوق فكرة الطبقة إلى فكرة الوجود بالمعنى الأعمق والشامل... فتطالعنا أفكار حول الرغبة والقدرة والتحقق، وكتابة التاريخ، ومن يصنعه، والشجن والفقد والندم، كأحد المعاول المهمة في تشكيل كينونة الإنسان، من هذه الزاوية يصف الراوي السارد حالة عاشور بعد تلقيه نبأ موت خالته زينب، وبعد انقطاع بينهما دام نحو عشرين عاماً، قائلاً (ص 116): «اهتز جسده بشدة عندما أدرك أنه سيعيش، ليس فقط دون درع البوح، وإنما أيضاً بسيف الندم الذي يمزق صدره، ويسمم كل لحظات الصفاء في حياته التي لم يعد فيها أحد».
عاشور البطل السلبي، الذي يكره «ثورة 25 يناير»، ويسخر منها على مدار الرواية، ويرى شبابها مجرد بلطجية، يريدون حرق البلد، بعد أن يتم اغتيال صالونه الجديد، ويصبح مجرد ركام تحت مخالب البيت الذي انهار فجأة، يذهب بعربته المتهالكة إلى وسط ميدان التحرير، يفتح أبوابها، ويرقص على سقفها، ثم يغادرها وينطلق إلى كوبري قصر النيل، يوزع من جرابه مراكبه وعصافيره الورقية على العشاق الذين يسندون أحلامهم على سور الكوبري، حتى تحول إلى شبح تطارده ظلال ترتدي ملابس مدنية وعسكرية، يبحثون عن إرهابي بيده حقيبة متفجرات ترك عربته مفتوحة وسط ميدان التحرير. قال صبي إنه «رآه يقفز وسط العصافير البيضاء، ويحلق معها فوق صفحة المياه»، بينما نبيلة تبتلعها شجرة مشعة ضاربة جذورها في مياه النيل، لتلحق بمصير زوجها الصياد وابنها، لنصبح إزاء نهاية روائية تشارف أسطورة الخلود في النيل.
لكن، يظل هذا الخلاص الأسطوري بالنيل مجرد نزق ناتئ في جسد رواية واقعية صنعت جمالياتها من التعامل بذكاء شديد مع المكان، وأبقت الهوة شاسعة بين الواقع والثورة التي قبعت في الخلفية، وتحولت إلى مجرد نثار لذكرى تكاد تكون محرمة، مررها الكاتب برشاقة فنية مرة على لسان بطل خذله التاريخ والجغرافيا معاً.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».