أما آن لجائزة «الملتقى» أن تمد قامتها خارج الحفلة؟

نجحت في إحياء خطاب القصة القصيرة وإعادة الجدل حول فنها

شيخة حليوى - طالب الرفاعي
شيخة حليوى - طالب الرفاعي
TT

أما آن لجائزة «الملتقى» أن تمد قامتها خارج الحفلة؟

شيخة حليوى - طالب الرفاعي
شيخة حليوى - طالب الرفاعي

قد تكون شيخة حليوى معروفة بصفتها قاصة ضمن محيط قرائي محدود، وربما تكون مقروءة بشكل جيد داخل دائرة ضيقة من المهتمين بفن القصة القصيرة، ولكن المؤكد أن نصها القصصي اليوم، بعد الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) هذا العام، أي إثر إعلان نتائج الدورة الرابعة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة في الكويت، قد أصبح ممدداً في مساحة عربية واسعة يصعب حصرها أو تخمين ارتداداتها الإبداعية. كما صارت مجموعتها القصصية الفائزة «الطلبية C345» محل اهتمام القراء في أنحاء العالم العربي. وبعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، ستتحرك في محطات استقبالية أبعد. وهذه ميزة من ميزات جائزة الملتقى، التي تراهن على مخرجات أدبية تعكس جدية وأصالة وهدفية الجائزة، كما تتمثل في طابور من الأسماء الذين تباغت بهم المشهد الثقافي كل عام من المتأهلين والمتأهلات للقائمتين الطويلة والقصيرة.
عندما تجرأ طالب الرفاعي على كتابة الجملة الأولى في قصة جائزة الملتقى للقصة القصيرة إنما كان يشعل خيط ضوء قصصي نحيل في مشهد روائي كثيف، وكأنه يتقدم في حقل ألغام ثقافي لا يلتفت إلا للرواية، سواء من قبل القراء أو النقاد أو الناشرين أو حتى الكُتّاب أنفسهم. وبذلك، راهن على نفض الغبار عن خطاب القصة القصيرة، وبعثه من جديد في واجهة المشهد الثقافي العربي. وهي مهمة تبدو على درجة من المغامرة في زمن يوصف بزمن الرواية. والأهم أنه حرض كُتّاب القصة في العالم العربي على استكمال قصة الجائزة، من خلال مشاركاتهم ومناقداتهم وتعليقاتهم وترقبهم الموسمي لأخبار وأسماء الموجة الجديدة من كُتّاب وكاتبات القصة للإبقاء على وهج الجائزة وخطاب القصة القصيرة في آن.
ومن يتأمل أسماء المتأهلين والمتأهلات للقائمتين: الطويلة والقصيرة خلال المواسم الأربعة التي تشكل عمر الجائزة، يظن بسبب قلة شهرة بعضهم، وضآلة حضورهم في المشهد الثقافي، أن الجائزة لا تستقبل أعمالاً لكُتّاب معروفين، وأن القاصين المشهورين في العالم العربي يزهدون في التسابق على الجائزة.
وهذا قد يجعل بعض القراء يفسرون فوز بعض الأسماء الجديدة بمقتضى ذلك التصور القاصر. والصحيح أن كبار كُتّاب القصة القصيرة وأهم رموز اللحظة الأدبية شاركوا في كل الدورات. وبمقتضى مقروئية لجان التحكيم التي تحتكم إلى فنية النص، لا إلى سطوة الاسم، لم يتأهل إلا من يمتلك نصه صفة الأدبية وحرفية الكتابة القصصية. وكل ذلك موجود في أرشيف الجائزة، حيث لا يُعلن عن أسماء المشاركين بموجب بروتوكول يراعي سمعة ومكانة كل المتسابقين.
ويُلاحظ أيضاً أن لجان التحكيم لم تتشكل في مجمل الدورات من تلك الأسماء الثقافية المكرسة في واجهة المشهد، القابضة على لعبة الجوائز، بل هي أسماء طازجة بعيدة عن المحسوبيات واللوبيات.
وهذا هو البعد التحكيمي الذي شكل مرجعية الجائزة خلال دوراتها الأربع. وهو ما يعني أنها مهتمة بتصدير خبرات تحكيمية ذات كفاءة عالية، بالقدر الذي تؤكد فيه على استظهار كُتّاب قصة مغايرين. وهو منحى يحفظ لسمعة الجائزة سمات الحيادية والنزاهة والابتكارية، حيث نجحت الجائزة في الإبقاء على مكانتها بمعزل عن الإشاعات والتخرصات ومراودات الإثارة الإعلامية، وبالتالي فرضت نفسها كجائزة أدبية رصينة، تأتي القيمة الأدبية في مقدمة أولوياتها، بما في ذلك مبلغ الجائزة الذي لا يجنح إلى المبالغة لكي لا تندرج في قائمة مشتبهات جوائز البذخ.
هكذا، نجحت الجائزة في إحياء خطاب القصة القصيرة، وتحريك عجلة النشر باتجاه الاعتراف بحق المجموعات القصصية باختلاف مستوياتها في النشر، وإعادة الجدل حول فن القصة القصيرة إلى واجهة المشهد، وتسليط الضوء على فصيل من الأسماء التي باتت تشكل علامة لافتة للإبداع القصصي، كما نشطت حركة الترجمة المتعلقة بفن القصة. فبالإضافة إلى ترجمة المجموعة الفائزة، حرصت الجائزة في كل دوراتها على وجود مترجمين من لغات مختلفة، سواء كهيئة استشارية أو كمحكمين أو كمراقبين أو كمحاضرين، للتعرف على واقع ومستقبل القصة القصيرة في العالم العربي، ولتوسيع فرصة نقل المنجز القصصي العربي إلى لغات الآخر. كما أكدت على أهمية وجود خبراء الكتابة القصصية، كوجود المعلّم محمد خضير، أحد الآباء الروحيين للقصة القصيرة في العالم العربي.
أخطر ما قد يواجه هذه الجائزة أن تقلد الجوائز الأخرى، من حيث الأداء الشكلي، والأخطر أن تجنح إلى تقليد نفسها، بمعنى أن تواصل استعادة ذات المشهد الاحتفالي كل عام. والآن، وقد انتهت الدورة الرابعة، يمكن بل ينبغي مراجعة أداء الجائزة خلال الفترة الماضية ومساءلتها، إذ المطلوب منها اليوم أن تمد قامتها في فضاء أوسع، أي أن تفكر في الصدى الثقافي الممكن خارج فضاء الحفلة، وأبعد مما يُتداول عنها كأخبار متفرقة بصفتها جائزة تأسيسية. وهذا يحتم وجود مخرجات أكثر شمولية وعمقاً، وذلك بترغيب النقاد والإعلاميين والناشرين في توطين خطاب القصة القصيرة في المشهد الثقافي، بطريقة مختلفة تماماً عما حدث في الدورات السابقة، حيث المداخلات النيئة والتعليقات العابرة، خصوصاً فيما يتعلق بالنقد، إذ ينبغي أن يصاحب حفل الجائزة ندوات نقدية جادة لنخبة من النقاد، وبمحاور متغيرة كل عام، مصممة لكي تصدر في منظومة كتب.
لقد أصدرت الجائزة كتابها الأول «القصة القصيرة العربية - النشأة والحضور»، بأقلام نخبة من الكتاب في جميع أنحاء العالم العربي. وهي مبادرة ثقافية على درجة من الأهمية، حيث يشكل الكتاب مرجعاً حيوياً لأي قارئ أو مهتم بفن القصة القصيرة، بالنظر إلى ما يحتويه من دراسات حول هذا الفن في كل قطر من أقطار الوطن العربي. ومن المنطلق ذاته، يمكن إصدار كتاب مختارات من قصص المتأهلين والمتأهلات للقوائم القصيرة خلال الدورات الأربع، كما يمكن أن يشمل حتى المتأهلين والمتأهلات للقوائم الطويلة. وكذلك تصلح بعض الشهادات التي قدمها بعض القاصين والقاصات في مختلف الدورات كمادة مرجعية لكتب تعكس وعي كُتّاب وكاتبات القصة بفن القص، حيث تشكل تلك الشهادات دليلاً على فلسفة القاص الجمالية، بالقدر الذي تفتح فيه أسئلة التجديد لكتابة القصة. وهو أمر يتطلب بالضرورة تحديث موقع الجائزة، واعتماد الملتيميديا لعرض منجزات الجائزة وأخبارها ورموزها.
عندما انطلقت الجائزة قبل أربع سنوات كانت مجبرة من الوجهة الفنية على حصر التعامل مع الشكل المتعارف عليه للقصة، ولم تكن في وارد تشتيت جهودها في التماس مع الأنماط الكتابية القصصية المغايرة. وهو منحى يمكن تفهم دوافعه، إلا أن الجائزة اليوم، وبالنظر إلى ما أبدته من اعتراف وتوطين للقصة القصيرة جداً، تبدو أقرب وأقدر على التعامل مع ما بات يُعرف بالسرديات متناهية الصغر، التي تتكثّر بشراهة في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو اتجاه أدبي يلاقي قبولاً واعترافاً على مستوى العالم، ويُفترض أن يكون جزءاً من اهتمامات الجائزة، حيث سيكسبها هذا التوجه بعداً عصرياً يعكس وعيها بتحولات الكتابة القصصية، وذلك ضمن الشروط والمعايير التي تحافظ على رصانة الجائزة.
كل هذا التشظي الأدائي يستلزم في المقام الأول مأسسة الجائزة، فما تؤديه مجالس الأمناء والمجالس الاستشارية المتبدلة لا يعدو كونه مقترحات تشاورية ضئيلة الفاعلية، مقارنة بما تعد به الجائزة، في الوقت الذي يتطلب فيه الأمر أن تضم فريقاً تنفيذياً، إلى جانب ما يضطلع به طالب الرفاعي من أدوار إدارية وتواصلية وإعلامية وثقافية. وبتصوري أن جامعة الشرق الأوسط التي آلت إليها رعاية الجائزة لهذا العام قادرة وراغبة كما يبدو في إحداث ذلك التحول البنيوي في شكل وبنية ومواطن تأثير الجائزة، حيث أكدت بملاءتها المالية وتفهمها الواضح لأهمية ودور الثقافة استعدادها لتوطين الجائزة في واجهة المشهد الثقافي العربي، الأمر الذي يساعد على أن تحضر مفاعيل الجائزة أبعد وأوسع من مدار حفلة تتويج الفائزين.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».