«حوارات أطلسية» يناقش تحديات الجنوب في «عصر الاضطرابات»

جانب من إحدى جلسات المنتدى (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى جلسات المنتدى (الشرق الأوسط)
TT

«حوارات أطلسية» يناقش تحديات الجنوب في «عصر الاضطرابات»

جانب من إحدى جلسات المنتدى (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى جلسات المنتدى (الشرق الأوسط)

شهد اليوم الأول من منتدى «حوارات أطلسية» في مراكش، الذي نظمه مركز السياسات للجنوب الجديد، نقاشا غنيا شمل مختلف القضايا المتفرعة عن موضوع «الجنوب في عصر الاضطرابات».
وفي مداخلة تقديمية للمنتدى، قال يونس العيناوي، رئيس مركز السياسات للجنوب الجديد إن الحوار «أصبح أكثر أهمية اليوم مما كان عليه في أي وقت مضى. نحن نقدم هنا في مراكش فقط المنصة لتعزيز قدرتنا على الجلوس معا بطريقة حضارية... ندعوكم لجمع طاقاتنا في أوقات صعبة للغاية».
وناقشت نخبة من الخبراء والباحثين والسياسيين الرهانات والتحديات الأساسية، التي ينبغي على الجنوب مواجهتها خلال «عصر الاضطرابات»، وذلك بمناسبة تقديم التقرير السنوي للدورة السادسة من «تيارات أطلسية»، وهو الإصدار الرئيسي لـ(مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد)، الذي يحمل عنوان «الجنوب في عصر الاضطرابات».
ويسلط التقرير، الذي يعتبر وثيقة مرجعية، الضوء على التحديات التي تواجهها منطقة المحيط الأطلسي، وطرح من خلال فصوله التسعة عدة أسئلة جوهرية، تتعلق بـ«نظام ما بعد أميركا»، والنظام التجاري القائم على قواعد «فرص النجاة»، و«الدبلوماسية الثقافية»، و«مستقبل الاتحاد الأوروبي»، قبل أن يتطرق إلى المشاكل المتعلقة بجنوب المحيط الأطلسي، مثل «توسع التمرد في الساحل وعلامات القلق في غرب أفريقيا الساحلية»، و«الصين وأفريقيا في عصر الاضطرابات».
وقدم المتدخلون لمحة عامة عن القضايا الاقتصادية والتجارية والجيو - سياسية الأساسية الحالية، بهدف إبراز التحديات التي تواجهها منطقة المحيط الأطلسي بشمالها وجنوبها، وذلك من خلال إيصال صوت الجنوب إلى النقاش الجيو - سياسي العالمي.
وأشارت أنابيل غونزاليس، وزيرة التجارة الخارجية السابقة في كوستاريكا، إلى تحديات منظمة التجارة العالمية، موضحة أنها تعيش منذ سنوات حالة اضطراب بسبب التحديات المتعددة التي تواجهها المنظمة، بسبب كثرة القيود التي تفرضها الإدارة الأميركية وعدم الاستقرار.
وقالت غونزاليس: «لقد انتقلنا من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على السلطة، حيث أصبحت الولايات المتحدة والصين خصمين رئيسيين»، الأمر الذي أدى، في نظرها، إلى زيادة تفتيت التجارة وزيادة التوتر، لا سيما في مكافحة تشوهات السوق، وإدارة الاقتصاد الرقمي، وإعادة تعريف دور الاقتصادات الناشئة في النظام التجاري العالمي.
وبعد أن أكدت غونزاليس أن كل نزاع تجاري يثير حاليا حربا تجارية، تساءلت عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الاقتصادات الناشئة في مواجهة هذا الوضع الجديد على المستوى العالمي، والذي يتسم على الخصوص بالنمو المتسارع في الاقتصاد الرقمي والرقمنة.
ودعت غونزاليس إلى اعتماد حكامة عالمية متجددة، مشددة على ضرورة الوحدة من أجل الحفاظ على النظام التجاري العالمي، الذي سيواجه تحديات كبيرة خلال السنوات المقبلة.
من جهتها، تطرقت لين إشمايل (سانت لوسيا)، السفيرة السابقة لدول شرق البحر الكاريبي لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي، إلى تأثير تراجع الريادة الأميركية في الغرب وانعكاساته على الجنوب، مما يثير المخاوف والانشغالات بين الحلفاء التقليديين.
وقالت إشمايل إن هناك أمورا تدعو للاعتقاد بأن الجنوب يمر بفترة من الاضطراب بسبب التغيرات، التي تفرض على العديد من البلدان الاختيار بين الولايات المتحدة والصين؛ نظرا لكون التصور القائم يؤكد أنهما ليسا شريكين، بل منافسان.
من جانبه، أشار رضا ليموري (المغرب)، كبير الباحثين بمركز السياسات، إلى انتشار الإرهاب وتكاثر الجماعات المتطرفة المسلحة في منطقة الساحل. وقال إن الإرهاب الذي بدأ في أجزاء من مالي أصبح ينتشر الآن في مناطق أخرى، مثل تونس ونيجيريا، مبرزا أنه يمكن أن يصل إلى الدول الساحلية مثل غانا، في غياب أي «استراتيجية للتعامل مع هذه المشكلات، حيث تطورت قضية الإرهاب في الساحل بدلاً من إيجاد حل لها».
ورغم هذا التدهور في الوضع الأمني​​، فإن أميناتا توري، رئيسة وزراء السنغال السابقة، تريد أن تبقى متفائلة، لا سيما في غرب أفريقيا، رغم وجود العديد من التحديات. بيد أنها أشارت إلى إحراز تقدم في معدلات النمو، وظهور نيجيريا كقوة اقتصادية رائدة في أفريقيا، دون أن تنسى الإشارة إلى مسألة تعليم الفتيات، التي عدتها ثورة غير مرئية.
وشكلت محاورة الرئيس النيجيري الأسبق أوليسجون أوباسانجو، محطة متميزة في «حوارات الأطلسي»، ذلك أنه ركز في حديثه على «العيش في أوقات غير مستقرة». وقال: «قبل ذلك سعى العالم للسلام والاستقرار والتنمية والنمو والتقدم. وقد تم تحقيق معظم هذه الأهداف باستثناء الإنصاف والعدالة والديمقراطية، وكذلك تعددية الأطراف». لافتا إلى أن الجنوب «يجب أن يكون قلقاً، ولكن ليس كثيراً لأن ما يحدث في الأفق هو صعود التعددية، التي نحتاج إليها لحكم العالم».
وفي جلسة أخرى من المنتدى، تتبعت ماريا أوجينيا دي أفيلا، وزيرة خارجية السلفادور السابقة، ظاهرة الشعبوية في العالم، وعزتها إلى وجود «أزمة الثقة بين المواطنين وصناع القرار». في حين يعتقد نظيرها إجناسيو ووكر، وزير خارجية شيلي السابق، أن الشعبوية «ولدت من حقيقة مفادها أن قوى السوق لم تعد تعمل من أجل المصلحة السياسية والاقتصادية للمواطنين».
في غضون ذلك، ندد باولو بورتاس، وزير الخارجية البرتغالي السابق، بالثورة الرقمية باعتبارها واحدة من أسباب صعود الشعبوية، التي يعتبرها «مرضاً غربياً وليس مرضاً متطرفاً»، مشيرا إلى أن الشعبوية توجد في اليمين واليسار. وقال: «ترمب شعبوي، وكذلك بوريس جونسون. بولسونارو كذلك، تماماً كما كان لولا دا سيلفا».
ويعتقد بورتاس أن الانتشار الهائل للرسائل المزيفة على الشبكات الاجتماعية، هو عنصر «مدمر». وقال إن «بعض الرؤساء لا يهتمون بتحسين حياة الناس، لكن لديهم أكبر عدد ممكن من الإعجابات»، التي ستقتل الديمقراطية التمثيلية، في نظره.
وفي جلسة أخرى حول التعليم، تطرق وزير التعليم السابق والشخصية النيجيرية البارزة أوبياجيلي إيزكويسيلي إلى تجربته، وقال: «لقد أصبح الحكم عقبة أمام حل المشكلات. نحن نعالج الأعراض بدلاً من أن نكون جريئين». مضيفا: «عندما التحقت بالحكومة وجدت أن هناك 6 ملايين طفل غادروا المدارس في نيجيريا. آنذاك شعرت بالصدمة من مستوى خطورة هذا التحدي». وخلص إلى القول بكلمات قوية واضحة إن رأس المال البشري والتعليم «هما البترول الجديد لبلد مثل بلدي».
من جهته، قدم غريغوري نغوين تيان هونغ، وزير التنمية الاقتصادية والتخطيط الفيتنامي السابق، بعض الحلول لإشكالية التعليم، وقال: «أولاً إنشاء قسم للتعليم الفني في الوزارات لرصد التقدم المحرز... ثم إنشاء مكتب تنمية اقتصادية قوي، بما يكفي لتشجيع التغيير التكنولوجي. وأخيراً، قام بإنشاء منهج فني في التعليم الثانوي والعالي، مع عامين في المدرسة وسنتين في الأعمال».
أما وزيرة التعليم السابقة في فرنسا، نجاة فالود بلقاسم، فقالت إن إحدى أهم القضايا المطروحة في فرنسا تتعلق بعدم المساواة. وأضافت موضحة: «الأصل وظروف الميلاد، والفئة الاجتماعية للوالدين كلها عوامل تؤثر على النجاح الأكاديمي للأطفال». وخلصت إلى القول إن المزيج الاجتماعي مهم لتشجيع الطموح ورفع التقدير.
من جانبه، قال ديدييه أكويتي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «أفريكا سيرش» الاستشارية للتوظيف، إن «الزراعة في أفريقيا تمثل ما بين 15 في المائة إلى 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و70 في المائة من العمالة، لكن 2 في المائة فقط من الطلاب. إضافة إلى ذلك، فإن انخفاض عدد الطلاب بين التعليم الابتدائي والثانوي بنسبة 70 في المائة يعد دراماتيكياً لأفريقيا، حيث يتابع 9 في المائة فقط من الطلاب دورة التعليم العالي. وهؤلاء الأفارقة الشباب متعلمون، لكنهم عاطلون عن العمل لأن شهاداتهم لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل».
وأضاف متسائلا: «ماذا نفعل مع 70 في المائة من الطلاب غادروا على الطريق؟... يجب أن نفكر بطريقة مختلفة، وأن نجلب المهارات حيث يكون العمل، أي في الشارع وفي القطاع غير الرسمي».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.