انتقادات إعلامية روسية للأسد واتهامه بأنه «بعيد عن الواقع»

موسكو تكثف الاتصالات مع أنقرة حول «تصعيد قوي» في إدلب

TT

انتقادات إعلامية روسية للأسد واتهامه بأنه «بعيد عن الواقع»

كثفت موسكو اتصالاتها مع الجانب التركي على خلفية التحضير لإطلاق عملية عسكرية جديدة في مناطق حول إدلب، لمواجهة ما وصفتها مصادر روسية بـ«استعدادات تقوم بها المعارضة لشن هجوم واسع على حلب»، في وقت ظهرت انتقادات إعلامية جديدة في موسكو للرئيس بشار الأسد واتهامه بأنه «بعيد عن الواقع»
وبعد مرور أقل من 24 ساعة على محادثات هاتفية أجراها الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، أعلنت الخارجية الروسية أمس، أن تطورات الوضع في المنطقة كانت محور مباحثات بين وزيري الخارجية سيرغي لافروف ومولود تشاووش أوغلو. وأفاد بيان أصدرته الوزارة بأن المكالمة الهاتفية بين الوزيرين شكلت «استمرارا للنقاشات التي جرت على المستوى الرئاسي».
وكن الكرملين أعلن أن بوتين وإردوغان اتفقا على «تفعيل الجهود المنسقة لمكافحة التهديد الإرهابي، بما في ذلك في محافظة إدلب وشمال شرقي سوريا، مشددين على ضرورة التطبيق الكامل للاتفاقات الروسية التركية بشأن العمل المشترك في هاتين المنطقتين».
وجاء تنشيط الاتصالات بين الطرفين متزامنا مع تزايد المؤشرات إلى اقتراب إطلاق عملية عسكرية في بعض مناطق محافظة إدلب، إذ صعدت موسكو من لهجتها التحذيرية خلال الأيام الأخيرة، وأكدت أنه «لن يكون مقبولا الوقوف من دون رد فعل فيما تعمل (هيئة تحرير الشام) على توسيع مناطق نفوذها وتواصل تهديد المناطق المجاورة»، وفقا لتعليق المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف. وفي تطور صب في الاتجاه ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أمس، أن وسائل استطلاعها رصدت قيام المسلحين في إدلب بعملية واسعة لحشد قواتهم وأسلحتهم الثقيلة في محيط مدينة حلب، وحذرت مجددا من «التحضير لاستفزاز باستخدام أسلحة كيماوية».
وقال مدير مركز حميميم لمصالحة الأطراف المتناحرة في سوريا التابع لوزارة الدفاع يوري بورينكوف، إن «وسائل الاستطلاع الروسية، رصدت على مدار اليومين الماضيين، عملية نقل راجمات صواريخ ومدرعات من قبل التشكيلات المسلحة غير الشرعية باتجاه مدينة حلب وبلدة أبو الضهور في محافظة إدلب».
وأضاف أن مركز المصالحة الروسي تلقى معلومات جديدة تفيد بأن «قادة تنظيم هيئة تحرير الشام الإرهابي يخططون بالتعاون مع تنظيم الخوذ البيضاء لتنفيذ عملية مفبركة لاستخدام مواد سامة وتدمير بعض مواقع البنى التحتية في بلدات واقعة جنوب منطقة إدلب لخفض التصعيد».
وأوضحت وزارة الدفاع الروسية أن «هدف هذه الاستفزازات يكمن في إعداد صور ومقاطع فيديو، ليتم تداولها على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام في الشرق الأوسط والغرب مع نشر تقارير تتضمن اتهامات إلى القوات الحكومية السورية باستخدام أسلحة كيماوية ضد المواطنين المدنيين».
ودعت وزارة الدفاع الروسية «قادة التشكيلات المسلحة غير الشرعية إلى التخلي عن الاستفزازات باستخدام السلاح وسلك الطريق نحو التسوية السلمية للأوضاع في مناطق سيطرتهم».
وأفاد المتحدث العسكري بأن 5 مدنيين و6 عسكريين سوريين لقوا مصرعهم جراء هجمات شنها المسلحون في شمال غربي سوريا خلال الفترة من 1 حتى 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. وزاد أنه «تم في محافظات اللاذقية وحماة وإدلب وحلب، في الفترة ذاتها، رصد أكثر من 400 خرقا لنظام وقف الأعمال القتالية من قبل مسلحي تنظيم هيئة تحرير الشام الإرهابي وما يسمى بالجيش الوطني السوري». وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن «عناصر التشكيلات المسلحة غير الشرعية يستخدمون بنشاط طائرات مسيرة تتمتع بقدرات ضاربة».
على صعيد آخر، برزت مجددا في موسكو تحذيرات للقيادة السورية حملت لهجة قوية، ونبهت إلى ضرورة مراجعة دمشق لحساباتها قبل أن «ينفجر الموقف مجددا في البلاد». ورأى الكاتب والدبلوماسي رامي الشاعر أنه «للأسف الشديد، أصبح من الواضح بعد متابعة اللقاءات الصحافية للرئيس بشار الأسد مؤخراً والتي كان أحدثها اللقاء مع الصحافية الإيطالية، بأنه ما زال بعيداً عن واقع الحياة وعن التحولات التي طرأت على سوريا وعلى شعبها، ويتصور أن ما مرت به البلاد خلال تسع سنوات هو نتيجة مؤامرة خارجية، وأن الحرب كانت على الإرهاب الذي تم القضاء عليه وأن الأمور بدأت تعود إلى طبيعتها، وأن الانتصار كان نتيجة تلاحم الشعب مع القيادة وأن العائق أمام إعادة البناء هو فقط العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا».
واستغرب الكاتب المقرب من الخارجية الروسية أن القيادة السورية تتعامل «وكأن الأمور في سوريا تسير على ما يرام ولا وجود لأي أزمة داخلية، وليس هناك معارضة ولا أي شيء يدعو إلى إجراء أي تغييرات». وزاد أن الأسد يتجاهل كذلك الجهود الدولية والقرارات، معربا عن الاستغراب لأن «يرى الرئيس بشار الأسد كل سوريا بصورة الوضع الذي يحيطه في طريقه من البيت إلى القصر الجمهوري ذهاباً وإياباً من دون أي علم له بعدم ارتياح المجتمع السوري بأغلبيته، خلف الدائرة التي لا يزيد قطرها على كيلومتر واحد من مركز سكنه وعمله في وسط دمشق». ولفت إلى أن «حقيقة الواقع على الأرض غير ذلك تماماً: هناك معارضة قوية جداً ضد النظام الحالي في دمشق، وهناك معارضة مسلحة أوقفت نشاطها، التزاماً بالوعود التي قدمت لها من قبل الدول الضامنة، وتمشياً مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي يناط به إحداث التغيير في سوريا. ولذا من الضروري ومن الواجب على الرئيس بشار الأسد وعلى القيادة السورية أن يدركا بأن الشعب السوري إذا فاض صبره وشعر بعدم وجود أمل في الجهود والدور الدولي فإن البديل سيكون حرباً أهلية دامية وواسعة، تشمل كل أرجاء سوريا، ستطيح حتماً بالنظام الحالي، لأن إرادة الشعوب لا يمكن أن تقهر، وهي دائماً الأقوى».
وكان لافتا خلال الفترة الأخيرة بروز مقالات مماثلة في روسيا دعت القيادة السورية إلى «مراجعة خطابها والانخراط في إصلاحات جدية قبل فوات الأوان».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».