في كازاخستان... بحر من النفط وجبل من الأموال

«شيفرون» تتحرك عكس المألوف

في كازاخستان... بحر من النفط وجبل من الأموال
TT

في كازاخستان... بحر من النفط وجبل من الأموال

في كازاخستان... بحر من النفط وجبل من الأموال

داخل أرض ملحية منبسطة تجتاحها من حين لآخر رياح قوية وتتميز بأعداد كبيرة من الخيول البرية، يغدق المستثمرون الأموال على واحد من أكبر الحقول النفطية خارج منطقة الشرق الأوسط وأكثرها إدراراً للربح؛ حقل تنغيز النفطي.
جدير بالذكر أنه يجري ضخ النفط من أعماق هذا السهل القاصي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي بوتيرة كانت كفيلة باستنزاف حقول أخرى بحلول الوقت الحاضر. ومع هذا، لا يزال النفط يتدفق من هذا الحقل ولا يزال بداخله الكثير.
وتتحرك الشركات المعنية بتشغيل الحقل، وعلى رأسها الشركة الأميركية العملاقة «شيفرون»، عكس الممارسات السائدة بمجال النفط من خلال إقدامهم على مشروع توسع هائل يأملون في أن يزيد الإنتاج بنسبة تقارب 50 في المائة ليصل إجمالي الناتج اليومي للحقل إلى مستوى مليون برميل يومياً الذي يمكن أن يسبب تخلخلاً داخل الحقل النفطي. ومع هذا، فإن الجهات المعنية بتشغيل الحقل تعتقد أنه سيظل نشطاً لعقود مقبلة.
ومع هذا، لا يخلو المشروع من تعقيدات، في الوقت الذي يتحرك فيه الطلب العالمي نحو الثبات. وعليه، ثمة تساؤل كبير يخيم بظلاله على جهود زيادة أعداد العاملين والمعدات الثقيلة بالحقل: هل هذه وجهة ذكية لإنفاق 37 مليار دولار؟
يعمل في مشروع التوسع بالحقل نحو 48.000 عامل، معظمهم من أبناء كازاخستان، ويعيشون داخل بنايات تشبه المهاجع. وتصل إلى الموقع يومياً أجزاء من آلات تزن مئات الأطنان تشكل وحدات من محطات توليد كهرباء ولمعالجة النفط، مقبلة من مصانع في إيطاليا وكوريا الجنوبية وتركيا. وبعد رحلة عبر ممرات مائية داخلية في روسيا حتى ميناء بني حديثاً على بحر قزوين، يجري نقلها في مقطورات عبر مسافة 40 ميلاً تقريباً إلى الحقل النفطي، حيث تتولى رافعة تبلغ زنتها 3.200 طن رفعها وتثبيتها في المكان المناسب.
من ناحيتها، وصفت شركة «وود ماكنزي» المعنية بأبحاث السوق، هذه الجهود بأنها الأضخم بمجال صناعة النفط على مدار عقد كامل.
وفي السياق ذاته، قال جيه. روبنسون ويس، المدير الإداري لمؤسسة «بي سي جي سنتر فور إنرجي إمباكت» البحثية: «هذا مشروع تتمنى أي شركة لو أن بإمكانها المشاركة فيه».
من ناحية أخرى، فإنه من المقرر إنجاز جهود التوسع في غضون نحو 3 سنوات، لكن الواضح أن حقل تنغيز يوفر بالفعل قرابة ربع العائد الوطني لكازاخستان ونحو ربع أرباح «شيفرون». من جهتها، وافقت «شيفرون» على المشروع عام 2016 فيما بدا للكثيرين وقتاً غير مناسب: فقد كان العالم يحظى بمعروض ضخم من النفط، وكانت الصناعة تترنح تحت وطأة انهيار أسعار النفط الذي كان قد بدأ عام 2014. ومع ذلك، بدأ توسيع العمل في حقل تنغيز رهاناً جيداً بالنظر إلى أن أداء الحقل كان جيداً للغاية فيما مضى وأن «شيفرون» أولت أهمية كبيرة لعلاقتها مع كازاخستان.
من جانبه، قال تود ليفي، رئيس شؤون التنقيب والإنتاج لشؤون أوروبا ومنطقة أوراسيا والشرق الأوسط: «عندما نمعن النظر إلى هذا الأمر، كان هذا المشروع الكبير الذي شعرنا أنه جدير بالاهتمام».
ومع هذا، تبقى عملية التوسع في الحقل بمثابة مغامرة محسوبة. على سبيل المثال، عند النظر إلى الظروف المناخية، نجد أن الثلوج المتساقطة على منطقة بحر قزوين بمقدورها وقف عملية شحن المعدات، وتعطيل آلاف العاملين عن أشغالهم. ومع ذلك، حالف الحظ «شيفرون» حتى هذه اللحظة، حسبما أكد مسؤولون معنيون، وقد جرى إنجاز أكثر عن نصف المشروع.
ويتطلب إحراز تقدم على صعيد العمل داخل حقل تنغيز الحفاظ على علاقات طيبة مع موسكو، التي لم تنسَ أن كازاخستان كانت جمهورية تابعة للاتحاد السوفياتي حتى مطلع تسعينات القرن الماضي. وتتشارك روسيا مع جارتها في حدود تمتد لمسافة 4.200 ميل، ويجري نقل كثير من المعدات المستخدمة في تنغيز عبر ممرات مائية روسية، إضافة إلى شحن النفط المستخرج من تنغيز عبر ميناء روسي يطل على البحر البلطيق. ويساعد في هذا الأمر كون شركة «لوكويل» الروسية شريكاً في مشروع حقل تنغيز، في إطار شراكة تجارية تحمل اسم «تنغيزشيفرويل».
- كازاخستان تعيد تشكيل علاقتها
على جانب آخر، فإنه عند نقطة ما، من الممكن أن تعيد كازاخستان النظر في علاقتها بـ«شيفرون» و«إكسون موبيل»، الشركة الأميركية الأخرى المشاركة في جهود التوسع بالحقل. من ناحيتها، حرصت «شيفرون» على الحفاظ على علاقات طيبة مع مسؤولي حكومة كازاخستان من خلال عقد حوارات مستمرة. إلا أن بعض المحللين يرون أن كازاخستان في خضم مرحلة انتقالية سياسية بعد 3 عقود تحت قيادة الحاكم نفسه. ويعتقد هؤلاء المحللون أن الحكومة الجديدة ربما تقرر أن بنود الاتفاق المبرم منذ 3 عقود تميل بشدة لصالح الشركات النفطية، وربما تسعى لإعادة الاتفاق.
من ناحية أخرى، فإن من بين التحديات المستمرة التي تواجه الشركات المعنية بحقل تنغيز تعيين وتدريب عشرات الآلاف من العمال، الذين يجب توفير الطعام والمسكن ووسائل النقل لهم جميعاً مع وضع اعتبارات الإنتاجية في الحسبان. في هذا الصدد، تساءل جيم مايو، مدير الموقع المكلف من جانب «إكسون موبيل»: «السؤال هنا: هل تملك القدرة لإدارة مثل هذا العدد بفاعلية وكفاءة وأمان؟».
فيما يتعلق بالشباب المهنيين في كازاخستان، يمثل المشروع فرصة نادرة. من بين هؤلاء، توغزان أبديشوفا (29 عاماً)، التي بدأت العمل في تنغيز فور تخرجها في الجامعة عام 2011. قبل الشروع في عملية التوسع، وتخوض حالياً دورة تدريب بمجال الهندسة تنظمها «شيفرون». وعن هذا، قالت: «سوف تعيننا هذه الخبرة على العمل أي موقع آخر بمختلف أرجاء العالم».
ويحرص مسؤولون معتبرون أمثال جون أوملشنكو (58 عاماً)، مشرف أعمال التنقيب لدى «شيفرون» ويعرف باسم جون أو، على الاستعانة بأحدث الأساليب في تنغيز. ويتنقل أوملشنكو ذهاباً وإياباً بين ماريلاند وتنغيز، ويقضي 28 يوماً في العمل، تليها 28 يوماً عطلة.
ويشعر أوملشنكو بسعادة بوجوده في مناطق التنقيب، حيث تجري الاستعانة بكلاب حراسة لإبقاء الثعالب والذئاب بعيداً، لكنه أشار إلى أن زوجته قاست بسبب فترات غيابه الطويلة عن المنزل. وأضاف بنبرة ساخرة: «دائماً تتعطل السيارة أو المبرد في غيابي».
ويتمثل تحدٍ آخر في الحفاظ على حالة من السلام وسط قوة عمل منعزلة تضم كثيراً من خلفيات عرقية مختلفة. من ناحيتهم، اشتكى العاملون المنتمون لكازاخستان من تدني أجورهم وظروف العمل الخاصة بهم مقارنة بالأجانب، وتطورت هذه الشكاوى إلى مشاجرات اشتعلت في يونيو (حزيران) خلفت 40 عاملاً مصاباً.
وسحب المقاولون عمالاً من الموقع، وأجبرت الإدارة على تجميد عمليات. وفي النهاية، وعدت الشركة العاملين المحليين بزيادة قدرها 7 في المائة في الراتب، حسبما أفاد أحد مسؤولي الشركة، وجرى بالفعل استئناف العمل لكن ببطء.
- مخاوف انكماش الطلب على النفط
بوجه عام، يتسم مشروع حقل تنغيز بتكاليفه الباهظة وصعوبته، لكن تبقى المخاطرة الكبرى مرتبطة بالمخاوف إزاء دور الوقود الحيوي في التغييرات المناخية. ويظل التساؤل الملح حالياً: هل سينكمش الطلب على النفط قبل أن تبدأ كامل عائدات عملية التوسع بحقل تنغيز في التدفق؟ باستثناء فترات الركود، مال الاستهلاك العالمي من النفط بوجه عام نحو الارتفاع. ومع هذا، تُسرّع المخاوف المرتبطة بالمناخ من وتيرة التحول نحو صور بديلة من الطاقة وربما تؤدي نهاية الأمر إلى تقليص الطلب على النفط.
من ناحيتها، ترى مؤسسة «كربون تراكر» التي تقدم استشارات إلى مستثمرين بخصوص المخاطرة، أن القيود المستقبلية على استهلاك النفط تجعل من غير المحتمل أن تحصد «شيفرون» عائدات مقبولة على المليارات التي أنفقتها في تنغيز. وفي هذا الصدد، قال أندرو غرانت، المحلل البارز لدى المؤسسة، إن أعمال التوسع في تنغيز: «تبدو أشبه برهان على فشل» العالم في إبقاء درجات الحرارة داخل النطاق الذي أقرته اتفاقات باريس.
فيما يخص «تنغيزشيفرويل»، التي تتألف من «شيفرون» بحصة 50 في المائة، و«إكسون موبيل» بحصة 25 في المائة، و«كازموناي غاز»، شركة النفط الوطنية في كازاخستان، بنسبة 20 في المائة، و«لوكويل» بنسبة 5 في المائة، يبدو أن المكاسب المحتملة تفوق المخاطر بكثير.
وعلى رأس الأسباب وراء ذلك أن الحقول النفطية في حجم تنغيز - الذي يضم حقلاً صغيراً إلى جواره، وتشير تقديرات إلى أنه يضم 11 مليار برميل من النفط القابل للاستخلاص-ـ نادرة.
عن ذلك، قال ميك كرالي، المدير المخضرم لدى «شيفرون» والمسؤول عن عملية التوسع: «هذا المشروع النموذجي في تاريخ مسيرتي المهنية والصناعة بأكملها اليوم».
ومع ذلك، فإن حقل تنغيز، الذي اكتشفه جيولوجيون سوفيات خلال سبعينات القرن الماضي، أكثر تعقيداً عن غالبية الحقول الأخرى، ذلك أن النفط يخرج من باطن الأرض يصاحبه غاز سلفيد الهيدروجين الذي قد يؤدي إلى الوفاة. ولا يزال العاملون بالمنطقة يتحدثون عن انفجار ضخم وقع عام 1985 نشر التلوث على مسافة أميال من الموقع.
وتعدّ مسألة توافر معدات ضخمة تفصل بأمان النفط عن الغاز الطبيعي وسلفيد الهيدروجين النقطة التي تميزت فيها «شيفرون» بعدما تعثر عندها الاتحاد السوفياتي عام 1991. ورغب نور سلطان نزار باييف، الذي كان حاكماً لكازاخستان ذلك الحين وحتى تقاعده في مارس (آذار)، في الاستعانة بشركة موثوق بها لتنمية الحقل وإدرار المال اللازم للجمهورية المستقلة الناشئة التي يبلغ عدد سكانها 19 مليون نسمة.
في هذا الصدد، قالت ميرام شليدنوف، المشرفة لدى «تنغيزشيفرويل»: «كان من الصعب للغاية أن نطلع بمثل هذا العمل بأنفسنا». عام 1993، وقع نزار باييف عقداً لمدة 40 عاماً مع «شيفرون» التي بدأت ما يعدّه معظم المراقبين علاقة نفع متبادل. جدير بالذكر أن «تنغيزشيفرويل» أكبر دافع للضرائب في كازاخستان.
اليوم، يتولى قاسم جومارت توكايف، الذي اختاره نزار باييف بنفسه، إدارة البلاد، بينما يبدو أن أكبر مسؤول تنفيذي لدى «شيفرون» بالبلاد لا يزال متفائلاً. وقالت إيمير بونير، المدير العام لـ«تنغيزشيفرويل»، إنها ترى أنه لن يكون هناك أي مشكلات ما دامت «شيفرون» مستمرة ملتزمة بتعهداتها من حيث الالتزام بأهداف الإنتاج ومعاملة العمال على نحو جيد.
وقالت: «لدينا علاقة ناجحة وشفافة للغاية. لذا، لا أشعر بأي قلق على الإطلاق».
في المقابل، يبدي البعض حذراً أكبر، ومن بين هؤلاء فرنسيسكو مونالدي، الزميل لدى معهد بيكر التابع لجامعة رايس الذي يعمل في كازاخستان. وقال مونالدي إن «أي فترة انتقالية في حكم استبدادي» يمكن أن تؤدي لزعزعة الاستقرار السياسي، مضيفاً أن ذلك قد يدفع الحكومة نحو محاولة الاستحواذ على حصة أكبر من عائدات استثمارات كتلك الخاصة بـ«شيفرون».
جدير بالذكر أن بونير تنتمي في الأصل إلى آيرلندا الشمالية وتتولى إدارة المشروع المشترك من مكاتب في مدينة أتيراو، العاصمة النفطية للبلاد، بينما ظل زوجها، ويعمل مسؤولاً تنفيذياً بمجال النفط، في الديار مع ابنتيهما. وشددت بونير على أن «شيفرون» تتواصل باستمرار مع مسؤولين في كازاخستان، وأن الخطوات التي اتخذتها الشركة لتجنب السقوط في الفساد، الذي يمثل مشكلة كبرى أمام الشركات في كازاخستان، نجحت في إبقاء الشركة على المسار الصائب.
وقالت: «هناك دوماً مخاطرة عندما تكون شركة ضخمة في حجم شركتنا وتعمل بأي مكان من العالم وعندما تنفق أموالاً بضخامة الأموال التي ننفقها».
ونظراً لأهمية المشروع الكبرى لمستقبل «شيفرون»، استعانت الشركة بفريق من عناصر أجنبية مخضرمة لإدارته. وإضافة إلى ذلك، استعانت الشركة بفريق من البيولوجيين الذين يتولون دراسة تأثير أعمال التنقيب على عجول البحر والطيور.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

الاقتصاد رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

تتحرك سوريا لاستعادة مكانتها لاعبَ طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)

«توتال» ترفض دعوات ترمب للعودة إلى فنزويلا: استثمار مكلف

قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز» الفرنسية العملاقة للطاقة، باتريك بويان، إن العودة إلى فنزويلا «مكلفة للغاية وملوثة للبيئة بشكل كبير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رافعات ضخ النفط في حقل على شواطئ بحر قزوين في باكو (رويترز)

أسعار النفط ترتفع وتقترب من مستويات 70 دولاراً للبرميل

ارتفع النفط مدعوما بزيادة المخاطر في ظل استمرار المحادثات الأميركية الإيرانية الهشة، في حين منحت مؤشرات بتراجع الفائض وسط تحسن الطلب الهندي دفعة إضافية للأسعار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)

تقرير: فنزويلا ستُصدّر أول شحنة نفط خام إلى إسرائيل منذ سنوات

ستصدّر فنزويلا أول شحنة نفط خام إلى إسرائيل منذ سنوات، مع استئناف صادراتها بعد القبض على رئيسها المحتجَز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)

«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

قالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة لـ«بي بي»، كارول هاول، إن الشركة تسعى للحصول على ترخيص من الحكومة الأميركية لتطوير حقل غاز ماناكين-كوكوينا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن - لندن)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.