سجين في غوانتانامو يوثق تعذيبه برسومات ذاتية

{أبو زبيدة} قيادي «القاعدة» أول شخص يتعرض للإيهام بالغرق

أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
TT

سجين في غوانتانامو يوثق تعذيبه برسومات ذاتية

أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)

أظهر رسم لمعتقل بسجن غوانتانامو سجيناً عارياً مربوطاً بقماش غطى جسده بالكامل وقد سُجي على طاوله، ويجرى سكب الماء على وجهه بواسطة محقق لا يظهر في الرسم.
ويُظهر رسم آخر سجيناً مكبل اليدين، وهما مثبتتان في قضبان مرتفعة فوق رأسه، ما اضطره للوقوف على أطراف أصابعه، ويظهر بوضوح جرح طويل على ساقه اليسرى، ويصرخ من شدة الألم، فيما يُظهر رسم آخر محتجزاً يضرب رأسه بالحائط. تعتبر الرسومات التي رسمها المعتقل المعروف باسم أبو زبيدة صوراً ذاتية للتعذيب الذي تعرض له خلال السنوات الأربع التي قضاها في سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية.
تُنشر هذه الصور الغاضبة والشخصية للغاية للمرة الأولى، لتضع النقاط على الحروف، فيما جرى تداوله بأسلوب غير دقيق، لتوضح ما يعرف باسم «تقنيات الاستجواب المعززة» التي تستخدمها الولايات المتحدة في سجون خارجية سرية خلال ملاحقة محمومة تابعة لتنظيم «القاعدة» بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
في كل رسم توضيحي يصور أبو زبيدة الذي يعتقد أنه من قادة «القاعدة»، وهو أول شخص يخضع لبرنامج الاستجواب الذي اعتمدته إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، تقنيات بعينها، يقول إنها طبقت عليه في أحد المواقع التابعة لـ«سي آي إيه» في تايلاند، في أغسطس (آب) 2002.
أظهرت الصور كيف أنه بعد مرور أكثر من عقد على قيام إدارة أوباما بحظر البرنامج، استمرت الإدارة في رفع السرية عن دراسة قدمت إلى مجلس الشيوخ لتكشف عن وحشية الأساليب التي اتبعتها «سي آي إيه» وكيف أن الفصل الأخير لها لم يكتب بعد.
قام أبو زيد (48 عاماً) العام الحالي من خلال محاميه مارك دينبو أستاذ القانون بجامعة ستون هول في نيويورك، وبمساعدة بعض طلابه، بجمع رسوماته «غوانتانامو» لإدراجها في تقرير من 61 صفحة، بعنوان «كيف تعذّب أميركا؟».
يستخدم التقرير روايات مباشرة، ومذكرات داخلية لإدارة بوش، وروايات السجناء، وتقرير لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ لعام 2014، لتحليل برنامج الاستجواب. جرى إعداد البرنامج في البداية خصيصاً لأبو زبيدة، الذي كان يُعتقد خطأ أنه ضمن كبار قادة تنظيم «القاعدة».
وأُلقي القبض علي أبي زبيدة في معركة بالأسلحة النارية بمدينة فيصل آباد، في باكستان، في مارس (آذار) 2002. وأصيب بجروح خطيرة، بما في ذلك إصابة بالغة في فخذه اليسرى، وأرسل إلى شبكة السجون الخارجية التابعة لـ«سي آي إيه».
بعد نقاش داخلي حول ما إذا كان يتعين الاستعانة بمحققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، تقرر الاستعانة باثنين من علماء النفس لوضع برنامج بات محظوراً الآن، يستخدم العنف والعزلة والحرمان من النوم، مع أكثر من 100 رجل في مواقع سرية، وصف بعضها بأنها زنزانات يعمل بها حراس سريون وأطباء عسكريون.
بدأت تفاصيل الأساليب المتبعة تتسرب منذ أكثر من عقد، وتضمن بعضها تفاصيل مخيفة، وجرى تصوير بعضها باستخدام الرسومات. لكن هذه الرسومات التي جرى نشرها حديثاً صورت تقنيات «سي آي إيه» التي جرى الموافقة عليها، ووصفها، وتصنيفها في المذكرات التي أعدتها إدارة بوش عام 2002 والتي تضمنت التصورات الشخصية للسجين الذي تعرض للتعذيب، وكان هذا الشخص هو أبو زبيدة، فلسطيني الجنسية، اسمه الحقيقي زين العابدين محمد حسين.
وكان أول شخص يتعرض للإيهام بالغرق من قبل «سي آي إيه»، وتكرر ذلك 83 مرة، وكان أول من حشر في صندوق صغير، في إطار ما وصفته دراسة أعدتها جامعة سيتون هول بـ«وابل دائم الدوران»، وهو ضمن الأساليب التي تهدف إلى كسر قدرته على المقاومة. وأظهرت المعلومات اللاحقة أنه رغم كون أبو زبيدة جهادياً، فإنه لم يكن على علم مسبق بهجمات 11 سبتمبر، ولم يكن عضواً في تنظيم «القاعدة». لم يُوجه إلى المعتقل أي اتهام بارتكاب جريمة، وتظهر الوثائق الصادرة من خلال المحاكم أن المدعين العسكريين ليست لديهم أي خطط للقيام بذلك.
فبينما كان محتجزاً في أكثر السجون سرية، والذي يحمل اسم «كامب 7»، قام المعتقل برسم تلك المخططات، ليس كعمل فني، مع العلم أن الإفراج عن هذه الرسومات محظور حالياً، لكن كمواد قانونية تمت مراجعتها وتنقيحها لإدراجها في الدراسة. وقد جرى نشر رسومات أخرى رسمها السجين نفسه العام الماضي بمجلة ProPublica.
في هذا الرسم، قام السجين برسم نفسه عارياً على لوح التعذيب بالإيحاء بالغرق، بينما يجري سكب الماء على رأسه المغطى، وقدمه اليمنى ملتوية.
تُظهر الرسوم الشخصية لأبو زبيدة أيضاً تفاصيل التصميم، غير الموجودة في معظم الرسوم، وهي مفصلية منسدلة لإمالة رأس السجين للخلف، بينما القيود مثبتة على فخذه الجريحة.
وأظهرت دراسة لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ حول برنامج تقنيات الإغراق بالمياه وغيرها من التقنيات أنها كانت «وحشية وأسوأ بكثير مما صورته (سي آي إيه)؛ حيث تعرض أبو زبيدة للتشنجات والقيء، ما تسبب في غيابه عن الوعي تماماً وخروج فقاعات من فمه المفتوح بالكامل».
وفي تقرير رفعت عنه السرية الآن قدّمه محاميه عام 2008، وصف أبو زبيدة أولى جلسات الإيهام بالغرق التي بلغت 83 جلسة، وقال: «لقد استمروا في سكب الماء مع التركيز على أنفي وفمي حتى شعرت حقاً أنني غرق، وكان صدري على وشك الانفجار من نقص الأكسجين». ورسم نفسه عارياً ومقيداً بالأصفاد على قضيب فوق رأسه، مضطراً للوقوف على أطراف أصابعه. في روايته، حسبما ذكر محاموه، كان لا يزال يتعافى من جرح أحدثته عمليات التعذيب عل يد «سي آي إيه»، وصف بأنه جرح كبير في فخذه، وحاول موازنة وضعه وقوفاً بالاستناد على الساق الأخرى.
وقال لمحاميه: «مرت ساعات طويلة بينما كنت واقفاً في هذه الوضعية. كانت يداي مثبتتين بالقضبان العليا».
وقال إن بعض الحراس «لاحظوا لون يدي»، ونقلوه إلى كرسي «واستؤنفت دائرة الاستجواب؛ البرد والجوع وقلة النوم والقيء الشديد، وهو ما لم أكن أعرف إن كان بسبب البرد أم غيره».
ذكر أبو زبيدة أن الوكلاء استخدموا طريقة «الحرمان الأفقي من النوم» التي تعتمد على تكبيله بالأصفاد على الأرض في وضعية مؤلمة تجعل من المستحيل النوم.
فيما برر «سي آي إيه» حرمانه من النوم بقوله إنه «يركز انتباه المحتجز على وضعه الحالي بدلاً من الأهداف الآيديولوجية». وعند اعتماد تلك التقنيات في أغسطس 2002، أفاد جاي بايبي، نائب المدعي العام، بأنهم ذكروا أنهم «لن يحرموا أبو زبيدة من النوم لأكثر من 11 يوماً في كل مرة».

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟