تنويع لوني على السيرة الشخصية لجيمس بالدوين

«غرفة جيوفاني» شكلت انعطافة حقيقية في حياة الكاتب

تنويع لوني على السيرة الشخصية لجيمس بالدوين
TT

تنويع لوني على السيرة الشخصية لجيمس بالدوين

تنويع لوني على السيرة الشخصية لجيمس بالدوين

«قلة من البشر الناس يموتون من الحب. لكن الكثرة تهلك وتفنى كل ساعة - وفي أكثر الأماكن غرابة - بسبب فقدان الحب»، هذه العبارة التي وردت على لسان جاك إحدى شخصيات رواية جيمس بالدوين الثانية «غرفة جيوفاني»، تلخص مغزى رحلة البطل والراوي (ديفيد)، وهي رحلة داخلية لاستقصاء الروح، وكشف عوالمها في دروب الحب الشائكة، كما أنها رحلات خارجية نحو الآخر، وإن تعددت أسماؤه.
وصل جيمس بالدوين، المولود 1924 في حي هارلم في نيويورك، إلى باريس بعمر الرابعة والعشرين، المدينة التي كانت نافذته إلى التحرر من الخوفين الأكبرين، خوف كونه مثلي الجنس وخوف لونه الأسود: «منذ أن وجدت نفسي في الطرف الآخر من هذاّ المحيط، استطعت أن أرى بوضوح من أين أتيت، أنا حفيد عبد، كما أنني كاتب. وعليَّ أن أتصالح مع الأمرين».
في باريس، التقى شاباً سويسرياً، اسمه لوسيان هابرزبرغر، و«غرفة جيوفاني - 1956» روايته الثانية مهداة له. كان لوسيان ملهمه لكتابة الرواية، حيث البطل ديفيد الذي يعيش في باريس الخمسينات، ويعاني من التباس النوازع والغربة الداخلية والمكانية، ويقيم علاقات عاطفية يفشل بها، ويبقى وحيداً في النهاية. بعض أجواء هذه الرواية مستوحاة من أحداث واقعية عايشها بالدوين، ومن تجاربه ويومياته في باريس، كما صرح بذلك في مقابلة له عام 1980: «كنا نلتقي كلنا في حانة، وكان هناك شاب فرنسي أشقر يجلس إلى طاولة، يشتري لنا شراباً دائماً، وبعد يومين أو ثلاثة رأيتُ وجهه في العناوين الرئيسية في الصحف، قبضوا عليه وأُعدمَ لاحقاً بالمقصلة، حين تمعنتُ بوجهه جيداً فكرتُ أني عرفته وحادثته من دون علم مسبق أني أجلس مع قاتل».
هذه الرواية محاولة للإجابة عن سؤال: ما الذي يحدث لو أن المرء خائف جداً من الإفصاح عن نفسه، وخوفه هذا يمنعه من الانكشاف التام مع الآخر بالحب أو بالصداقة. وخلاف روايته الأولى، فإن كل أبطال روايته الثانية (غرفة جيوفاني) من ذوي البشرة البيضاء.
شكلتْ هذه الرواية انعطافة حقيقية في حياة جيمس بالدوين الأدبية، فبعد روايته الأولى («أعلنوا مولده فوق الجبل» - 1953) صُنفَ بالدوين ضمن الكتاب الأمريكيين السود المنضوين تحت حركة المطالبة بالمساواة والحقوق المدنية، الذين يعبرون عن معاناة السود في كتاباتهم. لكنه في هذه الرواية اختار موضوعاً وشخوصاً تُبطل تصنيفه ضمن ذلك الإطار تماماً. وقد رفضها ناشره الأول، معللاً السبب بأنه لا يريد المجازفة بخسارة القراء وتحطيم سمعة الكاتب ودار النشر. نُشرت الرواية في أميركا لاحقاً عام 1956 من «دايل برس» ومن دار نشر «مايكل جوزيف» في المملكة المتحدة.

مسرح مواجهة الذات
تبدأ رواية «غرفة جيوفاني» بنبرة حزن خفيضة وجمل افتتاحية توحي بالقدرية والاستسلام. يتعرف القارئ على الراوي وهو يحدق بانعكاسه في النافذة المظلمة. وحالما يستدير عن النافذة، تبدأ نبرة صوته بالارتفاع، هو لا يهمس، بل يعترف ويصرخ كأنما يواجه جمهوراً عريضاً. وهذا الصوت هو صوت مسرحي تتداخل فيه تفاصيل حياة البطل الآنية مع ذكرياته، تتداخل الأمكنة كذلك، بيته الحالي (خشبة المسرح التي يواجه بها جمهوره - نفسه) مع أماكن أخرى من ماضيه. ومنذ الصفحة الثانية في الرواية، حيث يصف (البطل - الراوي) بكلمات وجمل بسيطة، وبتكرارات حاذقة، علاقة الحب التي عاشها حينما تعرّف على حبيبته هيلا. لكن الصفحات التالية من الرواية ستكشف شعور الذنب المطلق الذي ينوء البطل بحمله، والذي يسرده ديفيد بنبرة تأنيبية صريحة، متفحصة وحكيمة، لأنه وصل إلى نقطة نهاية تؤهله للحكم على نفسه بكل وضوح. فالبطل ديفيد متأهب لمحاكمة نفسه، فهو لا يروي قصته ويصعّد وتيرة الأحداث فقط، بل يحكي ليعترف ويكفّر عن ذنبه بحثاً عن خلاصه. أبدع بالدوين في ابتكار أسلوب الاعترافات، وهو أسلوب يعتمد على انثيالات البطل الذي يعاني وحيداً، ويظل متخبطاً في حيرته، بغياب من يستمع إليه، ويمنحه المغفرة والصفح. والرواية تتميز بأسلوب متجرد في تسليط الضوء على وعي الذات وهويتها الخيرة والشريرة.
ينجح جيمس بالدوين في هذه الرواية أيضاً بالانتقال بعفوية وسلاسة بين إشراقات وحماس بداية العلاقة وبين عتمتها وفتورها ونهايتها، وهو يحسن المزاوجة في وصف هذا الانتقال، بين الهمس الخفيض في لحظات الإفصاح، إلى مشاهد أخرى يوشك القارئ، أن يسمع صرخات ديفيد الهلعة، بل ويرى نظراته الثابتة التائهة. وحينما يستعيد البطل ليلة لقائه بجيوفاني وهو (بطل الرواية الحقيقي)، الذي يصفه ديفيد أكثر من مرة بأنه المسيح أو المخلص الذي يظلمه تابعه المقرب يهوذا، ويسلمه للموت، يظهر تأثر بالدوين العميق بتربيته الدينية المتزمتة، فهو يستشهد في نهاية الرواية بنص صريح من «الإنجيل» (ص 209).
في الليلة التي يلتقي بها البطل ديفيد بجيوفاني، فإنه يلتقي أيضاً بقدره وهو مشهد يستلهمه جيمس بالدوين من شكسبير، تحديداً من مسرحية «ماكبث»، ولا غرابة فبالدوين كان قارئاً ممتازاً لشكسبير، فبغمرة انتصار ماكبث تنبع له فجأة من الأرض ثلاث مخلوقات مشوهات أقرب إلى كونهن ساحرات، يتنبأن بنبوءات ستوجه قدر ماكبث لتحقيقها، وهذا بالضبط ما يحصل مع ديفيد، فبغمرة انتصاره على منافسيه لنيل إعجاب الفتى النادل جيوفاني، فإنه سيكون بمواجهة كائن مريب، يصفه بمومياء خرجت للتو من لحدها بعد أن وُضعت فيه، ويتنبأ هذا الكائن الغريب وغير المعرف بقدر ديفيد، وبأنه سوف يعيش تعيساً ويصلى بنار جهنم.
وتدريجياً تتحول قصة الحب إلى سؤال عن الهوية، والتباس في معنى العلاقة وصعوبة توصيفها أو تسميتها. يشعر ديفيد في لحظة ما بحب عميق نحو جيوفاني، وهما يمشيان في الشارع، وفي اللحظة التي تليها يقترب منهما فتى غريب، فيصبغ عليه ديفيد مشاعره تجاه جيوفاني. يصيب ديفيد جراء هذا الالتباس الحزن والأسى، ويشعر بالخزي والارتباك: «شعرت بالحزن والارتباك والخجل من نفسي ومرارة عميقة». وسوف تلحق هذه الجملة جملة أخرى لا تقل عنها «لقد فُتح كره في داخلي لجيوفاني قوياً مثل حبي له ويعتاش من الجذور ذاتها».
ما من مشاعر مستقرة في هذه الرواية، ويظهر هذا جلياً في مجموعة مشاهد متعارضة، وتصريحات متناقضة للشخوص.

الحنين إلى الوطن
يقول جيمس بالدوين في أحد مقالاته: «حينما عبرت المحيط وصرتُ بعيداً عن أميركا عرفتُ معنى أن أكون أميركياً». يتردد صدى الحنين إلى الوطن كثيراً في الرواية، لكن هذا الحنين مشحون بعواطف متناقضة ومفارقات كثيرة؛ من أهمها أن البطل يريد الهروب من نفسه بمغادرة الوطن، وعبر صفحات ومشاهد كثيرة، بدءاً من الأب الذي يريد من ديفيد أن يعود إلى الوطن كي يستقر، وكذلك حين يرى ديفيد بحاراً يعبر الشارع أمامه بعد أن انتهى لتوه من قراءة رسالة والده، البحار يجعله يفكر في الوطن، لكن أي وطن: «الوطن ببساطة ليس مكاناً، بل حالة مفروغ منها». لكن البحار يجعله يفكر ويواجه وطناً آخر بعد أن لمح في عينيه الازدراء، وهو حقيقة مثليته الجنسية التي يحاول ديفيد بشتى الوسائل إنكارها والهروب منها.
العنوان (غرفة جيوفاني) يشير إلى مكان وإنسان، المكان حيز ضيق محصور بين أربعة جدران، وغالباً ما يستدعي في الذهن المتعة الحسية، ورغم أن هذه الغرفة موجودة في مدينة كبيرة مثل باريس، لكن مكان الرواية الأهم هو الغرفة التي تحولت بشكل أو بآخر إلى بطل أيضاً، فهي التي تراقب بصمت. في هذه الغرفة يبدأ ديفيد في ملاحظة استجابات ملتبسة ومشاعر منقسمة، ليس مع ذاته، بل مع بقية الشخوص. عندما تعود هيلا حبيبته من إسبانيا على سبيل المثال يقول: «كل شيء بيننا عاد كما كان من قبل، وكل شيء كان مختلفاً». وهذا ما يحصل لديفيد مع جيوفاني عندما يعود إلى الغرفة لجمع أغراضه، فهو يحبه لكنه لا يستطيع مواصلة العيش معه.
في الصفحات الأخيرة من الرواية، يعود أسلوب السرد إلى شكله في صفحاتها الأولى، بسيط ويعتمد الجمل القصيرة حيادية المشاعر التي تهيمن على الأحداث بالسرد المكثف، بعد أن أُشبِعتْ فصول الرواية بالحوارات والنقاشات؛ خصوصاً الأفكار الرائجة في حقبة الخمسينات مثل المطالبة بحقوق المرأة، وحقها في الاختيار الواعي لزوجها أو شريكها.
صدرت الترجمة العربية لرواية «غرفة جيوفاني» عام 2018 بغلاف طبعتها الأولى، وعن دار نشر «روايات» الإماراتية، بترجمة فئ ناصر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».