تونس: أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة

المرزوقي انسحب والانتخابات أضعفت القوميين والاشتراكيين

تونس: أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة
TT

تونس: أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة

تونس: أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة

تجاوزت مقابلات المهندس الحبيب الجملي، المكلف بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة، مع الشخصيات السياسية وممثلي النقابات والمجتمع المدني الـ40، وشملت ممثلين عن كل التيارات، وعدداً من كبار الفنانين والمثقفين والخبراء المستقلين. إلا أن كل المؤشرات تؤكد صعوبة إقناع بعض الكتل البرلمانية وقيادات النقابات بتشكيل هذه الحكومة في أقرب وقت لأسباب كثيرة، من بينها «اختلال التوازن» في المشهد السياسي بتونس لصالح «المحافظين»، بعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها مرشحو اليسار، وبينهم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي وزعماء اليسار النقابي «الراديكالي» سابقاً حمة الهمامي والمنجي الرحوي وناجي جلول.
ولكن رغم هذه الهزيمة الكبرى، نجح النواب المحسوبون على التيارات «العلمانية» و«الحداثية» في تأسيس ثاني أكبر كتلة في البرلمان، أعلنت أن أولويتها معارضة حزب «حركة النهضة»، ورفع سقف شروطها للمشاركة في الحكومة، مع توظيف مواقعها في النقابات العمالية والمجتمع المدني.
فهل ينجح الحبيب الجملي، والأحزاب الداعمة له داخل البرلمان وخارجه، في تشكيل حكومته الائتلافية في الآجال القانونية حتى لا يضطر رئيس الدولة إلى تكليف شخصية جديدة، أم يتواصل التسويف بسبب الأزمات الداخلية التي تمر بها أغلب الأحزاب والتيارات، خصوصاً اليسار الاشتراكي والقومي الذي يحاول تجميع قطاع من أنصاره حول شعار منع «تغول حركة النهضة» و«الصراع مع رموز الإسلام السياسي»، على غرار ما حصل في 2013-2014، بدعم من زعيم حزب «نداء تونس» الراحل الباجي قائد السبسي وحلفائه داخل المنظومة القديمة؟
حسب تصريح الحبيب الجملي بعد لقائه التشاوري العلني الثاني مع الرئيس التونسي قيس سعيّد حول تشكيل الحكومة، يتضح أن الـ40 جلسة التي عقدها مع زعماء النقابات والأحزاب والشخصيات التونسية المستقلة لم تناقش بعد أسماء الشخصيات التي يمكن تعيينها في الفريق الحكومي، بل اقتصرت على مناقشة المشاريع والبرامج المقترحة. كما أكد القيادي في كتلة «حركة النهضة» في البرلمان التونسي عامر العريّض أن رئيس الحكومة المكلف لم يعرض بعد على الأطراف السياسية مقترحاته حول فريقه. وفسر أنصار الجملي «بطء المشاورات» بحرصه على توسيع المشاورات حول استراتيجية الحكومة المقبلة، في حين فسره معارضوه بمواقف بعض النقابات العمالية والأحزاب اليسارية والقومية التي لا تزال تحاول استبعاد «سيناريو» تزعم «النهضة» للحكومة، بعد انتخاب شخصيتين «محافظتين» على رأس الدولة والبرلمان، أي قيس سعيّد وراشد الغنوشي.

البعد الآخر للأزمة
وتكشف المناظرات داخل البرلمان ووسائل الإعلام في تونس بروز مؤشرات تصعيد ضد رئيس الحكومة المكلف وقيادة «النهضة» من قبل اليسار النقابي وقيادة الجبهة اليسارية، بزعامة حمه الهمامي وزياد الأخضر، بهدف احتواء هزيمتها الانتخابية. وأقر البرلماني المنجي الرحوي بأن من بين أولويات أنصاره «إسقاط حكومة المحافظين و(السلفيين) المدعومة من حركة النهضة وحلفائها». كذلك أورد سالم الأبيض، القيادي في حزب الشعب العروبي الوزير السابق للتربية، أن حزبه وحلفاءه في البرلمان لن يصوتوا لحكومة الجملي. ودعم هذا الموقف زهير المغزاوي، الأمين العام للتيار القومي الناصري.

تحذير رسمي
أيضاً نشرت اللجنة المركزية لحزب العمال الشيوعي، الذي يتزعمه منذ 30 سنة حمه الهمامي، بلاغاً مطولاً بعد اجتماع عقدته أخيراً، وأعلنت فيه معارضتها لسيناريو تشكيل حكومة من قبل قيادي في الصف الثاني من «النهضة». وشكك القياديون في الحزب باستقلالية المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة، واعتبروا أنه تابع لـ«النهضة»، واتهموه بالتحالف مع «الرأسمالية المتوحشة»، ومع قوى «محافظة وفاشية، وأخرى مرتبطة بلوبيات الفساد والتهريب والتهرّب الجبائي هيمنت على البرلمان الجديد»، في إشارة إلى حزب «قلب تونس» وبعض زعمائه، وبينهم أمينه العام المرشح السابق للرئاسة نبيل القروي.
وراهناً، يقدر المختصون التونسيون في العلوم الاجتماعية والسياسية أن نقطة قوة قيادات «اليسار الراديكالي» في تونس هي حضورها القوي في مؤسسات الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة وقطاع الإعلام، ولذا فإن تأثيرها قوي جداً، رغم هزيمتها في الانتخابات الماضية.

تحذير من احتجاجات اجتماعية
مع هذا، كانت مواقف ما يوصف بـ«اليسار الراديكالي»، بزعامة قيادات حزب العمال الشيوعي والجبهة الشعبية، عرضة للنقد من قبل عشرات من النشطاء الشباب والحقوقيين اليساريين خلال ندوات حوارية تقييمية لفشل الانتخابات نظمت في تونس. وذهب الزعيم النقابي الجنيدي عبد الجواد، الأمين العام السابق لحزب المسار الشيوعي، إلى أن «الانتخابات أفرزت هزيمة الأحزاب اليسارية»، لكنها أدت كذلك إلى فوز يساريين مستقلين وسياسيين يتبنون أنصار الخيار الاشتراكي الاجتماعي.
وينظر إلى بلقاسم حسن القيادي السابق في الحزب الشيوعي وفي التيار القومي، ومحمد القوماني القيادي السابق في الحزب الديمقراطي التقدمي، على أنهما مثالان للشخصيات اليسارية والعلمانية المعتدلة التي ترشحت على رأس قائمات تابعة لـ«النهضة» أو قوائم مستقلة، وفازت بعضوية البرلمان أو المجالس البلدية. وفي كل الحالات، فإن مؤشرات كثيرة ترجح انفجار اضطرابات اجتماعية ضد الطبقة الحاكمة الحالية، حسب القيادي في حركة الشعب القومية اليسارية فتحي بالحاج، والبرلمانية الحقوقية ليلى حداد.
أما البرلماني اليساري المنجي الرحوي، فيرى أن «كل المؤشرات»، بما فيها التحالفات البرلمانية الهشة، وتوجهات الميزانية الجديدة، وصعود سياسيين تقليديين ومحافظين بلا برنامج واضح «تدل على أن الأزمة ستستفحل، وأن أوضاع الطبقات والفئات الكادحة والشعبية ستزداد سوءاً بسبب الاحتكام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي لا تخدم سوى مصالح أقليات محلية مرتبطة بالقوى الاستعمارية والأجنبية وصندوق النقد الدولي».

دعوات لإسقاط الحكومة قبل تشكيلها
ومن بين ما يؤجل تشكيل الحكومة الجديدة، والبروز السريع لائتلاف سياسي حزبي جديد، دعوة قياديين من اليسار الراديكالي، داخل النقابات العمالية، إلى تحركات اجتماعية وإضرابات خلال الأشهر المقبلة «تحسباً لتراجع الحكومة الجديدة عن الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة الحالية مع المركزية النقابية، وتضمنت زيادات في الرواتب والمنح تطبق مطلع 2020».
وكانت حصيلة انطلاق المزايدات مبكراً تخصيص وسائل الإعلام لمساحات تدعو إلى الإطاحة بالحكومة الائتلافية قبل تشكيلها، مع المراهنة على هشاشتها، بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي سترثها، وتراكم ديون الدولة، وتناقص مواردها، بما سيؤدي إلى مزيد من الضرائب، وإلى ترفيع جديد في الأسعار والإتاوات.
ودعا الحزب العمالي الشيوعي، بزعامة الهمامي، رسمياً في بلاغ رسمي جديد إلى تفجير الاحتجاجات النقابية والاضطرابات والاعتصامات الشبابية والشعبية و«المساهمة النشيطة في استنهاض الحركة الاجتماعية والشعبية، والانخراط في نضالاتها وتحركاتها... ورد الاعتبار لموقع الحزب واليسار الثوري والتقدمي عامة».

نقابات رجال الأعمال
بالمقابل، بين المفارقات أن تحذيرات نقابات العمال واليسار الموجهة لرئيس الحكومة وحلفائه في البرلمان وفي قيادات الأحزاب تلتقي جزئياً مع تحذيرات صدرت عن رئيس نقابة رجال الأعمال سمير ماجول بسبب مشروع قانون المالية لسنة، الذي وصفته نقابة الصناعيين والتجار بكونه «غير مشجع على الاستثمار». واعتبرت نقابة رجال الأعمال أن نجاح الحكومة الجديدة رهين بتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير حلول للمشكلات التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعمومية، بدءاً من استرجاع ديونها لدى الدولة.
وطالب ماجول الدولة بإحداث خط تمويل يساعد المؤسسات التي تعاني من صعوبات، وإلغاء الأداء على القيمة المضافة بالنسبة للتجهيزات والمعدات المستوردة، لتخفيف العبء على المستثمر، علاوة على تحسين القدرة الشرائية في قطاع المواد الكهرومنزلية، بتشجيع التجار في هذا القطاع على التخفيض في الأسعار.

هزيمة اليسار... نهاية جيل؟
يذكر أن جمعية «نشاز»، التي تضم نشطاء شبان وباحثين أكاديميين يساريين وسجناء سياسيين سابقين، نظمت أخيراً منتدى حوارياً تحت عنوان «اليسار بعد الهزيمة... نهاية جيل؟»، في إشارة واضحة إلى أن انتخابات 2019 كانت بمثابة لحظة الحقيقة، والدليل القاطع على «عجز جيل بأكمله من النشطاء اليساريين عن تمثيل اليسار». وكان قد شارك في النقاش الحواري شباب يمثلون الجيل الجديد من اليسار، من بينهم أستاذة اللغات سمر التليلي، والباحث الجامعي الناشط في المجتمع المدني مالك الصغيري، والباحث في علم الاجتماع السياسي محمد سليم بن يوسف.
وكان لافتاً أن ممثلي «الجيل الجديد من النشطاء اليساريين» فسر ضعف تأثير اليسار في تشكيل الحكومة الجديدة، مقارنة بـ2014، بما وصفوه بـ«غلطات اليسار القديم»، وابتعادهم عن الواقع وعن المطالب الاجتماعية والاقتصادية الملحة للشباب والمهمشين. كما انتقدوا «زعامات اليسار القديم» بسبب ما اعتبروه «تقصيراً في دعم حركات الاحتجاجات الشبابية والشعبية في الأعوام الماضية، مقابل الانخراط في المعارك الآيديولوجية والسياسية الثانوية».
وتساءلت التليلي عما إذا كانت التنظيمات اليسارية اليوم بشكلها القديم قادرة على استقطاب الطاقات الشبابية، موضحة أن اليسار الجديد «يسار تجاوزي نقدي»، يحاول أن يخلق البدائل والحلول للتخلص من أسباب الأزمة التي خلفها يسار الجيل القديم، وأضافت: «إننا لا نستطيع فعلاً اعتماد هزيمة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة للجبهة الشعبية للإعلان عن نهاية جيل كامل من اليسار، أو كمقياس لتقييم اليسار». ومن جانبه، اعتبر محمد سليم بن يوسف أن الخسارة الأخيرة لقوى اليسار في الانتخابات «خلقت مناخاً من الهلع»، مشدداً على أن خسارته «يجب أن تكون محفزاً لاستيعاب الدرس، ومنطلقاً للتقييم».

اليسار الفكري لا يموت!
لكن عدداً من النشطاء الشباب والأكاديميين في تونس يعتبرون أن اليسار كفكر «لا يمكن أن يموت»، وأن النجاح في الانتخابات ليس شرطاً لوجوده. وسجلوا أن «أفكار اليسار منتشرة في الجامعات والنقابات والمجتمع المدني لأن الاشتراكية والقومية واليسار ليست مجرد مرجعية فكرية سياسية لبعض الأحزاب التي فشلت في انتخابات 2019، بل تياراً وطنياً اجتماعياً واسعاً».
وفي السياق نفسه، ذكر الباحث مالك الصغيري أن اليسار عاش كثيراً من الإضرابات النضالية، وتصدى لأساليب النظام بجرأة جعلته موضوع استقطاب دمره «أمراء الحرب»، الذين دمروا أيضاً نقابات الطلبة منذ سنين بالطريقة ذاتها، رغم دورها في تفجير الحركة الشبابية وانتفاضة سيدي بوزيد والجهات المهمشة.
ومن جهة ثانية، يرجح بعض المراقبين للشأن السياسي استحالة عودة الأحزاب اليسارية بمختلف أنواعها، لكنهم يتوقعون بروز جيل جديد من الحراك الشبابي اليساري في الجامعات والمدن والأحياء السكنية المهمشة والأوساط الشعبية. ويشدد هذا الجيل الجديد من اليساريين على أن اليسار موجود كفكر في الساحات ومنظمات المجتمع المدني، ولا يمكن أن يندثر، لكنه سيتجدد كي يتكيف مع الواقع. وحقاً، فإن الأحزاب اليسارية تنكب حالياً على القيام بمراجعات وتقييمات تعيد تمركزها من جديد في الحياة السياسية.
كذلك تشدد قيادات اليسار على ضرورة التفكير في تطوير أساليب العمل والمشاريع، والبحث عن الأدوات الحقيقية لمواصلة المسار السياسي، مع ضرورة فتح باب الحوار والنقاش بين كل الأطراف السياسية لبناء رؤية جديدة تبنى في ضوئها التحالفات المقبلة، مثلما ورد في مقترحات عدد من المثقفين والنقابيين اليساريين المعتدلين. وكان أحد هؤلاء، الزعيم النقابي اليساري بوجمعة الرميلي، قد أطلق مبادرة لتجميع مئات اليساريين والنقابيين والحقوقيين يوم 20 مارس (آذار) المقبل، في ذكرى استقلال تونس عن فرنسا عام 1956، بهدف بلورة مشروع تأسيس قطب سياسي يساري جديد ينافس الحكومة التي ستتزعمها «حركة النهضة». لكن من بين التحديات التي تفرض نفسها على دعاة مثل هذه المبادرات في تونس منذ عقود الخلافات حول الزعامة.

المنصف المرزوقي خارج حلبة السياسة
> برز الدكتور المنصف المرزوقي الحقوقي الناشط السياسي النقابي القومي اليساري المعتدل في الجامعة التونسية، ثم في الأوساط الحقوقية والمجتمعية، وبكتاباته بصفته مثقفاً انخرط فيما وصفه بـ«اليسار الاجتماعي». وعارض المرزوقي دوماً من كان يصفهم بنشطاء «اليسار الآيديولوجي»، بمن فيهم ثلة من أبرز أصدقائه الماركسيين والشيوعيين، مثل حمة الهمامي زعيم الحزب العمالي الشيوعي.
أيضاً اختلف المرزوقي طوال مسيرته السياسية، فكرياً وسياسياً، مع قيادات حركة الاتجاه الإسلامي التي تطورت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي إلى «حركة النهضة»، لكنه تحالف معها سياسياً، وانتقد بقوة قمعها مطلع التسعينات من القرن الماضي، بما تسبب في مضايقات بالجملة له، وفي سجنه في 1994، ثم في هجرته إلى أوروبا.
ثم دخل المرزوقي وأنصاره في حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، الذي أسسه عام 2001 في منفاه بفرنسا، في تحالف ثلاثي حكم تونس بين 2011 و2014، بالاشتراك مع قيادة حزب «النهضة» وقيادات حزب «التكتل من أجل الديمقراطية» بزعامة الحقوقي اليساري العلماني المعتدل مصطفى بن جعفر. وتسبب له هذا التحالف في انتقادات بالجملة من قبل أصدقائه وأنصاره اليساريين والقوميين.
وفاز المرزوقي بـ45 في المائة من الأصوات في انتخابات 2014، فيما فاز منافسه الليبرالي الباجي قائد السبسي بـ55 في المائة. وحصل على تلك الأصوات لأن «حركة النهضة» لم تقدم مرشحاً في تلك الانتخابات. وأعاد المرزوقي الكرة في انتخابات 2019، لكنه فشل فشلاً ذريعاً بسبب كثرة المرشحين اليساريين والقوميين والحقوقيين والإسلاميين.
وأخيراً، دعم في الدور الثاني من انتخابات الرئاسة الأخيرة المرشح قيس سعيّد ضد منافسه نبيل القروي، ثم أعلن في رسالة إلى الشعب الانسحاب من الحياة السياسية، تعبيراً عن خيبة أمله من نتائج الانتخابات، ومن تشرذم الحقوقيين والديمقراطيين الذين كانوا متحدين قبل ثورة 2011.

الاتحاد العام للشغل... أقوى مجموعة سياسية في تونس
> اختار اليسار التونسي بكل مكوناته منذ 70 سنة التأثير في مجرى الأحداث في تونس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً عبر النقابات العمالية، والانخراط في الاتحاد العام التونسي للشغل. وبدأ تأثير اليسار النقابي مباشرة بعد استقلال تونس عن فرنسا، إذ انحازت القيادة النقابية إلى الرئيس الحبيب بورقيبة في خلافه مع الأمين العام للحزب الدستوري صالح بن يوسف وأنصاره، ثم تبنى الاستراتيجية الاقتصادية التي عرضتها عليه المركزية النقابية.
وطوال عقد الستينات، عين الأمين العام السابق لاتحاد الشغل الاشتراكي أحمد بن صالح عضواً في الحكومة مكلفاً بـ5 حقائب وزارية، من بينها الاقتصاد والمالية والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية. وتمكن اليساريون طوال عقد الستينات من احتلال مواقع كبيرة في الدولة وفي المجتمع بفضل دعم أحمد بن صالح وبورقيبة لهم.
وخلال السبعينات، عندما عيّن بورقيبة صديقه الليبرالي الهادي نويرة رئيساً للوزراء، انخرط اليساريون بكثافة في النقابات، وتزايد دورهم إلى درجة نجاحهم في تنظيم إضراب عام ومواجهات دامية مع قوات الأمن والجيش عام 1978، ثم خلال سنوات الثمانينات.
ورغم دخول زين العابدين بن علي في هدنة مع اتحاد نقابات العمال طوال 23 سنة، ومحاولته تشديد الخناق عليهم، اضطر للتحالف معهم في النقابات ودعم حضورهم فيها لضرب المعارضة الإسلامية والقومية واليسار الراديكالي، لكن الجيل الجديد من النقابيين اليساريين نجح في الارتقاء في المسؤوليات النقابية إبان العقد الأخير من عهد بن علي. وبالتالي، لما اندلعت الاضطرابات التي أدت إلى «ثورة يناير 2011»، كان اتحاد العمال أكبر قوة سياسية اجتماعية تبنت مطالب المهمشين والعاطلين، وأثرت في التوجه السياسي للحكومات المتعاقبة.
وبعدما ضعفت الدولة المركزية، استغلت النقابات الفرصة لتعزيز مواقع اليسار الراديكالي الاشتراكي والقومي فيها، لتصبح أهم قوة سياسية اجتماعية حرص كل الرؤساء والمسؤولين في الدولة على كسب ودها، وعدم الدخول معها في مواجهات. وكثرت الإضرابات التي نظمت في تونس إبان عهده بين 2011 و2014، واعتبر المنصف المرزوقي أن حكومة «الترويكا» اضطرت وقتها للاستقالة لوقف النزيف، ولمحاولة إنقاذ الوضع العام في البلاد.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.