«الكوميكس».. هل يصبح شغف الكبار بعد أن فتن الأطفال؟

«الفن التاسع».. ازدهر بعد الثورات العربية

من أعمال لينا مرهج  -  من أعمال مازن كرباج
من أعمال لينا مرهج - من أعمال مازن كرباج
TT

«الكوميكس».. هل يصبح شغف الكبار بعد أن فتن الأطفال؟

من أعمال لينا مرهج  -  من أعمال مازن كرباج
من أعمال لينا مرهج - من أعمال مازن كرباج

فن صاعد في المنطقة العربية، لا بل في العالم أجمع، كان يتوجه للأطفال، في القرن الماضي، فإذ به في القرن الحادي والعشرين يصبح شغف الكبار، وإلهام الفنانين، الذين أطلقوا مجلاتهم ومواقعهم الإلكترونية، وكتبهم وورش عملهم.
فن «الكوميكس» أو ما يطلق عليه «القصص المصورة»، بدأ يتحرر من قيوده عربيا، بعد الثورات، لكنه في لبنان، وبسبب الانفتاح الثقافي، وصل باكرا قليلا. فقد أطلقت مجموعة من الشباب عام 2007 مشروع «السمندل»، بموقعه الإلكتروني، وكذلك المجلة التي أخذت تصدر عدة مرات في السنة، يروي فيها فنانون لبنانيون وعرب وغربيون، قصصا مصورة، بإحدى اللغات الثلاث؛ العربية والفرنسية والإنجليزية. وقتها، كانت المبادرات لا تزال فردية ومتفرقة، بينما كانت الجزائر تستعد لإطلاق مهرجانها السنوي للقصة المصورة، الذي وصل اليوم إلى دورته السابعة ويشهد نشاطا دوليا مهما، ويستقطب الفنانين من العالم، كما أن دورته الأخيرة كانت بمثابة مناسبة لرصد آخر مبتكرات فن الكوميكس في المنطقة العربية.
بعض الدول العربية كانت سباقة، يقول حاتم إمام، الآتي من فن التصميم، وأحد المؤسسين الأربعة لمجلة «السمندل» في بيروت، ويشرح: «حين أصدرنا المجلة عام 2007، كانت كل المبادرات لا تزال فردية، وثمة محاولات سبقتنا وتوقفت. بعد (السمندل)، أصدرت مجموعة من الشباب في مصر مجلة (توك توك) تعرفنا إليهم وتعاونا معهم، وبرزت المزيد من المحاولات لإصدار مجلات في لبنان منها (طش فش)، والملاحظ أن الكتب والمجلات المصورة التي تتوجه للكبار في المنطقة العربية في تزايد».
بعض الرسامين لا يزالون يتذكرون جاد خوري، الذي كانت له محاولات في سبعينات القرن الماضي، وهناك آخرون أيضا، لكن التجارب بقيت غير ناضجة. الرسامة نجاح طاهر ترى أن «جاد خوري لم يصل في أعماله إلى ما يمكن أن يسمى قصصا مصورة بمعناها الحديث اليوم».
هنري ماثيوس، الأستاذ في الجامعة الأميركية ببيروت، حاول أن يرصد هذا الفن منذ بداياته في لبنان والعالم العربي من خلال كتابه «موسوعة منشورات الشريط المصور (كوميكس) اللبنانية»، وعرض تلك المجلات الأولى التي كانت تتوجه للصغار، منها المعرب مثل «سوبرمان» و«الوطواط»، وذات الإبداع المحلي مثل مجلتي «سامر» و«أحمد»، أو جمعت بين المحلي والمعرب مثل مجلة «بساط الريح». ويرى أن هذا الفن لم يعنَ أحد بتوثيقه وتتبع مساره وتاريخه. لكن الحقيقة أن بدء هذا الفن مع الصغار، جعل البعض يظن لغاية اليوم أن «الكوميكس» هو للأطفال دائما. ويقول مؤلفو القصص المصورة، إن كتبهم غالبا ما يظن أصحاب المكتبات أنها يجب أن توضع في قسم الصغار، وثمة قراء عرب لم يستوعبوا لغاية اللحظة أن هذه القصص تخاطبهم، وبمقدورهم أن يشتروها ويستمتعوا بها.
مايا زنكول التي أصدرت كتابين مصورين لغاية اليوم، ترى نفسها كاتبة بالدرجة الأولى تستعين بالرسم لإيصال فكرتها. وتقول إنها عانت كثيرا كي تجد ناشرا، لكنها بعد صدور الكتاب الأول اكتشفت أن القراء أكثر عددا مما كانت تتوقع، واضطرت إلى عمل طبعة جديدة. أما كتابها الثاني، فقد أصبح بعد صدوره من بين الكتب الأكثر مبيعا في محلات «فيرجن» ببيروت. مايا تنتظر صعودا متواصلا لنجم القصص المصورة في المنطقة العربية، «لأن الناس باتت تقرأ أقل، ومن ثم هناك تفضيل للصورة مع جمل قصيرة، بحيث يصبح الكتاب أكثر جاذبية. لا شك في أن كثيرين يفضلون جملا مكتنزة وسريعة على قراءة 3 صفحات مثلا»
يتبادر للبعض أن الأب الشرعي للقصص المصورة هو فن الكاريكاتير، لكن هذا ليس صحيحا تماما، إذ إن البعض يعيده إلى الكتابات الجدارية المقترنة بالرسوم منذ أيام الفراعنة والرومان، ليثبت أن هذه النزعة قديمة عند الإنسان، وأنها تطورت بفضل الطباعة وانتشار الكتب، لكنها لم تأخذ شكلها الفني الحديث إلا مع قصص الأطفال في أميركا وأوروبا، بدءا من ثلاثينات القرن الماضي. لكن النظرة إلى هذا الفن بقيت دونية، وقراءته لم تشجع بصفته مصدر معرفة وثقافة للأطفال، وإنما مجرد تسال لتقطع الوقت، رغم أن أبطاله تحولوا إلى شخصيات سينمائية مثل سوبرمان.
لكن، في السنوات العشر الأخيرة، وبفضل تشعب الفنون، وتطور مجالي التصميم والغرافيك، ودخول الرسم بشكل متزايد إلى متن الحياة اليومية، تعززت مكانة «الكوميكس». وهناك أسباب أخرى - يقول حاتم أمام - منها سهولة «الكوميكس وضآلة تكاليفه. فهذا فن يسمح بالتعبير بيسر ومن دون تكاليف باهظة. نحن في (السمندل) استطعنا أن نبدأ بتمويل صغير، وهذا كان كافيا لنا». التكنولوجيا كان لها دور كبير أيضا في انتشار الكوميكس، فغالبية الفنانين يضعون قصصهم ورسومهم على الشبكة العنكبوتية، ولهم صفحات وقراء. «إنه فن قائم على الربط بين الكلمة والرسم - يشرح إمام - ومن هنا تتأتى قوته، ومن ثم فهو يحتاج للكلمة البليغة والرسم المعبر».
مايا زنكول، لا تحب أن تطلق على العاملين في مجال الكوميكس، صفة فنانين بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، وتقول إن بعضهم آتى من مجالات فنية، والبعض الآخر ليس كذلك. «الغالبية تريد أن توصل رسالتها، أن تقول كلمتها. ليس المقصود هنا رسم عمل فني يدوم ويبقى، ويعلق على حائط أو يجري تأمله أو اقتناؤه، ما يراد هو نقل الفكرة بوسائل جذابة. لذلك، فإن بعض العاملين في هذا المجال متخصصون في الكومبيوتر، أو الإعلانات». وتتابع زنكول: «الكوميكس، بالنسبة لي وسيلة وليس غاية، وقد بات جزءا من الحياة وليس مجرد قصص في كتاب أو مجلة. لذلك، فإن العاملين في مجال الكوميكس، قد يرسمون لدور نشر، أو لمواقع بالإنترنت أو يعملون في الإعلانات، والبعض يستعان بهم من قبل (الهيئات المدنية) للمساعدة في حملات إنسانية مثلا، أو لإقامة ورش عمل». وتضيف: «أنا من ناحيتي، لست فنانة، أنا أكتب وأفضل أن أقرن ما أكتبه برسوم، تجعل فكرتي أسلسل وأقرب إلى نفس القارئ».
فن الكوميكس متسع ومتشعب ومتعدد الأغراض والأهداف؛ فبالإمكان استخدام الكوميكس في موضوع فلسفي، أو لغرض سياسي، وربما لحملة أخلاقية أو انتخابية، أو لمجرد الترفيه، وربما من أجل الكلام على البيئة، أو الدفاع عن قضية فلسطين، وهو ما حدث تكرارا. ويبدو أن غالبية قراء الكوميكس في لبنان هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة، وهؤلاء يتزايد عددهم، مما يشي بأن الكوميكس سيكون رائجا أكثر فأكثر، بعد أن أصبح جزءا من يومياتنا، سواء اشترينا كتابا من القصص المصورة أو تسلل إلى حياتنا عبر هواتفنا، وربما من إعلانات تلفزيونية أو على مواقع إخبارية.
لا يريد حاتم إمام الربط بين الثورات العربية وصعود نجم الكوميكس في المنطقة العربية، رغم أن ثمة ميلا كبيرا إلى ذلك، ويشرح: «صحيح أن التغيير السياسي وأجواء الحرية يؤثران في النتاج الثقافي، لكن الكوميكس بصفته وسيلة تعبير هو منبر وأداة، تصلح لكل الأزمنة والظروف».
3 مدارس رئيسة للكوميكس؛ وهي الأميركية والأوروبية (فرانكو - بلجيكية)، واليابانية (المانجا)، حتى هذه المدارس طرأت عليها تحولات في السنوات الأخيرة. تأخر العرب في اللحاق بفن الكوميكس للكبار، لكنه لم يدخل مجال الأدب في أميركا مثلا إلا منذ ما يقارب الـ10 سنوات، بحسب حاتم إمام. ويتابع: «نحن أخذنا وقتنا ولا نزال نعاني سوء تقدير هذا الفن من ناحية، وعدم تصديق أنه يتوجه لمن هم فوق الـ18 وهذه نحدده على مجلتنا (السمندل)، لكننا نعود ونجدها مع كتب الأطفال».
«القصص المصورة» أو ما يعرف بالفن التاسع، بدأ في المنطقة العربية مع «سوبرمان» و«الوطواط» و«لولو وطبوش» و«ماجد»، وبرزت في حينها أسماء لفنانين مثل مازن ومعلوف في مصر، لكن القفزات السريعة التي حدثت في السنوات الأخيرة، دفعت إلى الواجهة بعشرات الأسماء بينها ما بات شهيرا، وثمة من يراهن على أن المستقبل للفن التاسع سيكون كبيرا. هناك نقطة مهمة أيضا وهي أن عددا لا يستهان به من فناني الكوميكس العرب يكتبون بالفرنسية والإنجليزية بدل العربية، وهو ما يطرح السؤال حول جدوى أن يخاطب فن على هذا القدر من التماس مع الحياة اليومية، جمهوره بلغة غير لغته الأم.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.