بريطانيا تخسر معركتها في مواجهة التشدد رغم كل ما تبذله

لندن تتبنى برنامجا لتشجيع صورة معتدلة من الإسلام ومنع التشدد.. وتتخلى عن مساعيها لإنهاء وجود المتطرفين على أراضيها

بريطانيا تخسر معركتها في مواجهة التشدد رغم كل ما تبذله
TT

بريطانيا تخسر معركتها في مواجهة التشدد رغم كل ما تبذله

بريطانيا تخسر معركتها في مواجهة التشدد رغم كل ما تبذله

تنتاب ميزان الرحمن نوبة من الضحك عندما يستعيد ذكرياته عن برنامج مكافحة التشدد الديني الذي اضطر لحضور دوراته عام 2008 بعد الإفراج عنه من سجن بريطاني قضى فيه حكما بالسجن عامين بتهمة التحريض على العنف ضد القوات البريطانية والأميركية.
وقال ميزان الرحمن: «كنت أذهب وأوقع باسمي وألعب البلياردو مع بعض المتشددين الذين كنت معهم في السجن ثم أعود إلى البيت».
واعتقل ميزان الرحمن مرة أخرى الشهر الماضي للاشتباه في ارتكابه مخالفات تنضوي تحت قوانين مكافحة الإرهاب. وهو ينفي ارتكاب أي مخالفات ولم توجه له أي تهمة.
ويستنكر ميزان الرحمن (31 عاما) الدورة التي شارك في جلساتها كل أسبوعين على مدى 6 أشهر ويصفها بأنها مجرد أداة لا نفع فيها. ويشاركه الرأي كثيرون من الساسة البريطانيين.
وعلى مدى أكثر من 10 سنوات، حاولت بريطانيا الحيلولة دون انجذاب الشباب المسلمين. وتسلط مقابلات مع عدة أشخاص على دراية مباشرة بهذه المساعي البريطانية، الضوء على بعض الأخطاء؛ ومنها سوء تخصيص الأموال، وضعف سبل التواصل، وصعوبات في تحديد الأشخاص الذين يرجح أن يلجأوا أكثر من غيرهم للعنف.
ولأن بريطانيا كانت في صدارة الدول الغربية من حيث الجهود المبذولة للحيلولة دون اتجاه مواطنيها للتشدد الديني، فقد يكون لديها بعض الدروس المستفادة للآخرين.
فبعد صدمة هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 نهجت بريطانيا نهجا ذا محورين لمعالجة التشدد الديني؛ الأول هو التشدد مع «دعاة الكراهية» الذين يغذون مشاعر التطرف. والثاني هو مساعدة زعماء الطائفة المسلمة على التصدي للتطرف بين مسلمي بريطانيا البالغ عددهم 2.7 مليون نسمة. غير أنه في عام 2010 أعلنت الحكومة المحافظة الجديدة فشل الجزء الثاني من البرنامج المعروف باسم «امنع».
وقالت الحكومة إن أموالا كانت تخصص لجماعات كانت في بعض الأحيان متعاطفة مع الرسائل المتطرفة التي كان من المفترض أن تتصدى لها، بينما لم تكن هناك أي فعالية لبعض الجماعات الأخرى، ولم ينجز قسم آخر من الجماعات ما يوازي ما أنفق عليه من مال.
من ناحية أخرى رأى كثير من المسلمين أن البرنامج مجرد محاولة للتجسس بقيادة الشرطة.
وتحول الاهتمام إلى تشديد قبضة السلطات من خلال التهديد بسحب جوازات سفر الجهاديين البريطانيين ومنع الوعاظ المتشددين من إلقاء الخطب في اجتماعات عامة أو من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وقال جيمس براندون الرئيس السابق لقسم الأبحاث في «مؤسسة كويليام لمناهضة التطرف» إنه بتبني بريطانيا «أبرز برنامج محلي تعتمده دولة غربية لتشجيع صورة معتدلة من الإسلام ومنع التشدد، فإنها تخلت فعليا عن محاولة الحيلولة دون وجود الأصوليين».
ويتمثل جزء من الصعوبات في تحديد الأشخاص الذين قد يتجهون لشن هجمات في بريطانيا أو للقتال في العراق وسوريا.
وتضع دراسة أعدها الباحثون بجامعة كوين ماري قائمة بالمجموعات الاجتماعية الأكثر عرضة للتطرف، وتشمل من يعانون من الاكتئاب، والانعزاليين؛ بل ومن عاشت أسرهم في بريطانيا لعدة أجيال وتحيا ميسورة الحال. وتتفق نتائج هذه الدراسة مع دراسات أخرى.
ولا يبدو أن العقيدة الدينية تمثل عاملا رئيسا؛ فكثير ممن يسعون للقتال في سوريا والعراق لهم معرفة ضعيفة بالإسلام، وما يحركهم هي صور شاهدوها على الإنترنت أو تغريهم فكرة المغامرة. وقال جهان محمود من مدينة برمنغهام في وسط البلاد: «فكرة أن العقيدة تحفز الشبان غير صحيحة في واقع الأمر». ولديه من الأسباب ما يؤكد أنه على دراية بالأمر لأن المنطقة التي ينتمي إليها بها واحد من أعلى معدلات الإدانة بجرائم الإرهاب في بريطانيا. والتوصل إلى وسيلة للوصول لهؤلاء المعرضين للخطر أمر صعب. فبعض الجماعات المعتدلة ليس لها أي بريق يجذب الشباب، ولدى جماعات أخرى أجهزة دعاية ممتازة لكن ليست لها مصداقية.
وقال سليمان صامويل، الموجه لدى برنامج «قناة» الحكومي المستمر لمكافحة التشدد، إن السلطات عليها أن تصل للمسلمين المعرضين للتشدد قبل أن يستسلموا لرسالة المتشددين. ويعمل صامويل مع الشباب منذ أكثر من 20 عاما.
ويهدف برنامج «قناة»، وهو الجزء الباقي من برنامج «امنع»، إلى تحديد المعرضين للتشدد، ثم يعمل بالتعاون مع الشرطة والمجالس وخدمات الصحة والتعليم والسجون لتوجيههم بما يبعدهم عن التطرف. وفي عام 2012 جرى توسيع نطاق البرنامج ليشمل البلاد كلها. وحتى نهاية مارس (آذار) الماضي بلغ عدد من جرى إشراكهم في البرنامج 3934 شخصا. ويتولى صامويل توجيه 5 شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما في جلسات أسبوعية تستمر كل منها لساعتين. وقد وقع عليهم الاختيار للمشاركة في البرنامج بسبب ما فعلوه في المدرسة أو أنشطتهم على الإنترنت أو لأن أشخاصا آخرين لاحظوا تغييرا على سلوكهم. وقال صامويل: برنامج (قناة) يتمثل في وقف تدفق الأكسجين وأن نسبق المنحنى. وهو يحقق نجاحا من واقع خبرتي المباشرة مع الشباب الذين أتعامل معهم». وساق مثالا على ذلك بشاب آلمته معاناة النساء المسلمات والأطفال المسلمين وأراد أن يسافر إلى سوريا، وربما انتهت به الحال إلى القتال في صفوف جماعة متشددة مثل تنظيم داعش الذي نفذ عمليات إعدام بقطع الرأس والصلب والقتل الجماعي في شمال سوريا والعراق. وأضاف: «دون تدخل برنامج (قناة).. ما خياراته بما لديه من أفكار ومشاعر جياشة».
وقال صامويل إنه أقنعه بأن مساندة الجماعات المتشددة في سوريا لن تفعل شيئا سوى زيادة المعاناة وبأن يركز جهوده في توجيه الأموال إلى الجمعيات الخيرية الرسمية. وأضاف: «الحجج التي يسوقها من يسعون للسيطرة على عقول الشباب تكون في العادة موجهة عن عمد لمن لا يملكون فهما متعمقا للإسلام». وتابع أن دور الموجه هو بيان عدم صحة هذه الحجج، وأن يوضح للشاب أو الشابة أن هذا فعلا هو ما يقوله الإسلام، أو أن هذا هو السياق الصحيح لتلك الآية. ويشير منتقدو البرنامج إلى أنه مشروع تطوعي وأن الأرقام تشير إلى أن نحو 20 في المائة فقط ممن يحالون إلى البرنامج جرى تقييمهم بأنهم أشخاص عرضة للانجذاب للإرهاب.
كذلك، فإن رصد المعرضين للاتجاه للتشدد ليس عملية واضحة، كما أن أسر بعض البريطانيين الذين حاربوا في سوريا تحدثوا عن إصابتهم بالصدمة لدى علمهم بأن أبناءهم وبناتهم سافروا إلى الأراضي السورية.

حرب دعاية

والإنترنت ساحة القتال الحاسمة في المعركة ضد التشدد، وهي معركة تخسرها السلطات. وتوجد في بريطانيا وحدة مخصصة للتعامل مع المواد المتطرفة على الإنترنت. وقالت تيريزا ماي وزيرة الداخلية البريطانية، في الآونة الأخيرة إن السلطات أزالت أكثر من 30 ألف مادة من المواد الإرهابية منذ بداية العام. لكن غياب أي اتفاق دولي يعني أن الشرطة البريطانية لا يمكنها سوى التعامل مع المحتوى الموجود على مواقع منشأها بريطانيا. وكثيرا ما تعاود المواد التي تجري إزالتها الظهور على مواقع أخرى.
وقال جوليان لويس، عضو لجنة المخابرات والأمن في البرلمان المكلفة الإشراف على عمل أجهزة الأمن البريطانية، إن المطلوب هو حرب دعاية لإضعاف رسالة المتطرفين. وأضاف: «فلتعكس صورة ما يفعلونه وتهزمهم بلعبتهم. ما من سبيل آخر لذلك»، مشبها الأمر بمعركة الغرب ضد الشيوعية خلال الحرب الباردة.
وقال لويس إن الأمر يتطلب تحصين الناس من عقيدة المتطرفين. وشارك لويس العام الماضي في كتابة ورقة لمجموعة العمل المختصة بمتابعة التشدد الديني والتطرف التي شكلها رئيس الوزراء ديفيد كاميرون. وقال: «بكل الوسائل اعتقلوا من يخالف القانون، وبكل الوسائل شددوا القانون وسدوا الثغرات ما دامت لا تتفق مع قيم مجتمعنا.. لكن ما يتعين عليكم أيضا أن تفعلوه هو التأكد من وصول الرسالة على نطاق مماثل لنطاق رسالتهم».
لكن الطوائف الإسلامية تقول إنه لا يمكن إحراز أي تقدم يذكر بشأن التشدد الديني حتى يتصدى الساسة للقضية التي يحاولون تجاهلها؛ وهي السياسة الخارجية لبريطانيا وحلفائها. ويقول المتشددون إن بريطانيا والغرب يساندون الحكام المستبدين في الدول الإسلامية ويغضون الطرف عن القهر إذا كان ذلك يلائم مصالحهم السياسية والاقتصادية.
لكن أمثال ميزان الرحمن لم يروعهم اعتماد بريطانيا على تشديد إجراءاتها للحد من التشدد الديني. ويقول ميزان الرحمن إن مثل هذه التصرفات لن تسكته رغم أنه ممنوع من الحديث مع متشددين آخرين بعد القبض عليه في الآونة الأخيرة. وقال: «فكرة الخلافة عنصر أساسي في الدين الإسلامي منذ 1400 سنة. واستخدام ديفيد كاميرون لنا كبش فداء لن يغير من ذلك شيئا».



اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
TT

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة الاغتيال «لتقويض محادثات السلام» الجارية بين البلدين.

وقالَ محققون روس إنَّ فلاديمير أليكسييف، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، تعرّض لإطلاق نار من «شخص مجهول»، مشيرين إلى أنَّ المشتبه به فرّ من المكان الحادث.

ويخضع أليكسييف لعقوبات غربية لدوره المفترض في هجمات إلكترونية واتّهامات له بتدبيره هجوماً بغاز الأعصاب ضد جاسوس روسي منشق في بريطانيا. كما يعدّ أليكسييف معاوناً لأحد أعضاء الوفد الروسي المفاوض في المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي اختُتمت جولتها الثانية الخميس في أبوظبي.

واتَّهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء «العمل الإرهابي»، متَّهماً كييف بمحاولة «إفشال مسار المفاوضات» الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.


الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

طلب الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، من تطبيق «تيك توك» تغيير تصميمه الذي يشجع على الإدمان، كما قال، وإلا فسيواجه غرامات باهظة، بموجب قواعد المحتوى الرقمي للاتحاد، الأمر الذي أثار رد فعل عنيفاً من المنصة المملوكة لشركة صينية.

وفي استنتاجات أولية لتحقيق بدأ قبل عامين، رأت المفوضية الأوروبية أن «تيك توك» لا يتخذ خطوات فعّالة لمعالجة الآثار السلبية للتطبيق، ولا سيما على القاصرين والبالغين المعرَّضين للخطر.

وقال المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه إن «تصميم (تيك توك) المسبب للإدمان يخالف قانون الخدمات الرقمية»، مُشيراً إلى مخاوف تتعلق بميزات مثل استعراض المحتوى بلا توقّف والتشغيل التلقائي والإشعارات الفورية ونظام التوصيات وفق تفضيلات المستخدم، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف رينييه أن «هذه الميزات تؤدي إلى الاستخدام القهري للتطبيق، خاصةً لأطفالنا، وهذا يُشكّل مخاطر جسيمة على صحتهم النفسية ورفاهيتهم... والإجراءات التي اتخذها (تيك توك) غير كافية على الإطلاق».

ورفضت «تيك توك» خلاصات المفوضية الأوروبية، وعَدَّت أنها «تقدم صورة زائفة تماماً ولا أساس لها من الصحة لمنصتنا»، وفقاً لبيان للمتحدث باسمها.

وأضاف المتحدث: «سنتخذ جميع الخطوات اللازمة للطعن في هذه النتائج بكل الوسائل المتاحة».

وقانون الخدمات الرقمية جزء من مجموعة أدوات قانونية مُعززة اعتمدها الاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة، للحد من تجاوزات شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المسؤولون قد صرّحوا، حتى الآن، بأن «تيك توك» تتعاون مع الجهات التنظيمية الرقمية في الاتحاد.

سيُتاح لـ«تيك توك»، الآن، الاطلاع على نتائج الاتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسها ضد هذه الادعاءات.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا بالاتحاد الأوروبي، للصحافيين: «يتعيّن على (تيك توك) اتخاذ إجراءات، وعليها تغيير تصميم خدمتها في أوروبا لحماية القاصرين وسلامتهم».

واقترحت اللجنة ما يمكن للمنصة تغييره، مثل خاصية استعراض المحتوى بلا توقف، وتطبيق نظام «فترات راحة فعّالة من استخدام الشاشة»، بما في ذلك أثناء الليل، وتطوير نظام تفضيلات المستخدم؛ أي الخوارزميات التي تستخدمها المنصات لتقديم محتوى وفق تفضيلات المستخدمين.

وتحقيق فبراير (شباط) 2024 هو الأول الموجَّه ضد «تيك توك»، بموجب قانون الخدمات الرقمية، وهو قانون قوي لإدارة المحتوى في الاتحاد الأوروبي أثار غضب الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.


لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
TT

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)

اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالعمل على تقويض مسار المفاوضات، ووضع عراقيل أمام جهود التسوية السياسية. وجاء الاتهام بعد مرور ساعات على محاولة اغتيال جنرال روسي. وأثارت العملية التي هزت موسكو صباح الجمعة سجالات جديدة حول إخفاقات أمنية قادت إلى سلسلة واسعة من الهجمات على قادة عسكريين بارزين.

وأطلق مجهول النار صباح الجمعة على الجنرال فلاديمير أليكسييف، النائب الأول لرئيس الأركان الروسي.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 6 فبراير 2026 (رويترز)

ووفقاً لمعطيات أجهزة التحقيق الروسية، فقد تم تنفيذ الهجوم في مدخل البناية التي يقطن فيها المسؤول العسكري من مسدس مزود بكاتم للصوت ولاذ المهاجم بالفرار. ونشرت موسكو مقاطع فيديو وثَّقت الحادثة نُقلت من كاميرات مراقبة في الجوار. وأعلنت الأجهزة الأمنية أنها تدرس المعطيات المتوافرة لديها. وأطلقت عملية لملاحقة المهاجم بعد فتح قضية جنائية.

ويعدّ الجنرال أليكسييف من أبرز القادة العسكريين في وزارة الدفاع، وقد حاز في عام 2017 لقب «بطل روسيا». ولعب كما يبدو أدواراً مهمة من خلال منصبه الحالي في توجيه وإدارة العمليات العسكرية الدائرة في أوكرانيا.

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وأعلن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، أن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى تقارير حول الوضع. وتمنى الكرملين الشفاء لأليكسييف. وبات معلوماً أن بوتين قد يتناول هذا الموضوع خلال اجتماع للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن القومي الروسي دعا إليه في النصف الثاني من يوم الجمعة، رغم أن الاجتماع دوري وليس مرتبطاً مباشرة بالحادثة.

ووجهت موسكو سريعاً أصابع الاتهام إلى الأجهزة الأوكرانية بالوقوف وراء الحادثة، خصوصاً أنها تشكل استمراراً لسجل حافل من عمليات الاغتيالات التي استهدفت قادة عسكريين خلال العامين الماضيين.

وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف إن محاولة اغتيال المسؤول العسكري «تظهر رغبة أوكرانيا في تقويض جهود السلام». وزاد في مؤتمر صحافي أعقب لقاءه مع مسؤولين أوروبيين يزورون موسكو للمرة الأولى منذ سنوات: «لقد أكد هذا الهجوم الإرهابي مرة أخرى تركيز نظام (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي على الاستفزازات المستمرة، التي تهدف بدورها إلى تعطيل عملية التفاوض، وهو مستعد لفعل كل شيء فقط لإقناع رعاته الغربيين والولايات المتحدة في محاولة لإبعادهم عن المسار لتحقيق تسوية عادلة».

رغم ذلك، شكك خبراء روس باحتمال أن يلقي الهجوم الجديد في قلب العاصمة الروسية بظلال مباشرة على جولات التفاوض الجارية حالياً بين موسكو وكييف برعاية أميركية في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وعملية السلام في أوكرانيا. قال الكرملين، الجمعة، إنّ المحادثات كانت «صعبة جداً»، لكن بنّاءة، مؤكداً أنّها ستستمر.

وأعلن كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، الخميس، أن جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستُعقد «في الأسابيع المقبلة»، بعد مفاوضات «بنّاءة» في أبوظبي أسفرت عن تبادل أسرى. وقال عمروف عبر تطبيق «تلغرام»: «اتفقت الوفود على إبلاغ عواصمها ومواصلة المحادثات الثلاثية في الأسابيع المقبلة»، لافتاً إلى أن المفاوضات ركزت خصوصاً على «آليات تنفيذ وقف لإطلاق النار».

جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ)

وفتحت محاولة اغتيال المسؤول العسكري سجالات جديدة حول ما وصف بأنه إخفاقات أمنية متواصلة سهلت للأجهزة الأوكرانية تنفيذ هجمات موجعة داخل العمق الروسي. وبالإضافة إلى العشرات من الهجمات التفجيرية التي استهدفت مطارات ومخازن أسلحة ومستودعات للوقود ومنشآت عسكرية أخرى، فقد وقعت سلسلة اغتيالات صاخبة استهدفت شخصيات عسكرية بارزة، كان أشدها وقعاً على موسكو اغتيال قائد قوات الأسلحة الكيماوية والإشعاعية الجنرال إيغور كيريلوف في نهاية عام 2024، واغتيال الفريق فانيل سارفاروف الذي يشغل منصب رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة أركان القوات المسلحة الروسية قبل نحو شهر.

ورأى معلقون أن وصول الاستخبارات الأوكرانية إلى هؤلاء القادة في العاصمة الروسية يؤشر إلى وجود خلل وتقصير داخل المؤسسة الاستخباراتية الروسية في مجال توفير الأمن القادة المهمين الذين جرت عمليات اغتيالهم خارج إطار العمليات العسكرية الدائرة على جبهات القتال. خصوصاً أن الجزء الأكبر من الهجمات استُخدمت فيه عبوات ناسفة شديدة التدمير؛ ما أضاف أسئلة عن ثغرات أمنية سهَّلت نقل واستخدام مواد متفجرة على الأراضي الروسية وفي مناطق حساسة.

The Ukrainian delegation headed by Rustem Umarov

في موضوع متصل، أكد لافروف، أن القوات الروسية، سوف تواصل استهداف الأهداف العسكرية والأهداف ذات الاستخدام المزدوج داخل الأراضي الأوكرانية، مشدداً على أن بلاده «امتثالاً للقانون الدولي الإنساني، لا تهاجم مواقع مدنية في أوكرانيا وتركز فقط على الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

وجاء حديثه عقب محادثات أجراها مع رئيس مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئيس الإدارة الفيدرالية للشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري، إغنازيو كاسيس، والأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فريدون سينيرلي أوغلو. وزاد: «لقد حذرنا مراراً وتكراراً من أننا نتصرف بحذر ما التزم العدو بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ونحن مستمرون في الالتزام بهذه القواعد، حيث لا نهاجم إلا الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتعدّ هذه من الزيارات النادرة لمسؤولين أوروبيين إلى القيادة الروسية، وقد عكست تزايد اهتمام السياسيين الأوروبيين بفتح قنوات اتصال مع القيادة الروسية. وفي هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام قبل أيام معطيات عن زيارة غير معلنة قام بها ممثل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو. لكن الكرملين والإليزيه تجنبا نفي أو تأكيد تلك المعطيات.

وقال لافروف إن الرئيس الروسي مستعد لتلقي اتصال من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء محادثات «جدية»، لكنه وصف تصريحات الرئيس الفرنسي بشأن معاودة الحوار مع موسكو بأنها «دبلوماسية سيئة جداً». وقال لافروف في مقابلة مع قناة «آر تي» الروسية: «إذا كنت ترغب في التحدث، والتحدث بجدية حول أي موضوع، فاتصل. بوتين سيرد على الهاتف دائماً. إنه يستمع إلى كل المقترحات». وأضاف: «قبل نحو أسبوعين، صرّح ماكرون مجدداً سأتصل ببوتين يوماً ما. هذا ليس جدياً، كما تعلمون، إنها دبلوماسية سيئة جداً».

وفي وقت لاحق، قال دميتري بوليانسكي، نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، إن أوروبا لا تزال تلعب دوراً تخريبياً في مفاوضات أوكرانيا. وأضاف بوليانسكي في منشور على «إكس»: «نحن لا نرى أدنى علامة على التحسن».

ماكرون وبوتين (أ.ف.ب)

في السياق، تحدثت تقارير متقاطعة عن أن شركة «ستارلينك» المملوكة من إيلون ماسك، بدأت هذا الأسبوع بحجب وصول القوات الروسية إلى خدمة الإنترنت عبر أقمارها داخل مسرح العمليات في أوكرانيا، بعد طلب أوكراني يهدف إلى وقف «الاستخدام غير المصرّح به» للمحطات التي وصلت إلى الروس عبر السوق الرمادية والتهريب. ووفق روايات مدونين عسكريين روس موالين للحرب، تسببت القيود بانقطاعات أربكت اتصالات الوحدات على الخطوط الأمامية، وأثّرت أيضاً على تشغيل بعض الطائرات المسيّرة التي كانت تعتمد على الشبكة.

جوهر الخطوة يقوم على نظام يسمى «القائمة البيضاء» داخل أوكرانيا، أي أن الخدمة لا تعمل إلا للمحطات التي جرى تسجيلها والتحقق منها لدى الجهات الأوكرانية؛ ما يعني عملياً أن المحطات غير المسجّلة، ومن ضمنها تلك التي يستخدمها الروس بشكل غير قانوني، تُستبعد من الشبكة.

كما تتحدث مصادر عدة عن إضافة قيدٍ آخر يتمثل في تحديد عمل المحطات عند سرعة تقارب 75 كلم/ساعة؛ بهدف تقليل فرص استخدامها على منصات متحركة أو على مسيّرات بعيدة المدى.

لماذا طلبت كييف ذلك الآن؟

على مدى سنوات، كانت كييف تمتلك وصولاً «رسمياً» إلى «ستارلينك» لتأمين الاتصال في بيئة حرب تتعرض فيها البنى التحتية للاتصالات والكهرباء للقصف. لكن القلق الأوكراني تصاعد، حسب ما نُشر، عندما رصدت أوكرانيا أن الاستخدام الروسي لم يعد محصوراً باتصالات الجنود، بل بدأ يمتد إلى تعزيز قدرات المسيّرات الروسية في التحكّم والاستهداف وجعلها أكثر مقاومة للتشويش، وهو ما عدَّته كييف تهديداً مباشراً لميزتها التكنولوجية في ساحة تتغير بسرعة.

ولهذا؛ أعلن وزير الدفاع الأوكراني الجديد ميخائيلو فيديروف أنه تواصل مع الشركة الشهر الماضي، واحتفى لاحقاً بتفعيل نظام التسجيل والتحقق بوصفه يحقق «نتائج ملموسة»، مع الإقرار بوجود تعطّل مؤقت أصاب بعض المستخدمين الأوكرانيين الذين لم يستكملوا إجراءات التسجيل بعد.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس (أ.ف.ب)

تأثير الحجب

التقدير الدقيق لتأثير هذا الحجب لا يزال صعباً، لكن المؤشرات الأولى جاءت من «الشكاوى الروسية» ذاتها. فقد تحدث مدونون روس موالون للحرب على منصات مثل «تلغرام»، عن فجوات في الاتصال ومشكلات في تنسيق الوحدات على الجبهة، وعدَّ بعضهم أن الجيش سيضطر مؤقتاً إلى العودة إلى بدائل أقل كفاءة مثل الراديو والكوابل الأرضية وجسور «واي فاي».

من جهته، كتب إيلون ماسك على منصته «إكس» في أول فبراير (شباط)، إن الخطوات المتخذة لوقف الاستخدام غير المصرح به «يبدو أنها نجحت»، في إشارة إلى أن الشركة ترى الإجراء جزءاً من ضبط الامتثال وليس دخولاً رسمياً كطرف في الحرب.

بيد أن الخطوة، حتى لو قُدمت كإجراء ضد «الاستخدام غير المصرّح به»، تفتح باباً على مضاعفات، من بينها سباق للتحايل؛ إذ قد يلجأ الروس إلى محاولة إيجاد طرق التفاف تقنية/لوجيستية أو توسيع بدائل أرضية. كما قد تؤدي إلى تصعيد سياسي/تقني، حيث تُلوّح موسكو منذ مدة بالحاجة إلى استقلال الاتصالات العسكرية عن «الغرب». كما يمكن أن يؤثر على المفاوضات في أبوظبي كإحدى ساحات محادثات ومسارات سياسية مرتبطة بالحرب؛ ما يعني أن خطوة تقنية يمكن أن تُقرأ كأداة ضغط ميداني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.