بيوت الأزياء الكبيرة والزبائن أكثر وعياً بأهمية الاستدامة

الأناقة الكلاسيكية تتصدى للموضة السريعة بالحرفية

من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
TT

بيوت الأزياء الكبيرة والزبائن أكثر وعياً بأهمية الاستدامة

من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»

من وقت لآخر، وعند متابعة عروض الأزياء، نتفاجأ بصور تثير الانتباه والإعجاب على حد سواء، لأن المصمم يلتقط فيها روح عصره، أو على الأقل تلك الحالة المزاجية المرتبطة بفترة بعينها. وفي عروض الموسم الحالي، انطبقت هذه الحالة على ما قدمه المصمم هادي سليمان. كان ذلك عرضه الثاني لدار «سيلين» الفرنسية، دار الأزياء التي أسستها سيلين فيبيانا في عام 1945، وفاحت منها رائحة بورجوازية خفيفة تتحدى سنوات الحرب العجاف، وتوالت عليها العقود والمصممون الذين أمدها كل واحد منهم بروح عصره وثقافته، ثم جاء هادي سليمان ليعيد رسم هذه الصورة البورجوازية بلغة عصرية تحمل كثيراً من ألق الدار في حقبة السبعينات.
ما أكسبه رضا وسائل الإعلام التي شنت عليه حملة شنعاء في السابق أنه لم يكتفِ باحترام إرث المؤسسة فحسب، بل زاد عليه عدم تنكره لأسلوب البريطانية فيبي فيلو، المصممة التي تسلم المشعل منها، بعد محاولته أن يمحو أسلوبها تماماً في تشكيلته الأولى. وقتها، قامت الدنيا عليه ولم تقعد، واتهم بأنه تعدى خطاً أحمر، فهي تتمتع بزبونات مخلصات لأسلوبها الذي يجمع الحداثة بالرقي. وفي تشكيلته للخريف والشتاء الحاليين، صحح الوضع، وقدم تصميمات ظهرت فيها لمحات من بصمتها الهندسية المعاصرة، مع رشة روح بورجوازية واضحة، اعتمد فيها على أقمشة مترفة، مثل الـ«كريب دي شين» والكشمير، في سترات مفصلة وأكسسوارات جلدية نالت الرضا والإعجاب معاً، فضلاً عن قمصان تعقد حول العنق أو تنورات بطيات أو معاطف بأحجام كبيرة.
ورغم نجاح محاولته الثانية في دار «سيلين»، لا يمكن القول إن القطع التي ابتكرها هادي سليمان كانت ثورية أو مختلفة عما قدمه غيره من المصممين هذا الموسم. جديده، أو بالأحرى نجاحه، يكمن في قدرته على ضخ روح ديناميكية على هذه القطع، وفي جعلها تلمس وتراً حساساً بداخل زبونات من الجيل الصاعد، راقت له صورتها «البورجوازية» وحنينها إلى الزمن الجميل.
نظرة سريعة إلى باقي عروض أزياء هذا الموسم تؤكد أن هادي سليمان لم يكن الوحيد الذي انتهج هذا الأسلوب، وأن ترجمة أناقة أيام زمان بلغة العصر كان توجهاً عاماً، بل يمكن القول إنه كان منافساً قوياً للأسلوب «السبور» المستقى من ثقافة الشارع الذي اكتسح ساحة الموضة منذ سنوات. صحيح أن هذا الأخير لم يختفِ تماماً، ولن يختفي في المستقبل القريب، إلا أن الاستقبال الحار لمضاده «الكلاسيكي» كان إشارة إلى أن الأذواق لا تختلف فحسب، بل إن التخمة من ثقافة الشارع قد بدأت تصيب البعض.
وهذا ما أكدته فون دير غولتز، مدير شؤون المشتريات العالمية في موقع التسوق الإلكتروني «نيت أ بورتيه»، بقولها إن الحديث عن التصاميم الكلاسيكية بدأ يتعالى منذ موسمين تقريباً، وتجسد في ظهور سترات مفصلة وفساتين رومانسية تناسب كل زمان ومكان. وتُفسر ذلك بأن الرغبة في الاستثمار كانت دافعاً قوياً عزز هذا التوجه، إلى جانب الموضة المستدامة. فبينما تريد المرأة الناضجة أزياء راقية تعبر عنها، وعن مكانتها وسنها، بغض النظر عن أسعارها، تريد الزبونات صغيرات السن هن أيضاً أزياء تعبر عن رغبتهن في موضة مستدامة. وهذا يعني أنهن يتفقن مع أمهاتهن على أن جمال التصاميم المائلة إلى الكلاسيكية، وتُنفذ بحرفية عالية، يكمن في أنها لا تستدعي تغييرها في كل موسم، وهذا يعني أنها هي «الموضة» الحقيقية. كل هذا يجعل فكرة تقنين صناعة الأزياء لضمان المستقبل، ولو من خلال مقاومة الموضة السريعة، تُلح على صناع الموضة ومتابعيها على حد سواء في الوقت الحالي. من هذا المنظور، كان من البديهي أن تنتعش أعمال بعض المصممين المستقلين، مثل المصممة غابرييلا هيرست التي تتبنى مفهوم الاستدامة في كل قطعة تطرحها، وتشهد تصاميمها إقبالاً ملحوظاً، رغم خطوطها البسيطة جداً. ومثلها آخرون جسدوا هذا المفهوم في فساتين وتنورات تغطي الركبة، وتفاصيل مبتكرة تجعل من كل قطعة تحفة قائمة بذاتها، سواء بالتركيز على الأكمام أو الياقات.
الأختان ماري كيت وآشلي أولسن، مؤسستا علامة «ذي رو»، مثلاً قدمتا قطعاً منفصلة تعبر عن هذه الروح العصرية من خلال معاطف طويلة وبنطلونات واسعة ومستقيمة، ودور أزياء كبيرة مثل «بيربري» و«تودز» من خلال ألوان طبيعية وخامات مترفة، بينما أعادت «شانيل» السترات ذات الرقبة المستديرة إلى الواجهة مرة أخرى، وجاكيتات التويد بكل الأطوال. والمعطف الكلاسيكي، بلونه الجملي، عاود الظهور بدوره في عدد لا يحصى من عروض الأزياء، بما في ذلك «جيفنشي»، حيث ضخته مصممة الدار كلير وايت كيلر بجرعة درامية قوية، اعتمدت فيها على حزام يحدد الخصر وأكمام منتفخة. وعلامة «أغنونا» أطلقت على تشكيلتها عنوان «إتيرنال»، أي للأبد، وهي التي تكونت من سترات بصفين من الأزرار من الكشمير، وبألوان هادئة مثل الجملي. أما «شانيل» فقدمت ملابس أكثر فخامة، حيث نجد قطعة تشبه العباءة، لكن قصيرة ومن دون أكمام من الفرو، نسقتها مع بنطلون أسود يتسع بالتدريج من عند الركبة إلى الكاحل، مصنوع من الكشمير أو الصوف، وبلوزة مصنوعة من الصوف بلون الكريم، إلى جانب عدة جاكيتات طويلة وواسعة. ومن جهتها، قدمت علامة «ميو ميو» سترات مشابهة، بعضها من دون أكمام، باللون الأزرق الكحلي من الصوف، نسقتها مع قمصان برقبة عالية وربطات عنق بشكل الفراشة.
ومن بين العناصر الرئيسية في هذا التيار الجديد القمصان البيضاء التي تكمل أي إطلالة مهما كانت أهميتها ومناسبتها. والجديد فيها أن المصممين أولوها أهمية كبيرة، بإدخال تفاصيل خفيفة تحترم كلاسيكيتها، وفي الوقت ذاته مبتكرة حتى تناسب ذائقة جيل صاعد. قدمتها دار «لويس فويتون» مثلاً بياقة بكشاكش، ودار «فندي» من الجلد، بينما قدم المصمم نبيل نايال مجموعة درامية استقاها من التاريخ، بتفاصيل مبتكرة مثل قميص من قطن البوبلين، تتصدره مريلة. وتجدر الإشارة إلى أن نبيل كان قد باع أول قميص أبيض للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد في عام 2015، عندما شارك في مسابقة جائزة «إل في إم إتش»، ووصل إلى النهائيات، ولم يتوقف منذ ذلك الحين على التفنن في هذه القطعة.
ولا يمكن الحديث عن هذا التوجه من دون التطرق إلى أسماء شابة تتبنى الحركة الكلاسيكية المعاصرة، وتعمل بكل قواها على بث الحياة فيها من جديد، مثل: المصمم البريطاني دانييل لي الذي أضاف لمسة مفعمة بالحيوية على دار «بوتيغا فينيتا»، من خلال فساتين أحادية الألوان، بعضها من صوف الموهير مع حزام جلدي مزود بحليات ذهبية وبعضها من الكشمير أو الحرير؛ أو المصممة إميليا ويكستيد التي رسخت أسلوبها هذا منذ عام 2008، ولم تحد عنه في أي فترة من الفترات، فمنذ بدايتها وهي تركز على إبداع تصاميم تستثمر فيها الزبونة. وفي هذا الصدد، تشرح أن مبدأها «كان دوماً التشجيع على شراء قطع يمكن الاحتفاظ بها إلى الأبد، عوض تغييرها في موسم»، وتستدل على هذا ببدلة من «شانيل»، وكيف أنها من الكلاسيكيات التي يمكن ارتداؤها لسنوات، ثم توريثها للحفيدات من دون أن تبدو «دقة قديمة» أو خارج الزمن.
والملاحظ أن أسلوب ويكستيد واضح لا تخطئه العين، بخطوطه الهندسية وأحجامه السخية. فالتنورات دائماً طويلة والألوان غنية، ومع ذلك تُقبل عليها المرأة من كل الأعمار والمقاسات لأنها متوازنة. وتقول المصممة إن الطلب على القطع عالية الجودة غير مقيد بحقبة أو بشريحة بعينها «ففي كل الفترات، هناك زبونات يرغبن في أزياء فريدة من نوعها ومميزة»، بيد أنها لا تُنكر أن تنامي الجدل حول الموضة المستدامة زاد من هذه الرغبة، وجعلها أكثر إلحاحاً على صناع الموضة ككل، وأضافت: «زبائن اليوم يريدون التأكد من أن القطعة تحمل مبادئهم الإنسانية نفسها، وهو ما يحتم على المصمم أن يدرس جودة الخامات والحياكة، ويبحث عن مصدر هذه الأقمشة والحرفيين الذين أشرفوا أو قاموا بنسجها، والطريقة التي يتعامل بها رؤساؤهم معهم، وما شابه من أمور. وبصفتي مصممة، فأنا أرى أن هذا الأمر مهم، لأنه يجبرنا على التوقف والتأني، وإعادة النظر في أشياء من شأنها أن تلحق الضرر بالإنسان وببيئته. لحسن الحظ أن الأسماء التجارية الكبيرة أصبحت تعي أهمية الاستدامة، لكن الأجمل أن هذا الوعي امتد إلى الزبائن أيضاً».
ولا يقتصر هذا الوعي على بيوت الأزياء الكبيرة، والأسماء التي رسخت سُمعتها في الأسواق العالمية، إذ امتدت إلى فئة المصممين الشباب بدرجة تؤكد أنهم أكثر من يقود هذه الحركة. ومن هؤلاء نذكر تومي تون، المدير الفني في دار «ديفو»، الذي استوحى إلهام تصميماته من شخصيات معروفة بأسلوبها الكلاسيكي، مثل كارولين بيسيت كينيدي والممثلة دايان كيتن. ومجموعته للخريف-الشتاء قوبلت بحفاوة كبيرة، ومن بين الاقتراحات التي نالت الإعجاب بلوزة من الكشمير، نسقها مع فستان من الساتان من دون أكمام، وكذلك بنطلون بطية مزدوجة فوقه سترة قصيرة دون أكمام. وأعرب تون عن اعتقاده بأن هذا التحرك نحو الكلاسيكية هو ردة فعل للتقليعات والصرعات الموسمية التي تبين أن لها عدة سلبيات على البيئة.
ومن ناحيتها، شرحت مارغريتا كارديلي، وهي واحدة من مؤسسي علامة «جوليفا هيريتدج كولكشن» الناشئة، أن اهتمامها منذ البداية كان مركزاً على إنتاج قطع قادرة على الاستمرار لفترات طويلة، دون التقيد بحقبة بعينها. وتعتمد الدار التي تأسست قريباً على فنانين إيطاليين ناشئين أيضاً.
وتوضح مارغريتا كارديلي أن الرغبة في إبداع قطع قادرة على الصمود لعصور وأجيال كان من الأولويات منذ البداية. فعندما يحصل الزبون، أياً كان أسلوبه، على أزياء لا تعترف بزمان أو مكان، فإنه يستمتع بها أكثر ولمدة أطول، وهذا بحد ذاته خطوة إيجابية نحو موضة مستدامة.



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة