«الثورة الرابعة» تتسبب في «النوموفوبيا» وتنذر بـ«السيبورغ»

وسائل التواصل ملوثة للبيئة و«جي ميل» أكثرها نظافة

«الثورة الرابعة» تتسبب في «النوموفوبيا» وتنذر بـ«السيبورغ»
TT

«الثورة الرابعة» تتسبب في «النوموفوبيا» وتنذر بـ«السيبورغ»

«الثورة الرابعة» تتسبب في «النوموفوبيا» وتنذر بـ«السيبورغ»

«ماذا تفعل بنا التقنيات؟ وماذا نفعل بها؟» بهذا السؤال يفتتح الدكتور غسان مراد كتابه الجديد «دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي»، الذي يتابع من خلاله أبحاثه حول التأثيرات المختلفة للتكنولوجيا أو ما بات يعرف بـ«الثورة الرابعة» على مختلف المجالات الحياتية، بعد كتابه «المعلوماتية في اللغة والأدب والحضارة». وهو إذ يعدد المجالات التي يتطرق إليها في الكتاب، يحاول أن يأخذنا إلى أحدث الدراسات عارضاً نتائجها وأبعادها، محللاً ومستنتجاً. ورغم تفرع العناوين فإنها في النهاية تضيء مجتمعة على التحولات الكبيرة بعد أن أصبح الجوال رفيقنا، والأيقونات مما لا بد منه، والشبكة الإلكترونية هي الامتداد الطبيعي لأدمغتنا، وأساليب تفكيرنا.
وإذا كانت أميركا هي التي قادت وأدارت الحركة الإلكترونية عبر الإنترنت لغاية الآن، فإن الصين، تبعاً للإشارات القادمة من هناك، هي الجهة التي ستصبح المنتج رقم واحد للأجهزة الذكية بأنواعها. كما أن الهند قد تتصدر صناعة برمجيات الكومبيوتر عالمياً.
وحتى وإن بدا أن الأميركيين هم الأقدم والأقدر على استخدام الشبكة الإلكترونية بمهارة. فإن ذلك قد يكون مراوغاً. إذا أن دراسة أجرتها جامعة ستانفورد على طلاب لمدة عام، أظهرت أن الذين أجريت عليهم الدراسة ينظرون إلى ما يقرأونه على الويب على أنه حقائق، أكثر مما يدققون في صحته. واعتبرت هذه النتيجة كارثية، لا بل وصادمة تحمل تهديداً حقيقياً للديمقراطية في بلد يفترض أنه الأمهر في التعامل مع المستجدات. فكيف يمكن أن تكون الأحوال في بلداننا المشرقية؟ وكيف يقرأ شباننا؟ خاصة أننا أمام إدمان غير مسبوق، وسيل لا يقاوم من الأخبار المضللة التي يختلط فيها الصحيح بالخاطئ. والأدهى كيف يمكن لصغار المستخدمين أن يقاوموا سلطة من يملكون قوة التحكم بالشبكة، ويحموا أنفسهم منهم ومن تلاعبهم.
فأنت محكوم باستخدام الإنترنت وفي الوقت نفسه خاضع لسلطة القادرين على إدارة وتوجيه جزء كبير من المعلومات. وإضافة إلى الاستخدام الواعي، ثمة ما بات يسمى «النوموفوبيا» وهي متأتية من «نو موبايل فون» والإحساس بالفقد الذي يستشعره الإنسان حين لا يكون هاتفه في يده. وهنا يقول صاحب الكتاب إن ثمة فرقا بين الحاجة لاستخدام الجوال، والإدمان على ذلك. ويوجد فرق أيضاً بين الإدمان على وسائل التواصل والإدمان على الألعاب الإلكترونية، فالظاهرة ليست واحدة وكذلك الدوافع والنتائج.
وبالتالي وأمام سيل العناوين التي يبحثها الكتاب من «رقمنة البنوك» إلى «الإعلام» و«الإرهاب»، وكذلك «السمعة الرقمية» و«الذكاء الاصطناعي»، وكيف أن للتكنولوجيا تأثيرها الكبير على عالم «الرياضة»، وتشكيل «صورتنا عن أنفسنا»، تعرف كم أن الموضوع بات باتساع نشاطاتنا الإنسانية. ويكاد كل تفصيل نعيشه يكون مرتبطاً بما يحدث على الشبكة، من مفهوم «المواطنة» الذي يبدأ به الكتاب إلى «التلوث المناخي» الذي ينتهي به. فمنذ عام 2009 تخطت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون جراء الاستخدامات الإلكترونية الكميات التي تنبعث من حركة الطيران العالمية بمجملها. فكل تغريدة، ومشاهدة لفيديو، وأي رسالة تنتقل هي عبارة عن استهلاك، وانبعاثات وتلويث أيضاً، خاصة حين نضيف إليها كمية الأجهزة الإلكترونية التي ترمى، ولا سبيل في غالبية البلدان إلى معالجتها، فإن كمّ التلوث يتصاعد بقوة. وللحد من المخاطر هناك دعوات لاستخدام الأجهزة التي بحوزتنا أطول فترة ممكنة بدل تغييرها بسرعة رغبة في الوصول إلى الأحدث، وإطفائها كلياً كلما كان ممكناً. فالثمن البيئي لكل ثانية بات باهظاً على الصحة والمناخ. فالإسراف في التواصل مكلف على الصحة. ففي كل ثانية يتم تبادل 7447 تغريدة، وتحميل 757 صورة على إنستغرام وحده، وتجرى 2389 مكالمة على سكايب فقط، وتجري أكثر من 57 ألف عملية بحث على غوغل، ويشاهد أكثر من 67 ألف شريط فيديو، وترسل أكثر من مليوني رسالة إلكترونية. وهي ليست استخدامات نظيفة كما يظن البعض. صحيح أنها لا تبعث دخاناً، لكنها تحتاج استهلاكاً للكهرباء، وشحناً للبطاريات بكميات كبيرة، والنفايات الإلكترونية تحتوي على كميات مركزة من المعادن المختلفة التي لا تستطيع البيئة التخلص منها. وإذا كانت المخاطر باتت معروفة للبعض فإن التوصيات بالاقتصاد في الاستخدام لا تزال غير ناجعة. ففي لحظة واحدة من عام 2016 كان عدد مستخدمي الإنترنت نحو 3.5 مليار مستخدم.
لكن الجديد والظريف أن تعرف أن بعض التطبيقات أقل تلويثاً من غيرها، إذ أظهرت بعض الدراسات أن بريد «جي ميل» أقل استهلاكاً للكهرباء من غيره، بفضل كفاءة استخدام الطاقة في مراكز المعلومات التي تدير هذا البريد في شركة غوغل. ويستهلك من الكهرباء، أقل بـ80 ضعفاً من نظرائه. لكن في المقابل بقى كم الطاقة التي يستهلكها إرسال البريد نفسه في كل بلد هي نفسها، ولا تختلف عن أي بريد آخر. ويكفي القول: إن حواسيب المستخدمين تبعث 407 ميغاطن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً، بسبب رسائل البريد الإلكترونية، ويتوقع أن يتضاعف الرقم بحلول العام 2030.
ويتحدث الكتاب عن وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة «فيسبوك» الذي يخسر المشتركين الشبان بسبب هجرتهم إلى منصات أخرى، تتناسب أكثر واحتياجاتهم، ويشرح كيف تذهب الشركة إلى تغيير في الخوارزميات، لتعدل في المواد التي تظهر على الصفحة الشخصية للمشترك في محاولة لجعل الموقع قادراً على تأدية دور إعلامي أفضل، خاصة أن الشكوى منه هي بسبب اكتظاظ المحتوى وعدم تلبيته الكافية لحاجة المستخدم. ويعرج على العلاقات المتداخلة بين الإعلام المرئي والمكتوب وكذلك وسائل التواصل، بحيث بقدر ما تبدو المنافسة قوية، تعود لتصبح تكاملية في أحيان كثيرة. وفي دراسة صدرت عن موقع «تويتر» أن ما يزيد على نصف جمهور هذا التطبيق يميلون إلى التغريد وهم يشاهدون البرامج التلفزيونية. ما يؤكد الاستخدام المتعدد والمتزامن للشاشات، عند المستخدم، وهو ما يتم اتخاذه بالاعتبار بشكل واسع من قبل وسائل الإعلام، والقيمين على وسائل التواصل في وقت واحد.
وإذا كانت بعض الاستخدامات التكنولوجية أصبحت شعبية ومعروفة فإن البعض الآخر لا يزال محدود الاستخدام، وسنرى مفاعيله في السنوات المقبلة. فبعد عالم «الروبوت» هناك عالم «السيبورغ»، أي الإنسان السيبراني، المدعّم بأعضاء يسندها الذكاء الاصطناعي، لتحسين السمع أو استعادة البصر. وثمة تجارب تمت بالفعل منذ عام 2014 بدأت بوضع شريحة في رأس مصاب بعمى الألوان، لتصحيح الخلل لديه، وهو مسار متواصل ويتطور بشكل مشجع. لكن المخاوف، متأتية من استغلال هذه التقنيات في المستقبل وبعد شيوعها بتعزيز قدرات عقلية أو إمكانات ذهنية، لأشخاص يمتلكون ثمنها ويحرم منها آخرون، ليصبح الذكاء الفائق حكراً على من يدفع. ولكن ماذا عن الأخلاقيات العلمية؟ وهل يبقى الإنسان إنساناً بعد أن يخضع لإضافات تؤدي به لأن يتحول إلى إنسان - آلة (سيبورغ)؟
وفي حقيقة الأمر، هل يجري تقريب الآلة لتحاكي الإنسان؟ كما هو الانطباع السائد. أم أن ما يحدث هو العكس، بحيث يتم العمل على تحويل الإنسان إلى آلة ذكية؟


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».