مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

ناشرة وناقلة تعمم النصوص الإبداعية على القارات الخمس

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»
TT

مدونات تتجول بالنتاج الأدبي وتقيم جسورا للتواصل

«آسيان ريفيو أوف بوكس»  -  «أراب ليتريتشر»  -  «وورلد ليتريتشر توداي»
«آسيان ريفيو أوف بوكس» - «أراب ليتريتشر» - «وورلد ليتريتشر توداي»

ثلاثة مواقع «أون لاين»، تضيء مناطق مهمة في النتاج الثقافي؛ الأدبي والفني، في الساحات الثقافية في العالم، منتجة للمنتج الثقافي في بلد ما، أو مساهمة في إنتاجه، أو جامعة للمهمتين في إطار ما تنشره، كما هي حال مدونة «آسيان ريفيو أوف بوكس»، التي «تحتكر» لنفسها، إعادة نشر بعض نتاج بلدان شرق آسيا وجنوب شرقيها، من مراجعات الكتب؛ شعرا ورواية بصورة خاصة، وما ينشر من مراجعات لنتاج آسيوي، في صحف البلدان الأخرى، وبالذات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وتكاد الأميركية مارشا لينكس - كوايلي، «تحتكر» بدورها، لمدونتها المهمة، متابعة النتاج الثقافي العربي وما يترجم منه إلى أي من لغات العالم، بينما ينفتح موقع «وورلد ليتريتشر توداي» على اسمه الذي يشكل لافتة عريضة لما ينشره.
هذه المواقع، وبعضها في عداد المدونة، تجمع حولها مئات آلاف المهتمين بالنتاج الأدبي من جنوب شرقي آسيا إلى المكسيك وقرى جبال الإنديز، ومن سيبيرا إلى جنوب أفريقيا، تاركة لمجلة وموقع «واسافيري» حيزا ليشكل حاضنة أوسع لنتاج أفريقيا الثقافي ودول الكاريبي. والموقع يستحق تجوالا خاصا به. وتلتقي هذه المواقع أيضا، في متابعتها الأنشطة الثقافية التي تحظى باهتمام عالمي، كجوائز الفن والأدب، والمؤتمرات الثقافية والفنية، والمناسبات ذات الصلة عموما.

* «أراب ليت (بالإنجليزية)»
عام 2009، أطلقت الأميركية، مارشا لينكس - كوايلي، مدونتها «أراب ليتريتشر (بالإنجليزية)»، ولم تكن تتخيل أن يتحول ما بدأته على أنه مدونة صغيرة، إلى «أرضية للباحثين عن فضاء للنقاش والتفاعل وزيادة معرفتهم بالثقافة العربية». ينتمي متابعو المدونة، إلى النقاد والمترجمين، والناشرين، والمؤلفين، من بلدان تتحدث الإنجليزية، ومن مصر والهند وإندونيسيا، وآلاف القراء المهتمين بالأدب ومتابعي الحياة الثقافية. يتصفح المدونة شهريا، أكثر من 40 ألف زائر (حتى قبل عامين). يصعب تحديد ماهية المتصفحين, لكن مارشا تظن أن نسبتهم من العرب الذين يقرأون بالإنجليزية، تبلغ 30 في المائة، بينما يتابعها 70 في المائة من بلدان لغتها الأصلية هي الإنجليزية، أو ترتبط الثقافة السائدة فيها بالإنجليزية. تتولى مارشا تحديث المواضيع المنشورة في مدونتها بنفسها، بشكل يومي تقريبا. لكنها تتعاون أيضا، مع عدد من المراسلين في كل من القاهرة، والجزائر، ولندن، وبيروت، وعمان، وبوسطن، ونيويورك، وتتشارك في نشر بعض النتاج الأدبي، مع موقع «حبر» الأردني (ينشر بالعربية)، أحيانا.
«أراب ليتريتشر» مدونة تعد بكل المعايير مؤسسة ثقافية كاملة. وكما يشي اسمها، تنشط محررتها لتكون سبّاقة في نشر أهم الأخبار الثقافية على مستوى ترجمة الأعمال الإبداعية العربية إلى الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، ومتابعة تناول هذه الأعمال أو بعضها في الصحافة العالمية، والمنشورات الأدبية المتخصصة، بالإضافة إلى نقل أبرزها أو إعادة نشره وتعميمه. هي أيضا بوتقة بمعنى ما، تصب فيها روافد الحركة الثقافية، وتحولها إلى منتدى ثقافي يلتقي فيه العديد من المثقفين العرب وغير العرب المهتمين بالاطلاع على النتاج العربي، في فضاء مجاني.
مارشا التي تقيم في القاهرة وتتحدث العربية، بدأت حياتها ناشطة في الصحافة الإلكترونية في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتعمل صحافية مستقلة مع «المصري اليوم» (النسخة الإنجليزية)، وموقع «وورلد ليتريتشر توداي»، والـ«غارديان» البريطانية، ومنشورات أخرى.

* من هونغ كونغ.
في الشرق الأقصى، ينشط بيتر غوردن، في تحرير ونشر مواد مدونة صغيرة، أطلق عليها «آسيان ريفيو أوف بوكس»، تتسع لنماذج من نتاج دول آسيا كلها تقريبا. والمدونة كما يشير اسمها، تختص بـ«مراجعة كتب آسيوية»، وتتميز بتغطيتها النشاطات الثقافية في الصين، واليابان، وماليزيا، والهند، وفيتنام، وسريلانكا، وبلدان أخرى في جنوب شرقي آسيا، وتعرج أحيانا على الشرق الأوسط والنتاج العربي منقولا عن صحف غربية. وقد أقدم بيتر خلال العام الحالي على مبادرة في هذا الاتجاه، حين نشر مراجعة أعدها هو لرواية «السيدة من تل أبيب»، التي تنتمي، مثل كاتبها، إلى منطقة الشرق الأوسط. سألت بيتر عن مدى اهتمام مدونته بالرواية العربية، فقال إنها لا تغطيها كما ينبغي. وأرجع ذلك جزئيا، إلى نقص الخبرة والمعلومات. وأوضح بيتر: «لقد حددنا آسيا مجالا لنشاطنا، لكن ليس بشكل كامل، وبينما نستطيع توسيع المجال قليلا، إلا أننا لا نستطيع تغطية العالم العربي».
ويقوم موقع «آسيا بوك أوف ريفيو»، بتزويد متصفحيه بروابط للمواد التي جرى اختيارها من صحف في بلدان آسيوية، مثل «جابان تايمز»، أو في الصحافة الغربية مثل «نيويورك تايمز»، و«كريستيان ساينس مونيتور»، و«تورنتو ستار». ويقدم بذلك خدمة للمهتمين في تلك البلدان وخارجها، ممن لا تتوفر لهم فرص الاطلاع على تلك الصحف ونشاطاتها وتغطياتها الثقافية، خصوصا في مجال عرض الكتب، الصادرة بلغاتهم وتنتمي إلى ثقافاتهم. وكذلك للراغبين في بلدان في قارات أخرى في التعرّف على ما يصدر في تلك البلاد البعيدة.
في عددها للشهر الماضي سبتمبر (أيلول)، قدمت المدونة على سبيل المثال، مراجعة للرواية الأخيرة للصينية غوو كسياولو «أنا الصين»، قام بها لُهْ سو هسنغ الذي وصف العمل بـ«المحاولة المهمة»، وهي أطول عمل روائي لغوو. وقالت كسياولو في مقابلة أجريت معها، إن الرواية هي «أكثر أعمالي التي اشتغلت عليها، حتى الآن، بطئا وتطلبا»، لم لا، فغوو «تتصدى لثيمات الحب، والمنفى، والترجمة، والسياسات الصينية، والفن، وتحاول تقديم الثيمات في قصة تعتمد أسلوب الرسائل»، كما قال هسنغ.
وفي المدونة نقرأ، نقلا عن «هندوستان تايمز» و«جابان تايمز»، مراجعة لرواية باري لانسيت الثانية، «Tokyo kill» (طوكيو قتل)، التي تتفاعل فيها قضايا فنية واجتماعية وثقافية، وأخرى تتعلق بالحرب وكل ما يقسم المجتمع. وهي رواية «مثيرة، عن تاجر التحف جيم برودي الذي ورث عن والده شركة للتحقيقات الخاصة والحماية الشخصية، ومقرها طوكيو».
في «طوكيو قتل»، يغوص لانسيت عميقا في تعقيدات الثقافة الآسيوية، من خلال أحداث درامية حبكت بطريقة مقنعة. عالم تاجر التحف برودي يعج بالتحف النادرة «التي لا تقدر بثمن، لكنها تخفي أسرارها أيضا، وتقود إلى الجشع الذي يتحول إلى حافز قوي للعنف».

* من كل الثقافات
أما «وورلد ليتريتشر توداي» فهي مدونة تلف العالم بحثا عن النتاج الثقافي والإبداعي. من حيث الشكل والتصميم، تقترب المدونة من مواقع الصحف الورقية على الإنترنت، وإن تميزت بفضاءات مريحة بين النصوص. تبويب الموقع مريح أيضا، وتوزيع النصوص على المساحات المعروضة يسهل تجوال القارئ على المدونة.
في الموضوعات الرئيسة نقرأ خبرا عن احتفال جائزة «نيوستادت» (أو «نوبل الكندية» كما يطلق عليها)، بمرور 10 سنوات على إطلاقها. وكذلك «السنونوات»، وهي قصيدة لـ«جي مند - وويو»، من ترجمة سايمون ويكام - سميث عن المنغولية. والنص مرفق بتسجيل للقصيدة بصوت الشاعر وويو. هناك أيضا موضوع مثير كتبه جيه ماديسون ديفيز، حول أفضل 10 من روايات الجريمة التي شكلت علامات بارزة خلال عقد من الزمن نشرت بلغات مختلفة. الأكثر أهمية في المقال من عناوين الروايات نفسها وتعليقات الكاتب عليها، ما طرحه من تساؤلات حول ما يحكم مثل هذه الخيارات عادة. يقول ديفيز، إنه لا يعد تلك الروايات «الأفضل»، ويستعير من دبليو إتش أودن، قوله: «الأدب ليس سباق أحصنة، بالإضافة إلى العوائق التي تنشأ عن صدورها بلغات مختلفة عدة، حيث المعايير مطاطة. هل نقيس النوعية وفقا لتأثير الرواية علينا؟ أم بالنجاح التجاري؟ بالابتكار والإبداع؟ أم بمعايير تقليدية؟ أم بالقوة العاطفية أو الفلسفية؟ أم بلوغاريتمات حسابية؟ هل نفضل جوهرة نقية فوق جمرة متقدة؟ النصيحة التي يقدمها العديد من زملائي الكتاب حول العالم، هي: أن هناك احتمالات – لروايات - أخرى جديرة تستحق انتباها مماثلا».
ونقرأ أيضا، قصيدتان (مسجلتان) لميكياس صانشيز، المكسيكية، كتبتها بلغتها الأم، المسماة «زوك»، التي يتحدث بها 70 ألفا فقط من سكان ولاية شياباس الأصليين في جنوب المكسيك.
ومن المكسيك إلى كوريا، ينقل الموقع قصيدة «دابي» لكيم ميونغ وُن. ودابي هو طقس حرق الجثة الاحتفالي لإعادة الجسد من حيث أتى، وفقا للديانة البوذية.
يقول مترجم القصيدة من الكورية إلى الإنجليزية «إي جيه كوه» إن القصيدة هي فعل «الدابي» نفسه، أي طقوسه؛ إذ يبدأ المقطع الأول فيها مع النجوم، ثم ينتقل إلى الوجود الزمني في المعبد، وأخيرا إلى السجود الكاذب، إلى أن يعود القارئ إلى حرق الحطب، والنجوم، حيث تعيد الشاعرة القارئ إلى البداية. وفي الوقت عينه، تحمل الراوية – الشاعرة - جثة والدها وتنتقل بها داخل الدائرة نفسها.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.