للمرة الأولى منذ 42 عاماً... الحكومة الكولومبية تضع الأمن في يد الجيش

النقابات دعت إلى إضراب عام بدعم من الطلاب والسكان الأصليين

مواجهات عنيفة في العاصمة بين المتظاهرين والشرطة أدت إلى سقوط عشرات الجرحى (أ.ف.ب)
مواجهات عنيفة في العاصمة بين المتظاهرين والشرطة أدت إلى سقوط عشرات الجرحى (أ.ف.ب)
TT

للمرة الأولى منذ 42 عاماً... الحكومة الكولومبية تضع الأمن في يد الجيش

مواجهات عنيفة في العاصمة بين المتظاهرين والشرطة أدت إلى سقوط عشرات الجرحى (أ.ف.ب)
مواجهات عنيفة في العاصمة بين المتظاهرين والشرطة أدت إلى سقوط عشرات الجرحى (أ.ف.ب)

جبهة جديدة فُتحت في مسلسل الاحتجاجات الشعبية، والاضطرابات التي تنتشر بسرعة في هشيم أميركا اللاتينية، عندما خرج مئات الآلاف في المدن الكولومبية يهتفون ضد الحكومة، ويطالبون باستقالة الرئيس إيفان دوكي الذي تدنت شعبيته بشكل غير مسبوق منذ انتخابه صيف العام الماضي.
وللمرة الأولى منذ 42 عاماً، قررت الحكومة وضع الأمن في عهدة القوات المسلحة التي انتشرت وحداتها في معظم المدن الرئيسية، وحول المرافق الحيوية في البلاد، تحسباً لتصعيد الاحتجاجات التي شهدت سلسلة من أعمال العنف والتخريب في الساعات الأخيرة، كما فُرض حظر التجول ليلاً في العاصمة.
وجاء القرار بتسليم الأمن للقوات المسلحة بعد التوتر الشديد الذي ساد العاصمة بوغوتا، إثر المظاهرة الحاشدة التي شارك فيها أكثر من مائتي ألف شخص، وانتهت بمواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، وتبعتها أعمال تخريبية في كثير من الأحياء التجارية.
وكانت جموع المتظاهرين تتوافد بكثرة من جميع الأحياء نحو ساحة بوليفار، وسط المدينة، رغم الطقس البارد والأمطار الغزيرة والحشود الكبيرة من قوات الشرطة وأجهزة مكافحة الشغب التي واجهت المحتجين بقنابل صوتية كان المتظاهرون يردون عليها بقرع آلاف الطناجر. وما زاد في التوتر الذي رافق المظاهرة إقدام قوات الأمن عشية انطلاقها على مداهمة عشرات المنازل التي يعيش فيها فنانون ومثقفون محسوبون على الحركات اليسارية، وعدد من مباني المؤسسات الإعلامية المعروفة بانتقاداتها لسياسة حكومة دوكي اليمينية.
وفرضت السلطات حظر تجول خلال ليل الجمعة في العاصمة بوغوتا، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والقنابل الصاعقة ضد متظاهرين مقنعين مسلحين بالحجارة في كثير من المناطق بالعاصمة. ودخل حظر التجول حيز التنفيذ الساعة التاسعة من مساء الجمعة. وقال الرئيس دوكي إنه سوف «يعزز وجود القوات الأمنية» بإجراءات تشمل دوريات مشتركة بين الشرطة والجيش. وتم نشر نحو 20 ألفاً من قوات الأمن في العاصمة بوغوتا.
وبعد إعلانه حالة الطوارئ، وإنزال الجيش إلى الشوارع، رأس دوكي اجتماعاً للقيادة الموحدة للأجهزة الأمنية، ثم دعا إلى حوار وطني شامل حول المطالب التي ينادي بها المتظاهرون، وأعلن استعداد حكومته لمناقشتها والتجاوب معها، محذراً من أن الدولة «لن تسمح بأي شكل من أشكال العنف، مهما كان الثمن».
وبينما تميزت المظاهرات في المدن الأخرى بأجواء سلمية احتفالية، وقعت مواجهات عنيفة في العاصمة بين المتظاهرين والشرطة، أدت إلى سقوط عشرات الجرحى. وفي مدينة كالي، التي تقع غرب البلاد، أُعلنت حالة الطوارئ، وفُرض حظر التجول ليلاً، بعد أعمال العنف التي أدت إلى تدمير محلات تجارية، ووقف حركة المواصلات العامة. وفي العاصمة، شاركت أعداد كبيرة من الطلاب الجامعيين والثانويين في المظاهرات، مطالبين بتخصيص مزيد من الموارد لنظام التعليم الرسمي، معتصمين بعد ذلك في حرم الجامعة المركزية، حيث قامت قوات الأمن بإخلائهم بالقوة. وحاولت مجموعة أخرى من المتظاهرين اقتحام مبنى البلدية واحتلاله، لكنها اضطرت للتراجع أمام قوات مكافحة الشغب التي استخدمت عيارات مطاطية وغازات مسيلة للدموع لصدهم. كما حاولت مجموعات من الطلاب اقتحام المطار، لكنها تراجعت أمام الشرطة التي استخدمت عيارات صوتية وخراطيم المياه لتفريقهم. وبعد تصريحات دوكي الأخيرة، قامت مجموعات من الملثمين بتحطيم عشرات المحطات لشبكة النقل العام في بوغوتا، وأحرقت عدداً من المحلات التجارية.
وفيما قالت مصادر الحكومة إن عدد المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد لم يتجاوز المائتي ألفاً، أكدت المصادر النقابية التي دعت إلى تنظيم الاحتجاجات أن المظاهرات عمت ما يزيد على 1100 مدينة وبلدة، وأن عدد الذين شاركوا في مظاهرات المدن الكبرى وحدها يتجاوز المليونين.
ورفع المتظاهرون شعارات مختلفة، من الدفاع عن حقوق المرأة والتعليم المجاني إلى خفض الضرائب وتعديل نظام التقاعد وإيجاد فرص عمل لوقف حركة الهجرة الكثيفة التي تستنزف الموارد البشرية منذ عقود، وطالبوا الحكومة بتنفيذ بنود اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة السابقة مع الثوار، والذي أنهى التمرد المسلح الذي عانت منه كولومبيا طوال 40 عاماً، وجعل منها الدولة الأكثر عنفاً في العالم. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الحالي ينتمي إلى الحزب الذي كان في المعارضة خلال فترة التفاوض على الاتفاق، ورفض الانضمام إليه عند توقيعه.
ومن العلامات اللافتة في هذه المظاهرات المشاركة الكثيفة لمجموعات من السكان الأصليين الذين يطالبون بالحماية، بعد أن قُتل منهم 129 منذ وصول إيفان دوكي إلى الحكم. وقد وقعت تلك الاغتيالات في مواجهات بين قوات الأمن ومجموعات مسلحة ضد السكان الأصليين الذين كانوا يرفضون تنفيذ مشاريع صناعية ومعدنية لشركات كبرى في المناطق التي يعيشون فيها. وكان السكان الأصليون في إقليم كاوكا، الواقع شمال البلاد، قد احتشدوا بالآلاف، وقطعوا الطريق السريع الذي يربط كولومبيا بجنوب شبه القارة، ورفعوا شعارات تطالب الحكومة بوقف المجازر التي يتعرضون لها، وتنفيذ بنود اتفاق السلام التي تتضمن مشاريع إنمائية للمناطق التي يعيشون فيها. كما لفت بين الشعارات والإعلام التي رفعها المتظاهرون للأحزاب السياسية المعارضة والنقابات بروز علم السكان الأصليين «ويبالا»، الذي يمثل جميع الشعوب الأصلية في أميركا اللاتينية والكاريبي، والذي كان إحراقه مطلع الأسبوع الماضي على يد متظاهرين يمينيين في بوليفيا قد أطلق شرارة الاحتجاجات العنيفة التي قام بها السكان الأصليون، وأدت إلى وقوع عشرات القتلى.
وفي مدينة ميديين، وقعت صدامات عنيفة بين متظاهرين ومجموعات يمينية متطرفة تطلق على نفسها «كتائب الدفاع الذاتي»، ويعتقد أنها شاركت في قمع احتجاجات السكان الأصليين، واختطاف بعض قادتهم. وأعلنت بلدية سانتاندير دي كيليشاو، جنوب غربي كولومبيا، مقتل 3 شرطيين، وجرح 7 آخرين، الجمعة، في هجوم بقوارير غاز على مركز للشرطة في المدينة الواقعة في منطقة كاوكا التي تشهد اضطرابات. وقال أمين سر البلدية خايمي أسبريا لوكالة الصحافة الفرنسية: «وقع اعتداء على مركز الشرطة بقوارير غاز، أسفر عن سقوط 3 قتلى، و7 جرحى». واستبعد أسبريا فرضية أن يكون لهذا الهجوم علاقة بالحركة الاحتجاجية التي تشهدها كولومبيا ضد الرئيس إيفان دوكي.
ودعت النقابات العمالية إلى إضراب عام يوم الاثنين المقبل، أعلنت انضمامها إليه المنظمات الطلابية ومجموعات السكان الأصليين، فيما دعت بعض التنظيمات النقابية والطلابية إلى جعله إضراباً مفتوحاً حتى تحقيق جميع المطالب.
وفي أول تعليق له على الدعوة إلى الإضراب العام، قال دوكي، في تغريدة له على وسائل التواصل، إنه يعتزم تعزيز البرامج والخدمات الاجتماعية، ومكافحة الفساد، ودعا إلى «حوار شامل في المناطق، ومع كل القطاعات السياسية والاجتماعية، عبر المؤسسات ووسائل الاتصال الحديثة، من أجل إرساء قاعدة وطيدة واسعة للإصلاح الحقيقي».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».