الصين تضع قواعد «الحرب والسلام» مع الولايات المتحدة

شي: نرغب في اتفاق تجاري مع واشنطن... لكن «لا نهاب» المواجهة

الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش استقباله عدداً من الشخصيات الأميركية المرموقة أمس في بكين (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش استقباله عدداً من الشخصيات الأميركية المرموقة أمس في بكين (إ.ب.أ)
TT

الصين تضع قواعد «الحرب والسلام» مع الولايات المتحدة

الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش استقباله عدداً من الشخصيات الأميركية المرموقة أمس في بكين (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش استقباله عدداً من الشخصيات الأميركية المرموقة أمس في بكين (إ.ب.أ)

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن اتفاقاً تجارياً مع الصين قد يكون «قريباً جداً»، أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ، الجمعة، أن بلاده ترغب في التوصل إلى اتفاق تجاري مبدئي مع الولايات المتحدة؛ لكنها «لا تخشى» المواجهة، إذا استدعى الأمر، مشدداً على أن بكين ستطبق إصلاحات اقتصادية بالوتيرة التي تناسبها.
ونادراً ما يتطرق شي، بأسلوب مباشر لهذه الدرجة، إلى الحرب التجارية في تصريحاته التي تأتي بعد يومين من إشارة الرئيس الأميركي ترمب، إلى أن بكين «لم تقدم تنازلات كافية حتى الآن» تسمح بالتوصل إلى اتفاق.
وتتواجه القوتان الاقتصاديتان، الأكبر في العالم، في نزاع تجاري منذ أكثر من عام، وتبادلتا فرض رسوم جمركية على منتجات بقيمة مئات مليارات الدولارات. وقال شي لمسؤولين أميركيين سابقين وغيرهم من الشخصيات الأجنبية المهمة في بكين: «كما قلنا مراراً، لا نريد بدء الحرب التجارية؛ لكننا لا نخشى» اندلاعها.
وأضاف أمام المجموعة التي ضمّت وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، ووزير الخزانة السابق هنري بولسون، ورئيس الوزراء الأسترالي الأسبق كيفن راد: «سنخوض المواجهة عند الضرورة، لكننا نعمل بشكل نشط لتجنب اندلاع حرب تجارية».
وأعلن ترمب في 11 أكتوبر (تشرين الأول) التوصل إلى اتفاق «في المرحلة الأولى» يتطرق إلى مسائل تعد مهمة بالنسبة للولايات المتحدة تتعلق بالتجارة مع الصين والممارسات المرتبطة بالعملة.
لكنه بعد أكثر من شهر، لم يضع الطرفان بعد اللمسات الأخيرة على نص أي اتفاق. ويطالب المسؤولون الأميركيون بأن تبرم الصين صفقات كبيرة لشراء منتجات زراعية من الولايات المتحدة. وأجرى كبار المفاوضين التجاريين محادثات هاتفية، السبت، وصفتها وزارة التجارة الصينية بـ«البنّاءة» بشأن اتفاق مبدئي.
وتصرّ الصين على وجوب إلغاء الولايات المتحدة الرسوم التي فرضتها، وهو أمر أشار ترمب إلى أنه لم يوافق عليه. وقال ترمب الأربعاء: «يمكنني أن أقول لكم ذلك. تسعى الصين أكثر منّي لاتفاق تجاري». وأضاف: «لا أعتقد أنهم يصلون إلى المستوى الذي أريده» فيما يتعلق بالتنازلات.
وبالأمس، قال ترمب إن اتفاقاً للتجارة مع الصين «من المحتمل أن يكون قريباً جداً»، ومتحدثاً إلى قناة «فوكس نيوز» التلفزيونية، قال ترمب إنه أوضح للرئيس الصيني أن «هذا لا يمكن أن يكون اتفاقاً متكافئاً»، بسبب الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة. وأضاف قائلاً: «علينا أن نقف مع هونغ كونغ؛ لكنني أيضاً أقف مع الرئيس شي».
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن النزاع التجاري الممتد منذ فترة طويلة بين أكبر اقتصادين في العالم يزيد المخاطر على الاقتصاد العالمي عبر تعطيل سلاسل التوريد، وتقليص الاستثمار، وكبح ثقة الشركات.
وقال خبراء تجاريون وأشخاص مقربون من البيت الأبيض لـ«رويترز»، إن إتمام اتفاق المرحلة واحد قد يُؤجل إلى العام المقبل، مع طلب بكين إلغاء أكثر شمولاً للرسوم الجمركية، ورد واشنطن بالمزيد من الطلبات من جانبها.
وأمام المشاركين في «منتدى بلومبرغ للاقتصاد الجديد»، قال شي: «نريد العمل باتجاه اتفاق مرحلة أولى قائم على الاحترام المتبادل والمساواة». وحذّر الرئيس الصيني من أن المحادثات التجارية «قد تؤثر على التوقعات المستقبلية للاقتصاد العالمي»، لكن بكين تتخذ «موقفاً إيجابياً».
بدورها، أشارت خبيرة الاقتصاد لدى شركة «إينودو إيكونوميكس» ديانا شويليفا، إلى أن تصريحات شي لا تعني أن بكين على وشك بدء نزاع تجاري، لكنها تظهر أنها «لن تتراجع».
وقالت لوكالة الصحافة الفرنسية، خلال المنتدى، إن «أسلوب التفاوض وغياب الثقة الذي تسبب به ترمب جعلته (شي) مقتنعاً بأن لا فائدة من تقديم الكثير من التنازلات».
وكرر شي تعهد الصين بإصلاح اقتصادها، عبر إدخال مزيد من الانفتاح فيه، لكنه أشار إلى أن بلاده كانت «حذرة للغاية ومتشددة» حيال الأمر. وقال: «لا يمكننا تحمّل أي خطأ كبير أو أساسي. إذا انقلبت سفينة عملاقة كالصين فلا يمكن إنقاذها».
وأطلق ترمب الحرب التجارية في مارس (آذار) 2018، مطالباً الصين بإنهاء الممارسات التي اعتبرت غير منصفة، على غرار النقل الإجباري للتكنولوجيا من الشركات الأميركية والدعم الحكومي الضخم المقدّم للشركات الصينية.
وقال شي إن بكين تحتاج لتحقيق تقدم في إصلاحاتها في الشركات الحكومية وحماية حقوق الملكية الفكرية. وأكد أن «هذا ليس أمراً مفروضاً علينا. نقوم بذلك بمبادرة منا».
وأشار الرئيس الصيني إلى أنه أبلغ مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، التي التقت به في وقت سابق، أن الصين ستستمر على مسار الإصلاح المالي والانفتاح، لكن بـ«شرط ضمان أمن سيادة بلدنا المالية».
وتشكّل التكنولوجيا جبهة رئيسية أخرى في الحرب التجارية، إذ أثارت واشنطن حفيظة بكين عبر فرض عقوبات على مجموعة «هواوي» العملاقة للاتصالات، وسط مخاوف أميركية من احتمال استخدام معداتها للتجسس من قبل بكين. وحذّر شي من أن «الستار الحديدي التكنولوجي» من شأنه أن يؤثر على «الاحتمالات المستقبلية للإنسانية».
بدوره، قال وزير الخزانة الأميركي السابق بولسون، للرئيس الصيني، إن تكنولوجيا الجيل الخامس من الإنترنت فائقة السرعة قد تتحول «إما إلى مصدر نزاع أو تعاون بين الولايات المتحدة والصين». وصرّح: «أعتقد أن مفتاح التقليل من احتمال النزاع هو قيامنا بتطوير معايير مشتركة للتكنولوجيا الناشئة».
من جهته، قال كيسنجر للرئيس الصيني، إن «على بلدينا التعاون من أجل نظام دولي مزدهر». وحذر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، خلال المنتدى، الخميس، من احتمال تحوّل الحرب التجارية بين البلدين إلى نزاع مسلح.
وأشار شي كذلك إلى «حلمه الصيني» بإعادة وضع البلد الآسيوي العملاق في مكانه الصحيح على الخريطة العالمية. وقال: «إنه ليس حلماً بالهيمنة أو الحلول مكان آخرين... نحاول فقط استعادة مكانتنا ودورنا في العالم».
وفي سياق ذي صلة، نقل تلفزيون الصين الرسمي عن رئيس الوزراء لي كه تشيانغ قوله الجمعة، إن الصين ستُبقي على عملتها اليوان مستقرة بشكل أساسي داخل نطاق معقول، ولن تلجأ إلى خفض تنافسي في القيمة.
ونقل التلفزيون المركزي الصيني عن لي قوله في اجتماع مع غورغيفا، إن بكين ستمضي قدماً في إصلاح للعملة يستند إلى السوق. وقال إن الصين ستجعل قطاعات البنوك والأوراق المالية والتأمين لديها أكثر انفتاحاً، مضيفاً أنها تعمل في اتجاه تحقيق هدف الإلغاء الكامل للقيود على ملكية الأجانب في تلك القطاعات.
في غضون ذلك، كشف تقرير إخباري، الجمعة، أن إجمالي الناتج المحلي للصين قد زاد بقيمة 270 مليار دولار في عام 2018، مقارنة بتقديرات أولية صدرت العام الماضي.
وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن هذه المراجعة أضافت لإجمالي الناتج المحلي لثاني أكبر اقتصاد في العالم نحو قيمة الناتج المحلي لدولة فنلندا العام الماضي.
ووصل إجمالي الناتج المحلي للصين في عام 2018 إلى 91.9 تريليون يوان (13.8 تريليون دولار)، بزيادة 2.1 في المائة عن القراءة الأولية. وأضافت هذه المراجعة 1.9 تريليون يوان إلى إجمالي إنتاج الصين للعام الماضي، وهو ما يزيد عن إجمالي الناتج المحلي لفيتنام في العام نفسه.
وقال المكتب الوطني للإحصاء، إن هذه التعديلات جرت بناءً على نتائج الإحصاء الرابع الشامل لجميع أنحاء البلاد، الذي كشف عن أنشطة اقتصادية لم تتضمنها بيانات الإحصاء من قبل. وأوضح المكتب أن هذه المراجعة لن يكون لها تأثير كبير على إجمالي الناتج المحلي للبلاد للعام الحالي.
يُشار إلى أن الحكومة الصينية عادة ما تراجع إجمالي الناتج المحلي بعد إجراء المسح السنوي الخامس. ومن شأن هذه المراجعة بالزيادة أن تساعد الصين في تحقيق أهدافها بأن تصبح «مجتمعاً يشهد ازدهاراً معتدلاً» من خلال مضاعفة إجمالي الناتج المحلي ودخل الأسر بحلول في عام 2020، مقارنة بمستويات عام 2010.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».