إقالة توتنهام لبوكيتينو كانت قاسية... لكنها ضرورية

المدرب الأرجنتيني نجح خلال السنوات الخمس الماضية في قيادة النادي لأفضل فترة في تاريخه الحديث

TT

إقالة توتنهام لبوكيتينو كانت قاسية... لكنها ضرورية

في خطوة تعكس غرابة كرة القدم في الوقت الحالي، أقال نادي توتنهام هوتسبير المدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو. ويرى كثيرون أن هذا القرار كان قاسياً، لكنه كان ضرورياً بعد تراجع نتائج الفريق بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة. وقاد بوكيتينو توتنهام هوتسبير لتحقيق نتائج جيدة للغاية خلال السنوات الأخيرة، رغم أن النادي لم يكن ينفق الكثير من الأموال على التعاقدات الجديدة؛ نظراً لأنه كان يبني ملعبه الجديد. لكن بمجرد أن اهتزت نتائج الفريق لبعض الوقت، قرر رئيس النادي، دانيل ليفي، إقالة بوكيتينو، وهو الأمر الذي بات معتاداً في كرة القدم الحديثة، ربما باستثناء ما حدث مع المدير الفني الاسكوتلندي السير أليكس فيرغسون، الذي استمر مع مانشستر يونايتد لفترة طويلة، رغم سوء النتائج في بداية مسيرته مع الشياطين الحمر.
ومن الملاحظ أن هناك الآن رغبة لدى البعض للتقليل من حجم الإنجازات التي حققها المدير الفني الأرجنتيني مع السبيرز خلال السنوات الماضية، والتركيز فقط على إخفاقات الفريق في الفترة الأخيرة. لكن أي شخص يراقب الأمور عن كثب وبحيادية سوف يعرف الحقيقة، وهي أن بوكيتينو قد نجح خلال السنوات الخمس الماضية وعقب توليه إدارة الفريق خلفاً لتيم شيروود، في قيادة النادي لأنجح فترة في تاريخه الحديث.
وكانت الإنجازات التي حققها بوكيتينو واضحة للجميع: التأهل لدوري أبطال أوروبا أربعة مواسم على التوالي، واحتلال المركز الثاني في الدوري الإنجليزي الممتاز وبناء فريق قوي للغاية ووضع نظام رائع للعمل وتقديم كرة قدم جميلة وممتعة. لكن المقاييس الأساسية كانت تتعلق، بطبيعة الحال، بالنواحي الاقتصادية والمالية، حيث تمكن المدير الفني الأرجنتيني من تحقيق كل هذه الإنجازات رغم أن إنفاق النادي على التعاقدات الجديدة لم يتجاوز 95 مليون جنيه إسترليني طوال هذه الفترة، وهو ما يضع النادي في المركز السابع عشر بين أندية الدوري الإنجليزي الممتاز في هذا الصدد؛ نظراً لأن النادي كان يقلل النفقات قدر الإمكان حتى يستطيع بناء ملعبه الجديد. ومن المؤكد أن الوضع سيختلف تماماً مع المدير الفني الذي تولى قيادة النادي خلفاً له – البرتغالي جوزيه مورينيو – لأن النادي قد انتهى الآن من بناء الملعب الجديد وسيكون بإمكانه زيادة الأموال المخصصة للتعاقدات الجديدة.
ومع ذلك، فإن رحيل بوكيتينو يبدو وكأنه الفصل النهائي والطبيعي لهذه العملية، خاصة أنه سبق وأن حذر من تداعيات السياسات التي يتبناها مجلس إدارة النادي في هذا الصدد، وكانت أقوى وأبرز هذه التحذيرات قبل المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام ليفربول الموسم الماضي. وإذا نظرنا إلى الوراء، سوف ندرك أن هذه المباراة النهائية في العاصمة الإسبانية مدريد كانت بمثابة نقطة تحول كبيرة لنادي توتنهام هوتسبير، حيث بدت وكأنها النقطة التي سينتهي عندها الكثير من الأمور.
لقد اشتكى بوكيتينو من عدم تدعيم صفوف الفريق بالشكل اللازم. ورغم ذلك، لم يستجب مجلس إدارة النادي، وبالتالي ظهر الفريق بشكل مخيب للآمال خلال الأشهر الخمسة الأخيرة. وكانت الانتصارات الوحيدة التي حققها النادي منذ سبتمبر (أيلول) هي الفوز في مجموع لقائي الذهاب والعودة في دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا أمام نادي ريد ستار بلغراد الضعيف بتسعة أهداف مقابل لا شيء.
والأسوأ من ذلك هو الشعور بأن هناك شكلاً من أشكال الفوضى في النادي، وأن العلاقات الإنسانية قد تدهورت بين الجميع. ويجب أن ندرك أن هناك دائماً عمراً افتراضياً لمثل هذه الأشياء. ويجب الإشارة أيضاً إلى أن بوكيتينو ينتمي إلى مدرسة المدير الفني المخضرم مارسيلو بيلسا، التي تستمد قوتها من المعاناة، وتركز في المقام الأول على القوة البدنية الهائلة والركض المتواصل داخل الملعب، والإرهاق البدني والذهني من أجل تحقيق الفوز. وبالتالي، لم يكن من الغريب أن يشعر لاعبو توتنهام بالتعب والإرهاق، ويمكننا تشبيه هؤلاء اللاعبين بسيارة فارهة قطعت مئات الآلاف من الأميال من دون صيانة أو حتى تغيير حزام الأمان!
وفي النهاية، يجب أن ندرك أيضاً أن الشيء الذي ساهم في انتهاء فترة بوكيتينو مع الفريق هو الشيء نفسه الذي ساهم في تحقيق النجاح؛ إذ إن النادي قد حقق هذه الإنجازات والنجاحات بفضل نجاح المدير الفني الأرجنتيني في قيادة النادي للأمام رغم قلة النفقات، لكنه لم يتمكن من الاستمرار أكثر من ذلك، وبالتالي أصيب النادي بحالة من التراجع والركود.
وبعد بناء الملعب الجديد، جاء الدور لبداية مرحلة جديدة وإسناد مهمة قيادة الفريق إلى شخص آخر. لكن اللاعبين يستحقون أيضاً قدراً من اللوم ويتحملون جزءاً من المسؤولية، فخلال الأسبوع الماضي أعلن داني روز أنه يعتزم الرحيل عن النادي، وبدا وكأن هذا الأمر هو الطبيعي والمعتاد بين باقي لاعبي الفريق، للدرجة التي جعلت البعض يشعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي يجري خلف الكواليس. لقد انتهت مهمة بوكيتينو الآن، وسيكون هناك مدير فني جديد، لكنني أعتقد أن المدير الفني الجديد ليس بنفس كفاءة بوكيتينو.
والآن، يتعين علينا جميعاً أن نشكر بوكيتينو على ما قدمه مع توتنهام خلال السنوات الماضية؛ لأنه أسعد جمهور النادي كثيراً ولم يبخل بأي جهد ممكن لقيادة الفريق إلى الأمام. لقد كانت بداية المدير الفني الأرجنتيني مع توتنهام في عام 2015 عندما قاد النادي للفوز على حامل اللقب تشيلسي بخمسة أهداف مقابل ثلاثة، وهو اليوم الذي شهد بداية هاري كين الحقيقية مع النادي بصفته مهاجماً متميزاً يمتلك قدرات هائلة، ويسبب الكثير من المشكلات لدفاعات الفرق المنافسة. كما أن احتلال المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز في موسم 2016 - 2017 يعد أعلى مستوى متواصل وصل إليه الفريق، وفي الحقيقة كان توتنهام هو أفضل فريق في إنجلترا في ذلك الوقت. وكانت هناك الكثير من اللحظات المضيئة الأخرى في مسيرة بوكيتينو مع توتنهام، مثل فوز الفريق على ريال مدريد على ملعب ويمبلي قبل عامين، وهي المباراة التي شهدت تألق ديلي آلي بشكل كبير، بالإضافة إلى مسيرة الفريق في دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي والوصول إلى المباراة النهائية.
وفي ذلك الوقت، وصل بعض اللاعبين لقمة عطائهم الكروي، مثل هاري كين، وكريستيان إريكسن، وموسى سيسوكو، وسون هيونغ مين، رغم أن الفريق فشل في الحصول على لقب البطولة. وبغض النظر عن الأداء السيئ خلال الأشهر الـ10 الماضية، فإن توتنهام كان يحقق نتائج رائعة ويقدم كرة قدم جميلة وممتعة تحت قيادة مدير فني رائع يمتلك قدرات كبيرة. والآن، إذا ما نظرنا إلى بوكيتينو ومورينيو، سنجد أن المدير الفني الأرجنتيني هو الذي ينتظره مستقبل أفضل في النادي الذي سيتولى قيادته خلال الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة


القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
TT

القادسية يقسو على الرياض بسداسية ويعزز صدارته للدوري السعودي

رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)
رايندرز سجل هاتريك في المباراة (تصوير: مشعل القدير)

قسا القادسية على مضيفه الرياض بسداسية نظيفة في المواجهة التي جمعتهما ضمن الجولة الـ12 من الدوري السعودي للمحترفين.

وأحرز الهولندي تيجاني رايندرز هدف التقدم في الدقيقة 18، ثم أضاف عبد الله آل سالم هدفاً ثانياً في الدقيقة 37، وعاد رايندرز ليضيف الثالث ويعزز تقدم القادسية في الدقيقة 56.

وأضاف الفرنسي البديل محمدو سانغاري هدفاً رابعاً للضيوف في الدقيقة 67، بعد 3 دقائق فقط من مشاركته بديلاً على حساب آل سالم.

وأوضح المكسيكي خوليان كينيونيس الهدف الخامس في الدقيقة 87، قبل أن يعزز رايندرز التقدم ويكمل السداسية في الدقيقة 89 ليكمل الانتصار العريض، ويسجل «هاتريك».

واعتلى القادسية صدارة الترتيب مؤقتاً برصيد 28 نقطة من 12 مباراة، بفارق الأهداف عن النصر الوصيف وحامل اللقب، الذي لعب 11 مباراة، بينما يأتي الهلال ثالثاً بـ27 نقطة ولعب 10 مباريات فقط.

وبخسارته اليوم تجمد رصيد الرياض عند 12 نقطة في المركز الحادي عشر.


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.