فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

وسط خلفية الأزمات الاقتصادية والانفصالية التي تهز إسبانيا

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة
TT

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

توجه الإسبان، يوم الأحد الماضي، إلى مراكز الاقتراع للتصويت في انتخابات عامة، هي الرابعة خلال أقل من 4 سنوات. وكانت هذه محاولة يائسة لكسر الجمود الذي يخيّم على المشهد السياسي بسبب تعذّر تشكيل أغلبية برلمانية كافية تستند إليها حكومة مستقرّة باتت البلاد بأمسّ الحاجة إليها لضبط الوضع الاقتصادي المترنّح ومواجهة الأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا.
لم تسفر نتائج هذه الانتخابات عن تغيير كبير في معادلة توزيع القوى التقليدية في المشهد السياسي الإسباني من شأنه أن يمهّد لغالبية برلمانية تُخرج البلاد من مأزق تشكيل الحكومة. غير أنها في المقابل، تمخّضت عن أكبر مفاجأة منذ عودة النظام الديمقراطي أواخر سبعينات القون الماضي، عندما حصل حزب «فوكس» اليميني المتطرف على 50 مقعداً في البرلمان. وبذا بات قوة سياسية مؤثرة في البلاد وتخرج إسبانيا بذلك من دائرة الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن اليمين المتطرف ممثلاً في مؤسساتها البرلمانية.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت يوم الثلاثاء الماضي، عندما وقف بيدرو سانتشيز، الأمين العام للحزب الاشتراكي والرئيس الحالي لحكومة تصريف الأعمال، إلى جانب الأمين العام لحزب «بوديموس» اليساري ليعلن أمام الصحافيين في مجلس النواب أن الطرفين توصّلا إلى اتفاق لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي، هو الأول في تاريخ إسبانيا منذ الحرب الأهلية في منتصف ثلاثينات القرن الماضي.
بعد وفاة الجنرال فرنشيسكو فرنكو في عام 1975 وسقوط نظامه الديكتاتوري، الذي أدّى إلى فرض ما يشبه الحجر الصحي على إسبانيا في محيطها الأوروبي، استعادت البلاد الحكم الديمقراطي. ثم انضمّت إلى المجموعة الأوروبية بعدما استوفت شرط الاعتراف بإسرائيل، لتصبح آخر دولة أوروبية تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية.
والواقع أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي نعمت إسبانيا باستقرار سياسي كانت تُحسد عليه في محيطها الأوروبي، قام على ثنائية حزبية راسخة قوامها اليمين المحافظ ممثلاً بالحزب الشعبي واليسار المعتدل ممثلاً بالحزب الاشتراكي.
الحزبان تناوبا بانتظام على الحكم حتى أواخر العقد الأول من القرن الحالي. إلا أنه، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي دفعت الاقتصاد الإسباني إلى شفا الانهيار وأدت التدابير القاسية لاحتوائها إلى تداعيات اجتماعية واسعة، طرأ تحوّل على المشهد السياسي الإسباني. إذ ظهرت حركة شعبويّة منضوية في حزب «بوديموس» الذي ينافس الحزب الاشتراكي على أصوات المعسكر اليساري والتقدمي، قابلها ظهور حركة يمينية معتدلة قوامها حزب «مواطنون» تنافس الحزب الشعبي على أصوات المحافظين والوسط.
ومن ثم، أدت هذه الحال إلى التشرذم في القوى البرلمانية، وإلى دخول إسبانيا مرحلة من الاضطراب السياسي، جعلت من تشكيل الحكومات سلسلة من المخاضات المعقّدة التي أعاقت عملية النهوض الاقتصادي. كذلك أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في منسوب التوتر بين القوى والأحزاب السياسية، كان من أخطر تداعياته اتساع هامش الصعود أمام الحركة الانفصالية في كاتالونيا (قطالونية) التي وضعت إسبانيا أمام أخطر أزمة في تاريخها الحديث، لتصبح حجر الرحى الذي تدور حوله السياسة الإسبانية منذ محاولة إعلان الاستقلال في خريف عام 2017.

سقوط الحزب الشعبي
أول التداعيات الكبرى للأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا كان سقوط حكومة الحزب الشعبي الأخيرة التي كان يرأسها ماريانو راخوي ووصول الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى الحكم. إلا أن سانتشيز حكم مستنداً إلى أقلية برلمانية تهدد بسقوطه في كل لحظة، ومتعرّضاً لابتزاز مستمر من الأحزاب الانفصالية التي كانت تمسك بمفتاح الأغلبية في البرلمان.
رغم هذه الصعوبات، تمكّن سانتشيز من تنفيذ قسم كبير من برنامجه الحكومي، استعاد معه كثيراً من الخدمات الاجتماعية التي كانت الحكومات اليمينية قد ألغتها في سياق احتواء الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى تعزيز موقعه في المعسكر التقدمي، الذي كان يزداد الاستياء في أوساطه، ويجنح لتأييد حزب «بوديموس» الذي يسعى منذ تأسيسه إلى قيادة القوى اليسارية.
وبعد انسداد الأفق البرلماني أمام سانتشيز، عندما تعذّر عليه إقرار قانون الموازنة العامة في فبراير (شباط) من العام الماضي بسبب رفض القوى الانفصالية الكاتالونية دعمه لرفضه التجاوب مع مطالبها لتنظيم استفتاء حول تقرير المصير، أعلن حل البرلمان ودعا لإجراء انتخابات أواخر أبريل (نيسان) الماضي. تلك الانتخابات أسفرت عن فوزه وتعزيز موقعه في البرلمان، ولكن بعيداً عن الأغلبية التي تتيح له الحكم من غير تحالفات مع القوى الأخرى.
وبعد أشهر من المراوحة والمفاوضات المعقّدة للاشتراكيين مع حليفهم الطبيعي حزب «بوديموس» وصلت الأمور إلى إعلان القطيعة بينهما. وبعد فشل سانتشيز في نيل الثقة في البرلمان لتشكيل حكومة منفرداً اضطر الزعيم الاشتراكي إلى الدعوة لإجراء انتخابات جديدة أمل في أن تمكّنه من زيادة رصيده البرلماني بما يتيح له فرض شروط أفضل لتأليف الحكومة، أو على الأقل لتحييد معارضيه، في اليمين واليسار، لتشكيل حكومة أقليّة.
من جهته، كان حزب «بوديموس» يسعى إلى وقف التراجع في شعبيته بعد الانتكاسة التي أصيب بها في الانتخابات الأخيرة والانشقاق الذي حصل في صفوفه. أما الحزب الشعبي اليميني فكان يحاول استعادة موقعه في الثنائية الاشتراكية - الشعبية التي تناوبت على الحكم في إسبانيا منذ 4 عقود، بعد التراجع الكبير الذي أصابه في انتخابات العام الماضي.

صعود المتطرفين
لكن مع اقتراب الحملة الانتخابية من مرحلتها الأخيرة، بدأت استطلاعات الرأي تنذر بصعود قوي لحزب «فوكس» اليميني المتطرف الذي ظهر في المشهد السياسي الإسباني لأول مرة في الانتخابات الإقليمية الأندلسية مطلع العام الماضي. ثم حصل على 23 مقعداً في الانتخابات العامة الأخيرة التي خاض غمارها أيضاً للمرة الأولى.
وكانت الاستطلاعات السابقة تشير إلى تراجع شعبية «فوكس» في كل الدوائر، على غرار ما حصل في الانتخابات الأوروبية والمحلية. لكن بعد التطورات التي شهدتها الأزمة الانفصالية في كاتالونيا خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت موعد الانتخابات العامة، وما رافقها من تصعيد في مواقف القوى والأحزاب المطالبة بالاستقلال، عادت الاستطلاعات تُظهر صعوداً مطرداً لهذا الحزب. ورجّح بعضها وصوله إلى المرتبة الثالثة بعد الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، مع احتمال تقدّمه على هذا الأخير في بعض الدوائر.
ولا شك في أن من بين التطورات التي ساعدت في هذا الصعود المفاجئ والسريع لليمين المتطرف في الفترة الأخيرة، ما كشفته أجهزة الأمن الإسبانية أخيراً من تحضيرات لتمرّد واسع وأنشطة تخريبية كانت تعدّ لها جماعات انفصالية متطرفة في كاتالونيا. وكانت الشرطة قد ألقت القبض على 9 أفراد اتهموا بالتورط في تلك التحضيرات، وضبطت معهم متفجرات ومخططات لاقتحام مبنى البرلمان الإقليمي ثم احتلاله وإجبار النوّاب على إعلان استقلال الإقليم عن إسبانيا. كذلك أفادت مصادر أمنية بأن التحقيقات أظهرت أن المتهمين كانوا على اتصال وتنسيق مع التيّار الانفصالي الذي يدعم الرئيس الحالي للحكومة الإقليمية كيم تورّا وسلفه الفار من العدالة كارلي بوتشيمون. وكانت حكومة سانتشيز قد تعرّضت لانتقادات شديدة بسبب ما وصفته أوساط المعارضة بأنه «تنازل أمام التصعيد الانفصالي» و«الرضوخ لابتزاز الأحزاب الانفصالية»، طمعاً في الحصول على تأييدها في البرلمان لتشكيل الحكومة.

نكسة لليسار الحاكم
وحقاً، جاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة، يوم الأحد الماضي، على عكس ما كان بيدرو سانتشيز يخطط له استناداً إلى استطلاعات الرأي التي كانت تتوقع زيادة رصيده ومزيداً من الانهيار للحزب الشعبي. فمع أن الحزب الاشتراكي جدّد فوزه بالمركز الأول فإنه خسر 3 مقاعد، وفي المقابل، استعاد الحزب الشعبي 23 من المقاعد التي كان خسرها في الانتخابات السابقة، وتراجع حزب «بوديموس» اليساري، وانهار حزب «مواطنون» - الذي أعلن مؤسسه وزعيمه ألبرت ريفيرا استقالته من منصبه وانسحابه نهائياً من المعترك السياسي. أما الفائز الفعلي الوحيد في هذه الانتخابات فكان حزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي رفع رصيده من مقاعد البرلمان من 24 إلى 52 نائباً، ليغدو القوة السياسية الثالثة في إسبانيا بعد أقل من عام على ظهوره في المشهد السياسي.
التحليلات السياسية الأولى لنتائج هذه الانتخابات عدّت أنها كانت خسارة للمعسكر اليساري على كل الجبهات. فالقوى اليسارية كان بوسعها أن تتحاشى الدعوة لإجرائها لو تمكّنت من التوصّل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية، أو بدعم من «بوديموس»، على أساس برنامج مشترك من غير الدخول في الحكومة، بعد انتخابات أبريل الماضي. هذا، مع العلم أن الاشتراكيين خسروا 3 مقاعد وخسر حزب «بوديموس» 7 مقاعد. يضاف إلى ذلك أن الحزب الشعبي استعاد موقعه في الثنائية التي تتناوب على الحكم منذ عقود بعد اقترابه من الانهيار في الانتخابات السابقة، فضلاً عن الهزيمة القاسية التي مني بها حزب «مواطنون» المعتدل الذي يرى فيه كثيرون الحليف الأمثل للاشتراكيين من أجل تشكيل حكومة مستقرّة تحظى بدعم الدوائر الاقتصادية وترحيب العواصم الأوروبية.
ولكن لا خلاف على أن الخسارة الكبرى التي أصابت المعسكر اليساري في هذه الانتخابات كانت خروج اليمين المتطرف من «قمقم» السياسة الإسبانية بعد أكثر من 4 عقود على رحيل الجنرال فرنكو، الذي كان اليسار يحتفل منذ أسابيع بطي صفحته نهائياً بعد نقل رفاته من المزار التاريخي الذي كان أمر بتشييده إلى مقبرة العائلة.
ويرى مراقبون أيضاً أن هذه الانتخابات كانت أيضاً انتكاسة للنظام الإسباني الذي يسعى لاستعادة استقراره المفقود منذ سنوات، وها هو اليوم يدخل من جديد في نفق مزيد من التشرذم للقوى البرلمانية، في الوقت الذي يرفع فيه الانفصاليون من رصيدهم في كاتالونيا، ويصعد اليمين المتطرف إلى مرتبة القوة السياسية الثالثة بعدما كانت إسبانيا - حتى منتصف هذا العام - الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن ممثلاً في برلمانها.

تفاهم اضطراري
في أي حال، وفي حين كانت إسبانيا تستعد لمسلسل آخر من المفاوضات الماراثونية العقيمة لتشكيل الحكومة الجديدة، وسط توقعات بالعودة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع، حصلت مفاجأة أخرى لم تكن واردة في حسابات أي من الأطراف - بما فيها الطرفان اللذان كانا وراءها - وغطّت على مفاجأة النتيجة التي حصل عليها اليمين المتطرف. إذ ظهر الأمين العام للحزب الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى جانب زعيم حزب «بوديموس» بابلو ايغليزياس يوم الثلاثاء الماضي، أمام الصحافيين في مبنى البرلمان ليشرحا تفاصيل الاتفاق الذي توصلا إليه، بعد 48 ساعة من صدور نتائج الانتخابات، لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي يساري، هو الأول في إسبانيا منذ 80 سنة.
كان أبرز ما في هذا الاتفاق، الذي نضج بسرعة مذهلة على نار مفاجأة صعود اليمين المتطرف، هو أن ما كان متعذراً في الربيع الماضي أصبح الآن ممكناً، بما في ذلك تولّي ايغليزياس منصب نائب رئيس الوزراء الذي كان سانتشيز يرفض مجرد مناقشته في المفاوضات السابقة.
لكن رغم الارتياح الذي عمّ الأوساط التقدمية بعد الإعلان عن الاتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الاشتراكي وحزب «بوديموس»، ما زالت دون تفعيل هذا الاتفاق وتشكيل حكومة تنال ثقة الأغلبية في البرلمان عقبات كثيرة قد لا يكون من السهل تذليلها. فلقد خسر طرفا الائتلاف ما مجموعه 10 مقاعد في البرلمان، ما يستدعي مزيداً من الدعم لتأمين الأغلبية اللازمة. والدعم في الوقت الراهن لا يمكن أن يأتي إلا من الأحزاب الصغيرة مثل الانفصاليين الكاتالونيين أو القوميين الباسك، أو امتناع هذه الأحزاب عن التصويت في جلسة الثقة، شريطة أن يمتنع أيضاً حزب «مواطنون» الذي كان الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات.
ويحاول سانتشيز، منذ إعلانه عن الاتفاق مع «بوديموس»، إقناع حزب اليسار الجمهوري، الذي يمثّل التيّار الانفصالي الكاتالوني - الذي اختار تحاشي الصدام المباشر مع مدريد والإحجام عن إعلان الاستقلال من طرف واحد - بالامتناع عن التصويت في جلسة الثقة، الأمر الذي من دونه يستحيل على الزعيم الاشتراكي تشكيل حكومته.
ويشدّد سانتشيز على أن الحكومة الائتلافية التقدمية التي يسعى إلى تشكيلها، هي الوحيدة القادرة على فتح قنوات الحوار مع الانفصاليين. لكن اليسار الجمهوري الكاتالوني ما زال يصرّ، حتى الآن، على التصويت ضد الحكومة، ويطالب لتعديل موقفه بمائدة حوار بين الأحزاب خارج إطار البرلمان لمناقشة الأزمة في إقليم كاتالونيا.

كيف يرى الحزب الشعبي المرحلة المقبلة؟
> الحزب الشعبي، القوة الرئيسية في معسكر اليمين المعتدل في إسبانيا، كان قد أبقى الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى اتفاق مع الحزب الاشتراكي لتشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة ثنائية أو بمشاركة كل الأحزاب باستثناء الانفصالية منها.
وتعدّ أوساط الحزب أن الاتفاق بين الاشتراكيين وحزب «بوديموس» يرفع الضغط عنهم (أي الشعبيين) ويتيح لهم الانصراف لممارسة معارضة مسؤولة بوجه حكومة الائتلاف التقدمي في حال تشكيلها، وذلك انطلاقاً من كون حزبهم الحزب الشعبي هو البديل الوحيد لمثل هذه الحكومة في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة.
كذلك ترى أوساط الحزب الشعبي، الذي استعاد قدراً ملحوظاً من شعبيته وعزّز موقعه في المعارضة، أن حكومة ائتلاف تقدمي تهديه فرصة ذهبية لاستعادة الأغلبية في البرلمان عند أول استحقاق انتخابي، لا يستبعد أن يكون قبل نهاية الولاية التشريعية الراهنة، وهذا في ظل الأزمة الانفصالية المرشّحة لمزيد من التصعيد والتفاقم في كاتالونيا، وما تحمله من ترسبات الخلافات السابقة بين طرفيها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.