هل بدأت جائزة نوبل تخرج عن تحيزها السياسي؟

بعد فوز الروائي الفرنسي باتريك موديانو بها هذا العام

باتريك موديانو
باتريك موديانو
TT

هل بدأت جائزة نوبل تخرج عن تحيزها السياسي؟

باتريك موديانو
باتريك موديانو

دعوني أعترف لكم في البداية بأنني سعيد لحصول باتريك موديانو على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام. في الحقيقة ربما يكون اختيار موديانو إشارة إلى أن أكاديمية نوبل بدأت تخرج من ضباب التحيز السياسي الذي أثر على قراراتها منذ عقود.
منذ التسعينات على الأقل كانت جائزة نوبل غالبا ما تذهب إلى كتاب وشعراء ذوي انتماءات سياسية معينة. كان عليهم أن يكونوا على الأقل من اليسار المعتدل، ومعادين للولايات المتحدة بوضوح، ومعروفين بين نخبة من المتخصصين وليس الجمهور بأسره. وفيما عدا استثناءات قليلة، كانت تلك الشروط تنطبق على جميع الفائزين، ومن بينهم جان ماري غوستاف لوكليزو، آخر كاتب فرنسي يفوز بالجائزة في عام 2008.
في المقابل، لا يتسم موديانو بأي من تلك الأمور؛ فهو كاتب أولا وأخيرا. وفي ظل ابتعاده عن السياسة السائدة، لا يمكن تصنيفه بأنه ينتمي إلى «اليمين» أو «اليسار». كذلك لا يمكن الشك في أنه معاد للولايات المتحدة، على الأقل لأنه ذكي بما يكفي لمعرفة أن المرء لا يستطيع أن يكون مع أو ضد دولة ما طول الوقت في جميع القضايا. ولعل الأهم من ذلك هو أن موديانو الذي يحظى بتقدير النقاد، ومن بينهم النخبة الباريسية، من أصحاب أفضل الكتب مبيعا منذ أكثر من 3 عقود.
يستحق كاتب حقيقي تحقق كتبه أعلى مبيعات أن يتم الاحتفاء به تماما كما فعلت أكاديمية نوبل مع موديانو.
تعرفت على موديانو لأول مرة في عام 1978 عندما صدرت روايته «شارع المتاجر المظلمة» المترجم بالإنجليزية بعنوان «شخص مفقود». في ذلك الوقت كان هناك إجماع في الأوساط الأدبية في باريس على أن الرواية الفرنسية، والرواية في العموم، انتهت على الأقل في صورتها الكلاسيكية. وبدا أن كُتابا مثل فرنسوا مورياك وأندري جيد وحتى ألبير كامو، وجميعهم حازوا جائزة نوبل في الأدب، ينتمون إلى عصر منصرم. في ذلك الوقت كان السائد هو «الرواية الفرنسية الجديدة»، وهي سلسلة من الأعمال التي تنشرها دار «إديسيون دي مينوي» في باريس. وهنا تكمن الفكرة في الابتعاد عن سرد أي قصة على الإطلاق، بل التركيز على تحليل التجربة الإنسانية من خلال اللعب باللغة. وكان أكبر ما يميز «الرواية الجديدة» هو أن القارئ يجب أن لا يفهمها مع الادعاء بأن بها عمقا يفوق الاستيعاب البشري.
من بين منتجي «الرواية الجديدة»، الذين اعترض على وصفهم بالروائيين، ألان روب غرييه النابض بالحيوية، وملكة الغرابة نتالي ساروتي، وعلى مستوى أعلى ميشال بوتور وكلود سيمون، الذين اقتربوا من كونهم كُتابا جادين.
وكان هناك موديانو الشاب الخجول في ذلك الوقت، الذي ولد في عام 1945، في ضاحية بولون بيلانكور الصناعية في باريس، والذي كان من الواضح أنه يسبح ضد التيار الأدبي السائد.
في البداية، أراد موديانو أن يروي قصة تحمل تحولات ومنعطفات مما يحولها في بعض الأحيان إلى قصة تشويق. في هذه القصة كان غاي رولاند الذي يعمل في وكالة تحقيقات خاصة، يحاول جمع خيوط قصة حياة دفنت تحت أنقاض الزمن. وكان العمل يبعث على التشويق لدى القارئ الذي لا يتوقف عن ترديد السؤال السحري: ماذا حدث بعد ذلك؟ لم تكن هذه الرواية مثل كتب روب غرييه التي يمكن أن يتركها القارئ أو يكمل قراءتها في أي وقت وفي أي مرحلة من دون أن تكون لديه أدنى نزعة لمعرفة ماذا سيحدث بعد ذلك، لأنه لا يوجد شيء يحدث مطلقا.
كان أسلوب موديانو غير نمطي لسبب آخر. كان يكتب نصا فرنسيا كلاسيكيا منضبطا يبتعد تماما عن التلاعب السائد بالكلمات في ذلك العصر مع تجنب التجريب اللغوي الذي مارسه مؤلفون مثل أنطوان بلوندين في «قرد في الشتاء». كان هناك عنصر ثالث في شخصية موديانو كمؤلف. كان كاتبا بدوام كامل. فلا تراه في حفلات أدبية أو في التلفزيون أو عضو هيئة تحكيم في مهرجانات للسينما. حتى عندما تدعوه إلى الغداء يتردد في قبول الدعوة التزاما بالقول المأثور: «إما أن تخرج لتناول الغداء أو تكتب الأدب».
رغم أن كثيرا من النقاد الفرنسيين قرروا تجاهل موديانو ببساطة، فإن «شخص مفقود» استطاعت الحصول على جائزة غونكور، أكبر جائزة مرموقة في الأدب الفرنسي.
أكد بعض النقاد على أنه سيكون مؤلف الرواية الواحدة، وسريعا ما سيطويه النسيان. ولكن خشي آخرون من أنه تحت أضواء الشهرة والثروة سوف يستغل ذلك بإنتاج روايات بسرعة ترضي الناشرين. وتم تجاهل حقيقة أن «شخص مفقود» هي رواية موديانو السادسة، مما يعني أنه اختار طريقه بالفعل. وثبت أنهم على خطأ. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، كان موديانو يخرج من شرنقته برواية جديدة كل عامين أو ثلاثة، وكانت كل رواية يكتبها بمثابة خطوة نحو نضوج بطيء ولكنه مستمر في فكره وأسلوبه.
من ناحية الموسيقى، يمكن وصف أعمال موديانو بأنها موسيقى الغرفة. لا يعد أسلوبه ملحميا، بل هو في الحقيقة يبتعد عن الموضوعات التي تحمل مبالغة، كما أنه يهتم بالتفاصيل التي لا تحصى ولا تعد في تشكيل الوجود البشري على مدار أعوام أو عقود. وإذا كان موسيقيا فيمكنه أن يكون كوريلي، وليس فاغنر بالتأكيد.
تتعلق فكرة موديانو الرئيسة بالهوية المفقودة والمكتشفة والمفقودة من جديد.
وفي روايته 1996 «بعيدا عن النسيان» (التي ترجمت بالإنجليزية إلى «خارج من الظلام») يتذكر الراوي قصة حب قصيرة حدثت قبل 30 عاما أعادت تشكيل حياته بأسرها. وبعد 15 عاما من انفصاله عن حبيبته الغامضة جاكلين، يتقابل الاثنان مرة أخرى.
ولكن في هذه المرة أنكرت جاكلين حتى أنها تعرفه. وفيما يشبه الحلم، يتساءل الراوي ما إذا كان هو الشخص الذي يفكر في أنه هو، وما إذا كانت جاكلين موجودة من الأصل.
ولكن فكرة رئيسة أخرى في أعمال موديانو هي الاعتقاد بأن الشيء الذي تم لا يمكن الرجوع فيه، وأننا جميعا، والوجود ككل، جزء من قصة تروى وتعاد روايتها. يقترب موديانو من مفهوم نيتشه عن «العودة الأبدية» الذي يقول بأن ما يحدث يتكرر حدوثه إلى ما لا نهاية.
ربما تكون هذه هي الروح التي كتب بها موديانو روايته الأولى «ميدان النجم» التي رسم فيها الشخصية المحورية على نمط والده اليهودي الإيطالي الذي يزعم تعاونه مع النازيين أثناء الاحتلال الألماني لباريس. أثار الكتاب غضب والد موديانو إلى درجة أنه حاول شراء جميع النسخ البالغ عددها 500 نسخة، لمنع أي شخص من قراءتها. وفي مرحلة ما، اتصل موديانو الأب بالشرطة وطلب منهم اعتقال ابنه. ولكن من حسن الحظ أن ذلك لم يحدث.
تقتصر لوحات موديانو عمدا على باريس، المدينة التي أصبحت موقعا لجميع روايته، رغم أنها أيضا تستخدم قاعدة انطلاق في السفر، الذي دائما ما يكون بحثا عن الهوية، إلى كثير من الأماكن الأخرى من روما إلى بنسلفانيا. يفضل موديانو أن يقول: «من دون باريس لم أكن لأصبح كاتبا. أي شخص يعيش في هذه المدينة بالفعل في طريقه لأن يصبح كاتبا!».
ومع ذلك، كانت باريس، التي يتحدث عنها موديانو، محدودة بصورة أكبر في بعض الأحيان، حيث يركز على الجانب الأيسر من نهر السين، حيث كان يقيم بالقرب من كنيسة سان سولبيس، التي كانت موقعا لرواية دان براون «شفرة دافنشي»، في قلب الحي اللاتيني.
يقول موديانو إنه يدين بالفضل في ارتباطه باللغة الفرنسية الكلاسيكية إلى ريمون كينو المؤلف الشهير أيضا، الذي كان مدرسا للرياضيات في مدرسة موديانو الثانوية. أخبر كينو موديانو أنه لن يصبح عالم رياضيات جيدا، ولكنه يملك إمكانية لأن يصبح كاتبا عظيما.
يقول موديانو إنه كان متأثرا على الدوام بطفولته المضطربة التي مرت بفترة طويلة من اختفاء والده، ووفاة شقيقه روبي في عمر 10 أعوام، ومعاناة والدته البلجيكية، وهي القصة التي رواها في «مسألة نسب»، وهي نوع من المذكرات التي نشرت في عام 2005.
يشار إلى أن موديانو حاول أيضا كتابة سيناريوهات أفلام، وإن لاقت نجاحا محدودا. بيد أنه اكتشف ذاته ككاتب تحقيقات قوي في عمله الذي يجمع بين كونه رواية وتحقيقا «دورا برودر» الذي صدر في عام 1977. وفيها يحقق في حادث اختفاء فتاة يهودية في برلين في عام 1941 كما ورد في إعلان صغير في إحدى الصحف. أين ذهبت المراهقة دورا؟ ماذا حدث لها؟ ويبدأ الراوي في تحقيق مفصل يستخدم فيه قدرا ضئيلا للغاية من المعلومات. وبهذا يتصالح مع «سنواته الضائعة». فما الذي يحدث؟ وما الذي سيحدث بعد ذلك؟
حسنا، ينبغي عليك أن تقرأ لموديانو.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».