إصابة محتملة بـ«إيبولا» في باريس.. وإسبانيا تنشئ لجنة خاصة للأزمة

الخوف من الفيروس القاتل تسبب في كثرة الإنذارات الخاطئة والإشاعات في كثير من الدول

عاملون في القطاع الطبي بمدريد يحتجون على رئيس الوزراء الإسباني راخوي أثناء زيارته لمستشفى كارلوس الثالث أمس (أ.ب)
عاملون في القطاع الطبي بمدريد يحتجون على رئيس الوزراء الإسباني راخوي أثناء زيارته لمستشفى كارلوس الثالث أمس (أ.ب)
TT

إصابة محتملة بـ«إيبولا» في باريس.. وإسبانيا تنشئ لجنة خاصة للأزمة

عاملون في القطاع الطبي بمدريد يحتجون على رئيس الوزراء الإسباني راخوي أثناء زيارته لمستشفى كارلوس الثالث أمس (أ.ب)
عاملون في القطاع الطبي بمدريد يحتجون على رئيس الوزراء الإسباني راخوي أثناء زيارته لمستشفى كارلوس الثالث أمس (أ.ب)

عززت أوروبا إجراءات الوقاية في مواجهة احتمال انتشار «إيبولا»، بينما تحدثت إذاعة فرنسية عن احتمال تسجيل إصابة بالفيروس في باريس، أمس، تزامنا مع مراقبة وضع المرأة التي تأكدت إصابتها بالمرض في إسبانيا، لتكون بذلك أول مريضة خارج أفريقيا تصاب بالحمى النزفية التي يسببها الفيروس.
وقالت إذاعة «أوروبا 1» الفرنسية، أمس، على موقعها على الإنترنت أن امرأة يُشتبه في أن الفيروس القاتل انتقل إليها في أفريقيا وضعت في غرفة معقمة بمستشفى بيشا في شمال باريس، وأنه من المتوقع ظهور نتائج الاختبارات في غضون 12 ساعة لتحديد ما إذا كان هناك عدوى محتملة. لكن وزارة الصحة قالت إنه لم يجرِ التعرف على أي حالة مؤكدة للإصابة بالمرض في البلاد.
وذكرت وزيرة الصحة ماريسول تورين أن أي حالة مؤكدة للإصابة بـ«إيبولا» سيجري الإعلان عنها فورا. وأعيدت ممرضة الفرنسية أصيبت خلال مهمة مع منظمة أطباء بلا حدود في ليبيريا، في الآونة الأخيرة، إلى مستشفى قرب باريس، وعولجت بنجاح.
وتحدثت وكالات أنباء عن اعتزام السلطات الفرنسية الإعلان عن إجراءات جديدة لمنع انتشار الفيروس. وبعد حالة هلع في مدرسة ابتدائية تستقبل أطفالا قدموا من غينيا، أغلق مبنى عام في إحدى ضواحي باريس، أول من أمس، لساعة ونصف الساعة، إثر توعك فتى قدم هو أيضا من غينيا. وقد تبين أنه إنذار خاطئ.
وفي مدريد، أكد رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي أنها «لحظة صعبة ومعقدة»، وذلك بعد زيارته مساعدة الممرضة تيريزا روميرو (44 عاما) التي أدخلت المستشفى، الاثنين الماضي، وأصبحت أمس في «حالة خطيرة لكن مستقرة»، كما أعلنت الناطقة باسم مستشفى كارلوس الثالث في مدريد.
وكانت تقارير أفادت بأن المرأة المصابة تصارع الموت. ومن جهتها، أعلنت الحكومة الإسبانية إنشاء لجنة وزارية خاصة لإدارة أزمة «إيبولا». وتضم اللجنة وزارات الصحة والخارجية والدفاع والداخلية. وقالت نائبة رئيس الحكومة ثريا سانز دي سانتاماريا، في مؤتمر صحافي، إن لجنة علمية جديدة حول فيروس «إيبولا» ستقوم بمساعدتها. وقال راخوي: «إنني مقتنع تماما بأننا سنفعل كل ما يتوجب علينا القيام به» لتجاوز الأزمة. وفي المجموع، أدخل 14 شخصا إلى هذا القسم المتخصص في المستشفى، في إطار إجراءات وقائية، بعدما عبر هذا المركز عن استعداده لقبول الأشخاص المعرضين للإصابة، إذا رغبوا في ذلك.
وأثار تسجيل الإصابة المؤكدة في إسبانيا وانتشار الوباء في غرب أفريقيا قلقا دوليا، مما أدى إلى كثرة الإنذارات الخاطئة، وتكشف الإشاعات إدخال أشخاص إلى المستشفيات وقائيا في كثير من الدول.
وفي روما، قالت وزارة الصحة الإيطالية أمس، إن وزراء الصحة بالاتحاد الأوروبي سيعقدون اجتماعا طارئا الأسبوع المقبل في بروكسل لبحث زيادة الإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشي فيروس إيبولا. وقال بيان صادر من إيطاليا التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي في الفترة الحالية إن الاجتماع سيعقد في 16 أكتوبر، وسيتم بحث تعزيز الإجراءات في المطارات وتشديد عمليات فحص المسافرين المقبلين من الدول التي تفشى بها الفيروس. وأضاف البيان أن الهدف من الاجتماع هو «زيادة القدرة على مواجهة وباء إيبولا والحد من خطر تفشيه في أوروبا».
وأدخل عدد كبير من الأشخاص المستشفيات في أوروبا، لكن «إيبولا» يواصل انتشاره في أفريقيا. وكشفت منظمة الصحة العالمية أن حصيلة ضحايا إيبولا تجاوزت عتبة 4 آلاف وفاة وفق آخر حصيلة نشرتها أمس. وقالت المنظمة إنه جرى حتى 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تسجيل 8399 إصابة في 7 بلدان وأدت إلى وفاة 4033 شخصا.
وينتقل فيروس «إيبولا» الحمى النزفية الذي ظهر أول مرة في مارس (آذار) الماضي بغرب أفريقيا، من خلال الاتصال المباشر مع سوائل جسم شخص مصاب. ويعاني المصابون من نوبات حادة من القيء والإسهال.
وبينما يكاد المركز الرئيس التابع لمنظمة «أطباء بلا حدود» لمعالجة الأمراض يقترب من «الامتلاء الكامل» في غينيا، بدأ موظفو الصحة في ليبيريا، يوم أمس، تحركا للمطالبة بتعويض عن الخطر.
وأعلنت الحكومة الليبيرية منع دخول الصحافيين إلى مراكز علاج المرضى، لتغطية إضراب في مشفى في مونروفيا، متهمة وسائل الإعلام بـ«تجاوز الحدود». وقال الناطق باسم الحكومة إسحق جاكسون إن الصحافيين «ينتهكون خصوصية الناس، ويلتقطون الصور لبيعها للمؤسسات الدولية. ونحن سنوقف كل ذلك».
وفي مانيلا، أعلن وزير الصحة الفلبيني إنريكي أونا أن بلاده تدرس إرسال عدد من العاملين في القطاع الصحي إلى غرب أفريقيا، للمساعدة على مكافحة وباء «إيبولا». وقال إن الولايات المتحدة وبريطانيا طلبتا من مانيلا تقديم «موارد بشرية» لمكافحة الوباء.
كما قررت لندن تعزيز عمليات الكشف عن الأمراض في مطاري هيثرو وغاتويك، عبر طرح أسئلة على المسافرين عن الدول التي زاروها أخيرا. وقد تتخذ الإجراءات شكل مراقبة طبية.
وأعلن متحدث باسم رئاسة الوزراء البريطانية في بيان أن «عملية الكشف والمراقبة المشددة ستشمل في البداية مطاري هيثرو وغاتويك وقاعات يوروستار» في لندن، بالنسبة للأشخاص القادمين من ليبيريا وسيراليون وغينيا.
وتتمثل هذه الإجراءات في سؤال الركاب عن رحلاتهم الأخيرة، والأشخاص الذين التقوا بهم إثر سفرهم. وقد تتخذ أيضا شكل فحص يجريه الجهاز الطبي، وليس الخدمات الحدودية.
وأوضح المتحدث أن الركاب سيتلقون أيضا نصائح بشأن الإجراءات التي يجب أن تُتخذ إذا ظهرت عليهم الأعراض لاحقا.
وأضاف المتحدث أن «هذه الإجراءات ستساعد في تحسين قدرتنا على رصد وعزل حالات الإصابة بفيروس (إيبولا). لكن من المهم أيضا الإشارة إلى أنه نظرا لطبيعة هذا المرض لا يوجد نظام يوفر حماية بنسبة 100%».
وأوضح أيضا أن الخطر على العامة لا يزال «منخفضا جدا» في بريطانيا، في حين تتعاظم المخاوف في العالم من انتشار هذا المرض، الذي يرى المتخصصون أنه لا يقل خطورة عن الإيدز.
وفي إسبانيا، عقدت وزيرة الصحة، أمس، اجتماعا مع مسؤولي هذا القطاع في مناطق البلاد الـ17 التي تدير كل منها الشؤون الصحية بشكل مستقل. ويشعر المقربون من الممرضة المصابة بالخوف من العدوى، بينما حذرت الشرطة من الأخبار الكاذبة، التي يجري تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي. وتجري مراقبة 5 أشخاص لم تظهر عليهم أي أعراض، بعضهم بناء على طلبهم، بعدما كانوا على اتصال مع مساعدة الممرضة المصابة أو مع واحد من الراهبين الإسبانيين المصابين بالفيروس، اللذين توفيا بعد إعادتهما إلى إسبانيا في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين. وبين الـ5 قيد المراقبة زوج المريضة والطبيب الذي استقبلها صباح الاثنين في قسم الطوارئ، من مستشفى قريب من منزلها في ألكوركون جنوب مدريد. كما يخضع للمراقبة رجلان وامرأة، بينهم سائق سيارة الإسعاف الذي نقل إلى المستشفى، أول من أمس.
وأعلن المستشفى من جهة أخرى نقل 18 مريضا كانوا في الطابق الرابع إلى أقسام أخرى، مبررا ذلك بالحاجة إلى إيجاد مساحة أوسع حتى يتمكن الأطباء والممرضون من العمل، وليس بتوقع وصول أشخاص جدد قد يكونون مصابين.



تحفظات في المفوضية الأوروبية على خطوة إسبانيا نحو تسوية وضعية نصف مليون مهاجر

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
TT

تحفظات في المفوضية الأوروبية على خطوة إسبانيا نحو تسوية وضعية نصف مليون مهاجر

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا (رويترز)

أبدى مسؤولون داخل المفوضية الأوروبية تحفظات على قرار الحكومة الإسبانية تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي في خطوة لتعزيز «النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي».

ونقلت شبكة «يورو نيوز» الأوروبية عن مسؤولين في بروكسل قولهم إن قرار مدريد لا يتوافق مع المعايير الجديدة التي صادق عليها الاتحاد الأوروبي اليوم فيما يرتبط بالهجرة واللجوء.

وقال مسؤول للشبكة: «لا يتماشى هذا مع روح الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة»، بينما ذكر مسؤول آخر أن «تسوية أوضاع المهاجرين على نطاق واسع قد يبعث برسالة مختلفة عن تلك التي يريد الاتحاد الأوروبي توجيهها للحد من الهجرة غير النظامية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويشمل قرار الحكومة الإسبانية الذي أعلنت عنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، الأشخاص الذين دخلوا البلاد قبل 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025 وأقاموا في إسبانيا لمدة خمسة أشهر على الأقل، أو أن يكونوا قد تقدّموا بطلب لجوء قبل نهاية عام 2025.

ويتيح القرار للمستفيدين في مرحلة أولى الحصول على تصريح إقامة لمدة عام واحد وحق العمل في أي قطاع في جميع أنحاء إسبانيا.

ويخشى المسؤولون في المفوضية الأوروبية من أن يدفع هذا القرار المهاجرين الذين جرى تسوية وضعياتهم، إلى محاولة الانتقال لدول أخرى داخل الاتحاد للاستقرار بها دون تصاريح.

وتأتي التحفظات الأوروبية في وقت صادق فيه البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، على خطة لتسريع عمليات الترحيل للاجئين الذين رُفضت طلباتهم إلى «دول المنشأ الآمنة»، وهو التصنيف الذي أقرته الدول الأعضاء اليوم ويشمل تونس ومصر والمغرب وكوسوفو وبنغلاديش وكولومبيا والهند وألبانيا وتركيا.


اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
TT

اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)

اشتبك متظاهرون مناهضون للحكومة، مساء اليوم الثلاثاء، مع ​الشرطة في العاصمة الألبانية تيرانا، حيث تجمع الآلاف للمطالبة باستقالة نائبة رئيس الوزراء بسبب مزاعم بالفساد.

ووفقاً لـ«رويترز»، ألقى المتظاهرون زجاجات مولوتوف على مبنى حكومي وردت الشرطة باستخدام خراطيم ‌المياه في ‌أحدث سلسلة ‌من ⁠الاحتجاجات ​العنيفة ‌التي تشكل تهديداً لسلطة رئيس الوزراء إدي راما الذي يتولى المنصب منذ 2013.

وتصاعد التوتر السياسي منذ ديسمبر (كانون الأول) بعد أن وجه الادعاء العام ⁠اتهامات إلى نائبة رئيس الوزراء ‌بليندا بالوكو بتهمة التدخل ‍في المناقصات ‍العامة لمشاريع البنية التحتية ‍الكبرى، وتفضيل شركات معينة، وهي اتهامات تنفيها بالوكو.

وحمل آلاف المحتجين في ميدان رئيسي في ​تيرانا أعلاماً ولافتات، ورددوا هتافات: «راما ارحل، هذه الحكومة ⁠الفاسدة يجب أن تستقيل».

وطلب الادعاء من البرلمان رفع الحصانة عن بالوكو هذا الأسبوع حتى يتسنى للسلطات القبض عليها.

وليس من الواضح ما إذا كان البرلمان، حيث يتمتع حزب راما الحاكم بالأغلبية، سيصوت على القرار وموعد ‌ذلك التصويت.


ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
TT

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

يواجه التحالف عبر الأطلسي أزمة حقيقية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت القوة الأميركية توحيد أوروبا وتكاملها، وهو ما يعدّ، بلا شك، أعظم إنجازات واشنطن في السياسة الخارجية. إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوضحت جلياً أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بدور الضامن لأمن أوروبا. فقد هددت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف الناتو، وخفّضت دعمها العسكري لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى «مقاومة المسار الحالي لأوروبا».

مصافحة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته في كييف الثلاثاء (أ.ف.ب)

أوروبا وحيدة

الرسالة واضحة لا لبس فيها؛ لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها. ولأول مرة منذ 8 عقود، تقف أوروبا وحيدة في مواجهة المخاطر.

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قال المحلل السياسي ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الدول الأوروبية تجد نفسها الآن عرضة للعدوان الروسي. وينبغي لهذا الخطر أن يحفز القادة الأوروبيين على تبني مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم، لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية أي ثورة من هذا القبيل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي قبل اجتماع وزراء خارجيته بمقره في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

فرغم اتفاق دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لن يكفي الإنفاق وحده لتحقيق الأمن. فالمشكلة هيكلية، وليست مالية. فالجيوش الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة.

ويدرك القادة الأوروبيون تماماً اعتمادهم على واشنطن في حماية بلادهم، لكنهم ينكرون ما يجب عليهم فعله للخروج من هذه الحالة. وتكمن العقبة الكبرى في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية، وليست أوروبية. فالحكومات الأوروبية ترغب في الحفاظ على سيادتها على جيوشها، وقد ترددت في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي. لكن هذا التركيز على السيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق، وهي أن الدول الأوروبية ليست، ولم تكن، ذات سيادة في مجال الدفاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد اعتمدت على الولايات المتحدة، وهي قوة أجنبية، لحمايتها.

الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع

والآن، مع تخلي هذه القوة الأجنبية عنها، فإن أفضل وسيلة للدول الأوروبية للدفاع عن نفسها دون دعم واشنطن هي دمج جهودها الدفاعية. وعليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى، وهو تفعيل الاتحاد الأوروبي. لقد حان الوقت لأن يصبح الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع الأوروبية.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت واشنطن نفسها في مأزق، حيث كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأميركية إلى أراضيها، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفياتي شديداً للغاية بحيث لا يمكن للأميركيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي.

لم يكن حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تم تشكيله هو المفضل لواشنطن حيث اعتبره المسؤولون الأميركيون، وفقاً للمؤرخ ستين رينينج، «إجراء مؤقتاً ريثما تتحسن أوضاع أوروبا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة عالميين خلال قمة «ناتو» في لاهاي (أ.ب)

فقد كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح «قوة ثالثة» قادرة على مواجهة الاتحاد السوفياتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة. وعندما نشبت الحرب في شبه الجزيرة الكورية في يونيو (حزيران) 1950، وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة منخرطة في تلك الحرب. ومع تشتت القوات الأميركية، أصبح احتمال حدوث غزو سوفياتي لأوروبا واقعاً ملموساً.

اتفاقية 1952 حبر على ورق

لذلك، ولتسريع توحيد أوروبا، اقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفان إنشاء جيش أوروبي موحد. وكانت الحجة أنه إذا كانت أوروبا الغربية قوية بما يكفي لردع الاتحاد السوفياتي، فسيتيح ذلك للولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري من القارة. وبدعم قوي من إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، والجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو آنذاك، وقّعت 6 دول من أوروبا الغربية، وهي بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا، معاهدة في مايو (أيار) 1952 لإنشاء جيش مشترك بميزانية ومجلس حاكم وجمعية استشارية ومحكمة مشتركة. إلا أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ أبداً.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، ومع وجود الناتو، لم تشعر أوروبا بالحاجة إلى توحيد صفوفها عسكرياً، حيث منح الحلف الدول الأوروبية الشعور الكاذب بالسيادة على الدفاع الوطني. فمن الناحية الرسمية، لكل دولة في الناتو رأي متساوٍ في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات للحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة. لكن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة القرار النهائي. فإذا ما اندلعت حرب، كان كل قادة أوروبا يدركون أن أميركا هي من ستقود الحرب.

تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصحافة خلال إعلان رسمي أثناء زيارته مصنع قطع غيار سيارات في وودبريدج في شهر فبراير (أ.ب)

وفي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينات، حيث تواجه روسيا العدوانية، بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب من القارة الأوروبية. وبات لزاماً على أوروبا الآن افتراض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أميركي. وبالطبع يمكن لأوروبا التغلب على هذا التحدي، لكنها تحتاج أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع، التي تضم نحو 30 جيشاً مختلفاً، بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معاً.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مشاركتهما في المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس (أ.ب)

وفي حين يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات من الناحية النظرية، فإنه من دون الولايات المتحدة سيكون مجرد هيكل فارغ. فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأميركية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. كما أن جيوش أوروبا تفتقر إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جواً، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فقد صممت الجيوش الأوروبية لتكون بمثابة قوات مساعدة في جهد حربي تقوده الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو.

إن تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضاً أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن مثل هذه السياسات غالباً ما تكون غير شعبية محلياً.

في الوقت نفسه، لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفاعلية لأي عدوان روسي بمفردها. ففرنسا وبريطانيا تعانيان من عجز كبير في الميزانية، ما يحدّ من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدّت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، إذ يصعب على بريطانيا اليوم نشر 25 ألف جندي في شرق أوروبا.

ألمانيا العمود الفقري العسكري لأوروبا

أطماع ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

في المقابل، بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضخّ تمويلات ضخمة في الدفاع، وتملك برلين القدرة على أن تكون بمثابة العمود الفقري العسكري لأوروبا، لكن تاريخ البلاد ما بعد الحرب من نزعة سلمية ونفور من القوة العسكرية يجعل الاعتماد على نهضة عسكرية ألمانية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

وفي حين يمتلك الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 450 مليون نسمة واقتصاداً بحجم اقتصاد الصين تقريباً من الثروة والقدرات المادية، ما يكفي للدفاع عن نفسه، فإنه يقصر في استغلال تلك المزايا. ويحتاج الأوروبيون إلى التخلي عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودهم في كيان عسكري موحد يتولى الدفاع عن الأمن الأوروبي كله، في إطار الاتحاد الأوروبي نفسه. فعلى عكس حكومات الدول الفردية، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من المصالح الوطنية فقط.

جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدية» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز في بولندا 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

في الوقت نفسه، يريد المواطنون الأوروبيون قيام الاتحاد الأوروبي بالدور الدفاعي وعدم الاقتصار على الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي، كما هو الحال الآن. فالاتحاد هو المؤسسة الحاكمة الأكثر ثقة في القارة، أكثر من أي دولة عضو أخرى.

ووفقاً لاستطلاع «يورو باروميتر» لعام 2025، يشعر نحو 80 في المائة من الأوروبيين بالقلق بشأن أمن الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة، ويؤيدون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة. كما أيّد حزب الشعب الأوروبي، المنتمي ليمين الوسط وأكبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2024

وقال روب جيتن، رئيس الوزراء الهولندي المنتخب، خلال حملته الانتخابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنه يريد منح «الاتحاد الأوروبي القوة والموارد اللازمة للقيام بما يطالب به المواطنون في جميع أنحاء أوروبا؛ الدفاع عن أراضينا ضد عدوان بوتين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

نهاية الناتو!

إن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لن يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية. وسينصبّ تركيز الاتحاد الأوروبي على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية، أي العمل كمركز قيادة أوروبي. ستدمج بروكسل العديد من وظائف مكاتب المشتريات الوطنية، وتدير عمليات الاستحواذ الكبرى، بالإضافة إلى دمج وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء الـ27.

من الناحية المثالية، سيظل حلف الناتو القيادة القتالية لأوروبا، منسقاً ومنفذاً للمهام. ومع ذلك، ينبغي تعزيز الطابع الأوروبي للحلف، خاصة مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحلف، وينبغي على الأوروبيين اقتراح تولي المناصب العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلف، الذي شغله أغلب الوقت أميركي. ستظل الجيوش الوطنية، وخاصة جيوش دول المواجهة والقوى العسكرية التقليدية، بمثابة حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي. لكن هذه القوات ستخضع لعملية تعزيز أوروبية من قبل الاتحاد الأوروبي.

جنود أميركيون من «المارينز» يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز)

أخيراً، يجدر بالأوروبيين أن يتذكروا سبب انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي في المقام الأول. فرغم تردد الدول الأوروبية الصغيرة في التخلي عن سيادتها لصالح سلطة اتحادية أوروبية، أدركت أنها لن تستطيع البقاء بمفردها، وأنها أصبحت أقوى عندما تجمعت معها. ولاحظ المؤرخ آلان ميلوارد، أن المجموعة الأوروبية، بدلاً من أن تقضي على كل دولة، كانت «دعامة لها، وجزءاً لا غنى عنه من إعادة بناء الدولة القومية بعد الحرب». ومع تراجع الولايات المتحدة، أصبحت الدول القومية الأوروبية مهددة، لكنها تستطيع تأمين مستقبلها من خلال تفعيل ما أنشئ المشروع الأوروبي من أجله، وهو بناء قوة القارة.