عراقي يكشف لـ («الشرق الأوسط») عن قصة انتمائه وهروبه من «داعش»

قال: خدعونا بأنهم سيحققون مطالبنا الوطنية

عناصر «داعش» لدى دخولهم مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط»)
عناصر «داعش» لدى دخولهم مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط»)
TT

عراقي يكشف لـ («الشرق الأوسط») عن قصة انتمائه وهروبه من «داعش»

عناصر «داعش» لدى دخولهم مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط»)
عناصر «داعش» لدى دخولهم مدينة الفلوجة («الشرق الأوسط»)

تتداخل حدود المناطق الغربية للعاصمة العراقية بغداد مع حافات البلدات التي توجد فيها عناصر تنظيم «داعش»، وربما تعد بلدة أبو غريب، غرب بغداد، هي المنطقة الأكثر أمنا قبيل الوصول إلى الكرمة أو الفلوجة، التابعتين لمحافظة الأنبار، اللتين يسيطر عليهما «داعش»، وهناك محاذير كبيرة للاقتراب من هذه المناطق أو من بلدة الضلوعية التابعة لمحافظة صلاح الدين حيث تسخن المعارك بين القوات العراقية والتنظيم المسلح. وللوصول إلى أي من هذه المناطق لا بد من التنسيق مع قيادات في الجيش العراقي والمرور بسلسلة من الاتصالات لتكون الرحلة آمنة.
لكن هذا لم يمنع «الشرق الأوسط» من الوصول إلى إحدى المناطق القريبة من وجود «داعش» على جهة بلدة الكرمة وبضمانات من أشخاص موثوقين للقاء أحد أبناء عشائر الأنبار الذي كان يقاتل إلى جانب من يسمونهم بـ«الدواعش» قبل أن ينسلخ عنهم ويعود إلى أهله «نادما» على حد تعبيره، ولتتقبله عشيرته بعد أن تأكدت أنه «لن يتورط بدم أي من أبناء العشائر الأخرى و(ما مطلوب) دم»، مثلما أوضح أحد أبناء عمه الذي سهل لنا اللقاء بـ«الداعشي» السابق والنادم طاهر غانم الدليمي (46 عاما)، مثلما قدم لـ«الشرق الأوسط» نفسه، منتظرا أن «تتم تبرئته تماما وألا تطالب عشيرته بالثأر من قبل أي عشائر أخرى»، مثلما أكد ابن عمه، مشيرا إلى أن «مجتمع محافظة الأنبار عشائري تماما، وقوانين وأعراف العشائر هي السائدة أكثر من سيادة قوانين الدولة».
الدليمي قال «كنت مقاتلا في المقاومة ضمن كتائب ثورة العشرين إبان احتلال القوات الأميركية للعراق وخاصة في الفلوجة، وقد أبلينا بلاء مشرفا من أجل تحرير العراق من الاحتلال»، منبها إلى أن «المقاومة حق شرعي ووطني وواجب يفرض علينا كمسلمين وعراقيين، وكذلك كأبناء عشائر من أجل الدفاع عن قيمنا وشرفنا».
وعن الطريق الذي قاده إلى الانتماء إلى «داعش» وسبب ذلك، قال «بعد خروج القوات الأميركية من العراق زادت الحكومة العراقية من ضغوطها وتهميشها ومحاربتها لأهل السنة ومدنهم حيث الاعتقالات العشوائية والمخبر السري وتهميش المحافظات الغربية وتسليط قوات ضباطها طائفيون على مناطقنا مما أدى إلى احتقان كبير وصل إلى حد التظاهر والاعتصام في الرمادي والفلوجة والموصل وسامراء والحويجة، وقد التحقت مثل غيري باعتصامات الرمادي التي واجهتها الحكومة بالإهمال أولا ثم هاجمتها عسكريا بعد أن كان الجيش قد هاجم اعتصامات الحويجة وقتل العشرات من المعتصمين»، يستطرد قائلا «هنا كانت نقطة التحول في اتجاهاتي واتجاهات الكثير من أهالي الأنبار والفلوجة والموصل وصلاح الدين حيث عددنا هذه التصرفات التي انتهجتها الحكومة (السابقة) محاولة للقضاء على أهل السنة في العراق وكانت تنظيمات (داعش) تنشط بقوة في خيام الاعتصامات بالمحافظات السنية ورفعت شعارات مناصرة لمطالبنا، بل طرحت نفسها كبديل ثوري عن كل الشعارات والاعتصامات التي لم تنفع مع الحكومة، وكانت أعلام (داعش) ترفع في ساحات الاعتصامات باعتباره جهة مقاتلة ضد الحكومة لنصرة السنة».
مضيفا «عند ذاك انتميت مع الكثير من أبناء العشائر إلى داعش وقررنا رفع السلاح بوجه الحكومة والجيش العراقي والعمل على إسقاط العملية السياسية في بغداد»، موضحا أن «هدفنا كان التوجه إلى بغداد من الرمادي والفلوجة وديالى وتكريت وسامراء والحويجة والموصل، والخطط كانت موضوعة ووعدنا بأن هناك الآلاف من أنصارنا في العاصمة سيقفون معنا ومن بينهم ضباط سابقون وحاليون في الجيش العراقي».
يقول الدليمي (الداعشي السابق)، «اعتمدنا في البداية على ما عندنا من أسلحة وعملنا بنوع من الاستقلالية كوننا من ثوار العشائر ومتحالفين مع (داعش) الذي كانت قيادته حازمة معنا في ضرورة تنفيذ الأوامر الصادرة إلينا وعدم التصرف بمعزل عن التنظيم كونهم هم من يسيطر على المناطق التي نقاتل ضمنها ويجب أن تخضع كافة الفصائل الأخرى لأوامرهم، ومن كان يخالف هذه الأوامر فإن مصيره هو القتل باعتباره خائنا ومرتدا عليهم، ثم تلقيت مع عدد من أبناء عشائر الأنبار تدريبات في الصحراء الغربية الفاصلة بين العراق وسوريا، على أسلحة أخرى مثل ( بي كي سي) وقاذفات صواريخ (آر بي جي) ومدافع الهاون»، كاشفا عن أن «هناك ضباطا في الشرطة المحلية بل وفي الجيش كانوا يعرفون تحركاتنا ويرصدونها من دون أن تتخذ أي إجراءات ضدنا أو ضد مواطنين عرب كانوا متنفذين في التنظيم». وقال «كان بيننا يمنيون وسوريون وفلسطينيون وسعوديون وتونسيون وسودانيون، لكنهم لم يدخلوا إلى الأنبار أو الفلوجة في البداية بل اعتمدوا علينا نحن العراقيين في السيطرة على الأوضاع في المدن وتهيئة الأجواء لدخول بقية المقاتلين العرب».
وحول إذا ما كانت هناك اتصالات بين «داعش» وبعض الأجهزة الأمنية أو الحكومية في الأنبار، قال طاهر «لا أعرف بالضبط إذا كان هناك تنسيق على مستوى القيادة وبعض الضباط من السنة، لكنني كنت أتحرك بحرية سواء في الرمادي أو الفلوجة مع إخوة لي ومعروف عني أني كنت مع داعش، وبعض المسؤولين الأمنيين كانوا يطلقون علينا تسمية ثوار العشائر ويباركون جهودنا»، مشيرا إلى أن «مقاتلي تنظيم (داعش) كانوا يحصلون بسهولة على ملابس رسمية للشرطة العراقية أو للجيش العراقي وسيارات تحمل أرقاما حكومية لتنفيذ عمليات هجومية على مراكز أمنية أو حكومية، وكانوا يقولون لنا إن هذه الملابس وحتى الأسلحة والسيارات هي من الغنائم التي يحصلون عليها في هجماتهم على الدوائر الحكومية». منوها إلى أن «داعش تنظيم عسكري شديد في صرامته من حيث تنفيذ الأوامر وإطاعتها، ولم يكن مسموحا لنا الاعتراض على أن يكون المسؤول من جنسية أخرى وغير عراقي باعتبار أن الجميع مجاهدون».
وحول تسليح عناصر «داعش» أكد طاهر أن «تسليحنا كان يجري عن طريق الاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي التي يتركونها ويفرون، كما كنا نهجم على مراكز للشرطة وعلى معسكرات أو مواقع للجيش العراقي ونغنم الأسلحة»، مشيرا إلى أنه «في بداية الأمر لم يكن تسليح داعش قويا أو متميزا بل كانوا يملكون أسلحة خفيفة ومتوسطة، لكن مع كل معركة أو هزيمة للقوات العراقية كانوا يغنمون أسلحة أكثر تطورا»، وقال «ليس لدي أي تفسير واضح عن سبب انتصارات داعش على القوات العراقية خاصة المدرعة منها، فنحن غنمنا عربات همفي وهمر الأميركية الصنع والمدرعة من القوات العراقية بسهولة وبعضها من دون أن نخوض أي معركة»، مضيفا «أعتقد أنه العامل النفسي للجندي العراقي بأنه لا يريد أن يموت، على العكس من (المجاهدين) الذين كان لا يهمهم الموت بل يسعون إليه، إضافة إلى قلة الانضباط العسكري لدى الجنود العراقيين وضباطهم والتعاطف الشعبي من قبل الناس باعتبار أن داعش يمثل إرادتهم هو ما ساعد (داعش) على تحقيق هذه الانتصارات، يضاف إلى هذا قسوة (داعش) في التعامل مع الأسرى أو أفراد القوات الأمنية أو مع من يشكون بعدم ولائه لهم وذلك بقتله مباشرة خلق الخوف في نفوس الجنود والشرطة العراقية التي كانت تفضل الاستسلام على القتال مع أنهم كانوا يُقتلون على أيدي مقاتلي (داعش) إذا وقعوا في الأسر، وهذا ما حدث في الرمادي والفلوجة والكرمة والبلدات الغربية مثل حديثة وراوة وهيت».
ونفى طاهر أن «تكون (داعش) قد ذبحت أمام عينيه أيا من الرهائن الغربيين، فهذا في الأقل لم يحدث في الأنبار، لكنني شاهدت حالات إعدام فورية لرجال شرطة وجنود عراقيين جرت مداهمتهم وأسرهم وتقييد أياديهم وقتلهم فورا»، كما نفى حدوث «حالات نكاح الجهاد في الأنبار»، وقال «عناصر داعش تعرف أن هذا الموضوع يعد خطا أحمر لعشائر الأنبار، أي الاعتداء على النساء أو إجبارهن علي الزواج أو انتهاك الأعراض، مع أن هناك من تزوجت من مقاتلين من داعش وكانوا من العراقيين».
وعن سبب تركه تنظيم «داعش»، قال طاهر «عندما انتميت إلى التنظيم كنت أعتقد أنهم بالفعل يريدون تحقيق مطالب شعبية، لكنني ومقاتلون آخرون كانوا في صفوف المقاومة اكتشفنا أنهم يريدون السيطرة على العراق وتحقيق أجندات بعيدة عن مطالبنا الوطنية، وأنهم بدأوا بممارسات أبعد ما تكون عن تعاليم الدين الإسلامي أو الأعراف العشائرية، وقد نفذوا الإعدام بعدد من ثوار العشائر الذين أرادوا الانفصال عنهم بسبب اعتراض الثوار على قتل العراقيين بلا أسباب والانتقام من بعض عشائر الأنبار لأنهم لم يؤيدوهم أو يصطفوا معهم».
ورفض طاهر فكرة «تبليغ الحكومة عن موقعه أو وضعه لأنني اشك في أن هناك علاقات سرية بين بعض الضباط العسكريين أو من الشرطة مع تنظيم داعش، وربما يجري الإبلاغ عني وأواجه مصير الموت أنا وأهلي على أيدي الداعشيين».



شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
TT

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)

وقعت شركة «Antaris»، الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للفضاء، وشركة «SARsatX™»، المتخصصة في الفضاء التجارية السعودية، على هامش معرض الرياض الدولي للدفاع، مذكرة اتفاقية، تستهدف تعزيز تطوير وتنفيذ وتسليم مجموعة الأقمار الاصطناعية ذات الفتحة الاصطناعية «(SAR) EO»، للمملكة.

وبموجب الاتفاقية، ستتعاون كل من «SARsatX»، التي تطوّر حمولة رادار ذات فتحة اصطناعية (SAR) متقدمة ومملوكة لها، و«Antaris»، التي توفر أحدث منصات الأقمار الاصطناعية والقطاع الأرضي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتشمل المنصات الرقمية، كلاً من «TrueTwin™» الرقمي التوأم وقدرات «Full Mission Virtualization™» معاً لدعم النشر الموثوق، وفي الوقت المناسب لكوكبة أقمار «SAR» الاصطناعية لتحقيق أهداف التنمية السعودية.

ومن المتوقع أيضاً أن تتيح الشراكة زيادة توطين المنتجات والخدمات الفضائية، فضلاً عن تطوير الخبرة الفنية ورأس المال البشري داخل الدولة لإدارة وتشغيل الأبراج المعقدة متعددة الأقمار الاصطناعية.

ويتوقع الطرفان تسليم القمر الاصطناعي الأول في غضون 12 شهراً، تليها الأقمار الاصطناعية المتبقية وفقاً لجدول زمني مرحلي، مع هدف طويل المدى يتمثل في إنشاء قدرات تصنيع محلية، بوصفها جزءاً من برنامج كوكبة الأقمار الاصطناعية المخطط له.

وقال توم بارتون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»، توضح الشراكة مع «SARsatX» في هذه الكوكبة كيف يمكن لمنصة «Antaris Intelligence™» تسريع الوقت للحصول على ذكاء قابل للتنفيذ من خلال دعم العملاء أثناء قيامهم بتوسيع قدراتهم التصنيعية والتشغيلية.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن رؤيتنا في «Antaris» تتمثل في جعل المهام الفضائية أسرع وأبسط وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.

من ناحيته، قال الدكتور عمرو العمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «SARsatX»: «تلتزم (SARsatX) ببناء القدرات الوطنية في مجال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وتتيح لنا الشراكة مع (Antaris) تسريع خريطة طريقنا».

وتابع العمودي: «ستعمل الشراكة على تطوير المواهب المحلية، وإظهار النجاح المبكر مع إطلاقنا الأول، وإرساء الأساس للتصنيع المستقبلي في المملكة العربية السعودية، بما يتماشى مع خطتنا الأوسع لإنشاء ونشر قدرات متعددة الوسائط في السنوات المقبلة».

من جهته، قال كارثيك جوفينداسامي، المدير التنفيذي للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»: «تُظهر هذه المهمة قدرة منصة (Antaris Intelligence™) على تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المدار ووقت الرؤية بشكل كبير».

وتابع: «من خلال نمذجة القطاع الفضائي والأرضي بالكامل ضمن (Antaris Intelligence™)، يمكن لـ(SarsatX) إزالة مخاطر البرنامج، وخفض التكاليف، وتسريع تقديم رؤى قابلة للتنفيذ للعملاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» في السياق نفسه، قال عبد الله زيد المليحي، رئيس مجلس إدارة «الشركة السعودية للتميز»، الوسيط المسهل للاتفاقية والشراكة: «إن الدعم الذي توفره القيادة السعودية يعزز نشاط المبادرات القوية لتنمية قطاع الفضاء».

وأضاف المليحي: «من خلال شراكتنا مع (Antaris) و(SarsatX) نستهدف العمل معاً لدفع الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعظيم المنافع المجتمعية، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل أيضاً لصالح الشركات الأميركية والعالمية العاملة في المنطقة. كما سنعمل على توفير وظائف عالية المهارات في المملكة وتنفيذ مشروعات تكنولوجية متقدمة تُسهم في خلق فرص عمل جديدة ومجزية».


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.