تحقيق: بقاء أميركا لـ«حماية النفط السوري» يُربك الحلفاء ويُريح الأعداء

دول التحالف الدولي ضد «داعش» تتساءل عن مبررات المساهمة العسكرية

تحقيق: بقاء أميركا لـ«حماية النفط السوري» يُربك الحلفاء ويُريح الأعداء
TT

تحقيق: بقاء أميركا لـ«حماية النفط السوري» يُربك الحلفاء ويُريح الأعداء

تحقيق: بقاء أميركا لـ«حماية النفط السوري» يُربك الحلفاء ويُريح الأعداء

استطاع حلفاء واشنطن ومستشارو الرئيس الأميركي دونالد ترمب «تطويع» محاولته الثالثة لـ«الانسحاب العسكري الكامل» من شمال شرقي سوريا، عبر تقديم مبرر جديد، هو منع سقوط حقول النفط والغاز في أيدي «داعش»، لكن هذا المبرر أدخل المشاورات داخل المؤسسات الأميركية والاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن والحلفاء ضمن إشكالية «عدم توفر الشرعية القانونية» للمساهمة العسكرية في التحالف الدولي، شرق سوريا، في وقت أعطى فيه ذخيرة مريحة لخصوم واشنطن. الذين سعوا للدخول الى الرقة «عاصمة» تنظيم «داعش».
كان الرئيس ترمب قرر، الشهر الماضي، سحب عشرات من القوات الأميركية من قرب الحدود السورية - التركية، ما فتح الباب لشن الجيش التركي وفصائل موالية عملية «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين، شرق نهر الفرات. كما أعطى ترمب الضوء الأخضر لوزارة الدفاع (البنتاغون) لسحب باقي القوات التي تُقدَّر بـ1200 جندي، إضافة إلى ألف آخر من الدول الأوروبية الحليفة.
ومع أن المستشارين الأميركيين والمسؤولين الأوروبيين كانوا دائماً يقولون إن ترمب قد يغرد على موقع «تويتر»، في أي لحظة عن قراره بسحب القوات الأميركية، فإن اتخاذ القرار كان له وقع المفاجأة على الجيش الأميركي والدبلوماسيين في واشنطن والعواصم الأوروبية، كما أنه ترك شعوراً بـ«الخيانة» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية التي دحرت مع التحالف، تنظيم «داعش»، إضافة إلى أن أطلق سباقاً روسياً - تركياً - سورياً لملء الفراغ الأميركي.
وأبرمت «قوات سوريا الديمقراطية»، برعاية روسية، اتفاقاً مع الحكومة السورية سمح بنشر الجيش والأمن والشرطة، ورفع العلم الرسمي السوري في مناطق سيطرتها، ومنبج وعين العرب (كوباني)، وعودة الخدمات ورموز الدولة، وتأجيل التفاوض السياسي حول مستقبل الإدارة الذاتية.

كما أبرمت أنقرة اتفاقاً مع موسكو «شرعن» الوجود التركي في «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كلم، وسمح بنشر حرس الحدود السوري في المناطق غير المشمولة في هذا الجيب. كما أجاز تسيير دوريات روسية - تركية بعمق 10 كلم، وإبعاد «وحدات حماية الشعب» الكردية بعمق 30 كلم بعيداً من الحدود.
في موازاة ذلك، كان النقاش مكثفاً في واشنطن سواء المؤسسات التنفيذية أو في «الكونغرس»، أو في العواصم الأوروبية الشريكة عسكرياً في التحالف الدولي. حملة الإقناع على ترمب كانت ترمي إلى «عدم التخلي عن الأكراد والبحث عن مبرر للبقاء العسكري». قيل بداية إن السبب هو مواجهة إيران وروسيا والضغط على دمشق، إلى أن استقر الرأي على «حماية النفط ومنع سقوطه بأيدي (داعش) من شرق سوريا»، وليس من غرب العراق، كما اقترح.
وقال وزير الدفاع مارك إسبر إن الهدف هو «منع (داعش) وغيره من اللاعبين في المنطقة» من الوصول إليه. ولم يحدد إسبر «اللاعبين الآخرين» الذين كان يتطرق لهم، فيما لم يوضح أي مسؤول في «البنتاغون»، إن كان يقصد النظام السوري وروسيا. وكان مقرراً أن يقدم إسبر، الجمعة الماضي، مقترحات إلى ترمب حول العدد الفعلي للقوات الأميركية التي ستبقى قرب حقول النفط والغاز. وبحسب قول مسؤول غربي لـ«الشرق الأوسط»، فإن ترمب حسم أمره وقرر الاحتفاظ بقوات لحماية النفط إذ يجري الحديث عن العناصر الآتية:
1- نشر 700 جندي أميركي وعشرات العربات والمدرعات الأميركية (التي أُرسلت لأول مرة ولم تُستعمل خلال الحرب ضد «داعش») قرب منشآت النفط والغاز في محاذاة حدود العراق من البوكمال جنوباً إلى فش خابور شمال شرقي سوريا.
2- الإبقاء على الحماية الجوية.
3- الإبقاء على التنسيق مع «قوات سوريا الديمقراطية» لمحاربة خلايا «داعش».
4- الاحتفاظ بـ150 جندياً في قاعدة التنف في الزاوية السورية - الأردنية - العراقية.
5- الطلب من الدول الحليفة التعويض عن سحب بعض الأميركيين والمساهمة في حماية حقول النفط والغاز.
6- قبول انتشار حرس الحدود السوريين على الحدود مع تركيا.
7- دعم موقف «قوات سوريا الديمقراطية» في التفاوض مع دمشق بضمانة موسكو.
لذلك، حسب المسؤول الغربي، لم تمانع واشنطن قيام قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، وقائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، سبان حمو، بزيارات إلى دمشق والقاعدة الروسية في حميميم، حيث تمسَّك الجانب الحكومي السوري بـنشر الجيش والشرطة والأمن والعلم الرسمي ورموز الدولة في جميع المناطق، وترك الحوار السياسي إلى مرحلة لاحقة.
لكن قرار ترمب بحماية حقول النفط في محافظة دير الزور، حمل وزارة الدفاع الأميركية على إرسال تعزيزات إلى تلك المنطقة، في وقت ابتعد فيه الجنود الأميركيون عن المناطق القريبة من الحدود السورية - التركية. وبدأت التعزيزات بالوصول إلى دير الزور، بينما أُرسل بعض الجنود إلى الشمال للمساعدة في تأمين عملية الانسحاب من تلك المنطقة، كما نُقل البعض الآخر من سوريا إلى شمال العراق. لكن بالمجمل، لم يتغيّر بشكل كبير عدد الجنود الأميركيين عمّا كان عليه قبل إعلان الانسحاب في منتصف أكتوبر (تشرين الأول). وقال المسؤول الغربي: «لا يزال العدد عند أقل من ألف. حصل انسحاب وتعزيز إرسال المعدات والآليات».
وإذ نشر الجيش الأميركي مدرعاته وآلياته قرب منشآت النفط والغاز، عاد قبل أيام إلى تسيير دوريات شرق القامشلي، ذات البعد الرمزي للأكراد، لإعطاء الانطباع بأن «واشنطن لم تخُن الأكراد»، حسب المسؤول الغربي (تركيا وروسيا سيرتا دوريات في الدرباسية غرب القامشلي). وقال المسؤول: «أسهل طريقة لإقناع ترمب كانت القول له بضرورة تعزيز الوجود العسكري لمنع سقوط النفط بأيدي (داعش). لكن هناك إدراكاً بأن النفط السوري قليل واستثماره يتطلب كثيراً من الموارد وسط وجود عقبات قانونية: هل هذا كافٍ لمنع الحكومة من السيطرة عليها؟ كيف يمكن تصدير النفط؟ إلى مَن؟ هل يمكن استمرار القبول بالتعامل بين الإدارة الكردية والحكومة السورية لتوفير موارد مالية للإدارة؟».
لكن السؤال الأساسي في «البنتاغون»: أن الوجود الحالي كان ضمن تشريعات صدرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011، بملاحقة «القاعدة» وحماية الأمن القومي الأميركي، ما سمح بقتال «داعش»، لكن كيف يمكن الحصول على التبرير القانوني بـ«حماية النفط»؟ وفي حال هاجمت قوات الحكومة السورية أو روسيا المنشآت، ما الأرضية القانونية للعمل العسكري الأميركي، عدا «الدفاع عن النفس»؟
لا تزال مسألة قانونية العملية الأميركية لحراسة حقول النفط موضع نقاش حتى داخل «البنتاغون». كما أن دولاً أوروبياً متحفظة على المشاركة في نشر قواتها الخاصة بسبب العقبات القانونية، لأن وجود القوات البريطانية والفرنسية قائم على محاربة «داعش»، وليس حماية النفط. يُضاف إلى ذلك، أن «حجة النفط عززت نظرية المؤامرة في أن التدخل الأميركي لأسباب اقتصادية وليست أخلاقية، ما أضاف ذخيرة لموسكو ودمشق وأنقرة وطهران التي تشكك بأهداف وشرعية الوجود الأميركي»، بحسب المسؤول الغربي.
وطُرِحت بعض هذه الأسئلة خلال اجتماع تلفزيوني، الأسبوع الماضي، للنواة الصلبة لكبار موظفي دول التحالف ضد «داعش»، لكن الاجتماع الوزاري للتحالف في واشنطن، 14 من الشهر الحالي، سيركز على تقديم إجابات عن أسئلة شرعية الوجود العسكري بعد هزيمة «داعش» جغرافياً، ومدى شرعية المساهمة في «حماية النفط»، إضافة إلى تناول مستقبل التنظيم بعد القضاء على زعيمه أبو بكر البغدادي الذي انتقلت «عاصمته» السابق من ايدي حلفاء واشنطن الى حلفاء موسكو.

- موسكو تستعد لـ«مواجهة طويلة» مع واشنطن شرق الفرات
- موسكو: رائد جبر
لم تخفِ أوساط روسية خلال كل المراحل التي سبقت التوصل إلى اتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة حول الوضع في المناطق الحدودية مع تركيا، أن قلقها الأساسي يتركز على الوجود الأميركي في مناطق غنية بالنفط.
راقبت موسكو بحذر المفاوضات التركية - الأميركية، حول «المنطقة الآمنة» في الشمال السوري، قبل أن تدخل على الخط لقلب المعادلات من خلال طرح خطتها للوضع على الشريط الحدودي. لكنها في الوقت ذاته، واصلت التشكيك بنيات واشنطن خلال وبعد إعلان الأخيرة عن سحب جزء من قواتها من المنطقة. وسرعان ما اتضح أن الموقف الروسي لم يأتِ من فراغ. وعلى الرغم من المكاسب السياسية التي حققتها موسكو عبر اتفاق سوتشي، ونجاحها في تغيير خرائط النفوذ في مناطق الشمال، وتوسيع رقعة سيطرة القوات الحكومية قرب المنطقة الحدودية، فضلاً عن حصر التوغل التركي في الأراضي السورية في منطقة محدودة، لكن في مقابل هذه الإنجازات، وُجدت موسكو عاجزة عن التحكم في رقعة شاسعة تضم الجزء الأعظم من مخزون سوريا من النفط والغاز. وجاء الإعلان عن خطط واشنطن لتعزيز الوجود العسكري في مناطق شرق الفرات عبر إقامة قاعدتين عسكريتين جديدتين وزج قوات وآليات، ليطلق رد فعل روسياً غاضباً برز من خلال استخدام لهجة لم يسبق لموسكو أن تعاملت بها في خطابها السياسي، إذ اتهمت وزارة الدفاع الروسية واشنطن بـ«سرقة» الثروات السورية، ووصفت الأميركيين بأنهم «قطّاع طرق على مستوى دولي».
ونشرت الوزارة خرائط وصوراً تُبرز مسارات «تهريب النفط السوري» برعاية عسكرية أميركية. بينما أطلقت الخارجية الروسية حملة قوية أعلنت من خلالها أن «الوجود الأميركي في هذه المنطقة أمر لا يمكن القبول به» في إشارة إلى تصعيد نشاط دبلوماسي وعسكري لعرقلة خطط واشنطن بتثبيت هذا الوجود، وهو أمر عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية سيرغي لافروف، عندما قال إن بلاده «لن تقبل بالوجود غير الشرعي للولايات المتحدة في مناطق الشرق السوري وسوف تدافع عن موقفها».
ويرى خبراء روس أن وراء الحملة الروسية على تحركات واشنطن تكمن مخاوف جدية لدى موسكو، من أن تصرفات واشنطن ستعرقل نهج التسوية السياسية الذي سعت موسكو طويلاً لفرضه عبر مسار آستانة وعبر إطلاق عمل اللجنة الدستورية بعد مخاض عسير، والأهم من ذلك، عبر التفاهمات الروسية - التركية التي وضعت آلية مشتركة رأت فيها موسكو نقطة انطلاق لحسم الملفات العسكرية والأمنية العالقة تمهيداً لتعزيز مسار سياسي يستند عموماً إلى القرار 2254 لكنه لا يقوم على تطبيق دقيق لكل بنوده، بل يعكس موازين القوى التي عملت موسكو على تكريسها خلال سنوات.
بهذا المعنى، فإن تعزيز الوجود الأميركي في شرق الفرات، يحبط فكرة توسيع رقعة سيطرة الحكومة السورية على الجزء الأعظم من الأراضي، ويمنح الولايات المتحدة وحلفاءها ورقة ضغط قوية، ويشكل تهديداً دائماً للرؤية الروسية للتسوية النهائية.
أما في البعد الاقتصادي، فإن سيطرة واشنطن على الخزان النفطي لسوريا، يُسقط من يد موسكو أهم عناصر الدفع نحو إطلاق مشروع دولي لإعادة الإعمار في سوريا، ويقطع الطريق على الشركات الروسية الكبرى التي تطلعت طويلاً لحصة مهمة من الكعكة السورية.
في المحصلة، كما أشار خبير روسي مرموق، فإن موسكو تكون «نجحت في حماية الدولة السورية وعرقلت كل المشروعات التي سعت لإسقاطها أو تفكيكها، لكنها حصلت في النتيجة على كيان يقوم على أكثر بقليل من ثلثي الأراضي لكنه متهالك ويفتقر للاعتراف الدولي الواسع، وأكثر من ذلك أنه بحاجة إلى مساعدات متواصلة، لا تبدو روسيا والصين وإيران وبعض البلدان القريبة من نهج موسكو قادرة على تقديمها دائماً».
راهنت موسكو على أن السجالات الداخلية في واشنطن قد تعلب دوراً لصالحها خصوصاً أمام إصرار الرئيس دونالد ترمب على الدفاع عن مواقفه بالانسحاب من المنطقة، قبل حلول موعد الانتخابات المقبلة، لكن التطورات اللاحقة أثبتت عدم جدوى الرهان الروسي، وهذا يفسّر إعراب الوزير لافروف اللافت أخيراً، عن تشاؤم في إمكانية التوصل إلى اتفاقات مع الولايات المتحدة بخصوص الوضع في شمال شرقي سوريا. وقال الوزير إنه ليس لديه شعور بأن «الاتفاق مع الولايات المتحدة على أي شيء وارد في هذه المرحلة». وأعادت هذه العبارة التذكير بإعلان موسكو عزمها تصعيد تحركاتها ضد تعزيز الوجود الأميركي في شرق سوريا في إطار المؤسسات الدولية عبر الانطلاق من «عدم شرعية الوجود» وأيضاً في إطار النشاط الميداني على الأرض، وفي هذا الاتجاه تواصل موسكو مساعيها لإقناع الأكراد بتوسيع قنوات الحوار مع دمشق، بهدف التوصل إلى تفاهمات على حساب التحالف القائم مع واشنطن، والذي تعرض لهزة قوية بعد قرار الانسحاب من منطقة العمليات العسكرية التركية.
ورغم تعالي أصوات برزت من خلال تعليقات أو مقالات تدعو إلى تعزيز التوجه الروسي لمواجهة خطط واشنطن في المنطقة من خلال دعم تحركات عسكرية قد تقوم بها القوات الحكومية أو قوات داعمة لها لتوسيع رقعة سيطرتها في بعض مناطق شرق الفرات، يبدو هذا محفوفاً بالمخاطر، إذ لا ترغب موسكو في استفزاز مواجهة عسكرية مع القوات الأميركية أو المكون الكردي. وهو أمر فضلاً عن كونه لا يمكن التنبؤ بعواقبه لجهة أنه يقوّض إعلان موسكو عن انتهاء العمليات العسكرية والانتقال إلى المسار السياسي، فهو في الوقت ذاته يعيد إلى الأذهان المواجهات السابقة التي تعرضت فيها موسكو لضربة موجعة.
ويكفي إيراد أن المواجهة الوحيدة في سوريا التي سقط فيها مئات القتلى والجرحى من الروس على أيدي القوات الأميركية كانت بسبب محاولة وحدات من الجيش السوري ترافقها مجموعات «جيش فاغنر» التقدم نحو مواقع نفطية في منطقة خشام قرب دير الزور. وقع ذلك في فبراير (شباط) من العام الماضي، وأشارت مصادر روسية إلى أن «جيش فاغنر» خسر 217 من مسلحيه الذين قُتلوا تحت قصف مركّز من جانب الطائرات الأميركية. وتجنبت موسكو حينها تصعيد الموقف.
وقد يكون تذكير وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أخيراً بأن القوات الأميركية ستقوم بـ«حماية» الحقول النفطية إشارة واضحة. لذلك ترى أوساط روسية أن موسكو ستتجنب في الغالب تصعيداً عسكرياً لكنها تستعد لـ«مواجهة طويلة وصعبة» مع واشنطن في هذه المنطقة.

- كيف تبدلت القوى المسيطرة على مصادر الطاقة السورية خلال السنوات الأخيرة؟
- القامشلي: كمال شيخو
في حقل العمر النفطي الذي يقع على بعد 50 كيلومتراً شرق مدينة دير الزور، توجد خزانات ضخمة تحولت إلى قطع متفحمة وصدئة. أنابيب مهترئة تناثرت على الأرض، ومصافٍ منهارة، في حين المباني كانت شبه مدمرة جراء المعارك.
منذ خروج أكبر حقول النفط في سوريا عن سيطرة النظام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وسقوطه في قبضة «داعش» صيف 2014، حتى انتزاعها على يد «قوات سوريا الديمقراطية» العربية - الكردية والمدعومة من تحالف دولي تقوده واشنطن نهاية 2017، بقيت المنشأة على حالها والعمر كان ينتج أكثر من 90 ألف برميل يومياً قبل النزاع الدائر في البلاد 2011.
في حقل التنك المجاور الذي يبعد 32 كيلومتراً شرقي منشأة العمر النفطية، وكان يعد ثاني أكبر الحقول من حيث الإنتاج، لا يختلف المشهد كثيراً عن العمر. فبسبب المعارك الدائرة داخله وبجواره، تحول المكان إلى أكوام من الخردة وجبال من الركام والخراب وبقايا صهاريج وخزانات وأنابيب وآبار كانت تنتج في يومٍ ما 40 ألف برميل من النفط الخام، وتمركزت القوات الأميركية في هذه الحقول وأعادت انتشار جنودها لحمايتها.
شمالاً، وفي مدينة الحسكة، وتحديداً بمحاذاة الحدود مع تركيا، تجوب دوريات أميركية الطريق الدولية الواصلة بين مدينة رميلان النفطية، والقامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، تتفقد حقول النفط بعد إعلانها الإبقاء على قواتها لحماية هذه المنشآت من التهديدات التركية المتصاعدة.
وباتت «قوات سوريا الديمقراطية» تبسط سيطرتها على نحو 85 في المائة من الثروة النفطية في بلد مزقته نيران الحرب، إضافة إلى 45 في المائة من إنتاج الغاز الطبيعي؛ الأمر الذي قد يفتح فصلاً جديداً من الحروب بين أطراف النزاع في سوريا، المحلية منها والإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض السورية.
في مارس (آذار) من عام 2013، تمكنت «وحدات حماية الشعب» الكردية من طرد «جبهة النصرة» (التي أصبحت لاحقاً باسم «هيئة تحرير الشام») وفصائل سورية مقاتلة، من حقول النفط في بلدة رميلان الواقعة على بعد 165 كيلومتراً شمال شرقي الحسكة و65 كيلو شرقي مدينة القامشلي، وبعد إعلان الإدارة الذاتية الكردية بنهاية العام نفسه، وضعت يدها على الحقول وبدأ كوادرها استثمار النفط، أما موظفو مديرية حقول الرميلان التابعة لوزارة النفط الحكومية وكان يقدر عددهم آنذاك بنحو 5500 عامل وموظف، فعاد قسم إلى مسقط رأسه وهاجر آخرون خارج البلاد، لكن القسم الأكبر بقي في عمله، بحسب مسؤول كردي بارز في الإدارة الذاتية.
وقبل 2011 كانت تنتج حقول الرميلان 90 ألف برميل يومياً، ويقدر خبراء في اقتصاديات الطاقة والنفط عدد الآبار النفطية التابعة لها بنحو 1322 بئراً، أما حقول السويدية المجاورة فتنتج 116 ألف برميل يومياً، كما توجد 25 بئراً من الغاز الطبيعي في هذه الحقول، في حين كانت تصل إنتاجية حقول الشدادي والجبسة والهول إلى 30 ألف برميل في اليوم، ونحو مليون وربع متر مكعب من الغاز.
ويقول المسؤول الكردي، إن كميات الإنتاج اختلفت عما كانت عليه سابقاً، «بداية 2014 كنا نستثمر 200 بئراً نفطية من أصل 1320، لغياب الخبراء والفنيين وقطع التبديل والغيار التي كانت تأتي من العاصمة دمشق»، وكانت بالكاد تغطي احتياجات السوق المحلية، لكن مع بداية عام 2015 وسعت الهيئة أنشطتها وضمت حقولاً جديدة، ووصل عددها لأكثر من 400 بئر وحقل نفطي، وكان يصل إنتاجها إلى ما يزيد على 30 ألف برميل نفط يومياً، وأكثر من مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وبلغت عائداتها إلى أكثر من 10 ملايين دولار شهرياً.
وتغيرت خريطة السيطرة على النفط بسوريا مع بداية عام 2016، بعدما انتزعت «قوات سوريا الديمقراطية» مدن وبلدات الشدادي والهول والجبسة جنوب شرقي مدينة الحسكة من قبضة عناصر تنظيم «داعش»، ليتجاوز الإنتاج 50 ألف برميل نفط ونحو مليون ونصف المليون من الغاز يومياً، وبحسب خبراء تصل عائداتها المالية لأكثر من 25 مليون دولار أميركي، يذهب الجزء الأكبر لتغطية رواتب نحو نصف مليون موظف يعملون في 7 إدارات ذاتية، وهي هياكل حكم تدير مناطق شرق الفرات، وقوات عسكرية قوامها 60 ألف مقاتل.
وعُقدت اتفاقية بين ثلاث جهات سورية محلية، تمثلت الأولى بالحكومة السورية التي أوعزت إلى موظفيها والخبراء الفنيين والتقنيين بالعودة إلى عملهم، والثانية العشائر العربية، أبرزها قبيلة شمر العربية المتحالفة مع الوحدات الكردية، في حين استولت الجهة الثالثة المتمثلة بالوحدات والإدارة الذاتية السيطرة على حقول النفط، ونص الاتفاق على بقاء النفط ثروة وطنية حقاً لكل السوريين، وإفساح المجال لسلطات الإدارة الكردية بوضع يدها على أبرز الموارد الاقتصادية بالمنطقة، لقاء تقاسم توزيع عادل لثرواتها المالية.
ولفت المسؤول الكردي، إلى أن أبرز بنود وثيقة العقد الاجتماعي الخاصة بالإدارة الذاتية: «يعد النفط والغاز ثروة وطنية سورية ملكاً لكل السوريين، وتوزعيه بشكل عادل، وكان من بين أبرز المطالب التي تفاوضت عليها الإدارة ومسؤولو (قسد) مع الحكومة السورية»، في إشارة إلى التفاهم بين دمشق والقامشلي.
ولم يكشف المسؤول الكردي كميات الإنتاج في حقول الحسكة أو إيراداتها المالية، لكنه أكد بأنها تغطي احتياجات مناطق شرق الفرات والتي تشكل ثلث مساحة سوريا.
75% من الاحتياط الاستراتيجي في دير الزور
منذ نهاية 2012، وبسبب المعارك الدائرة شرقي الفرات، توقّف ضخ النفط عبر محطة تل عدس من حقول الحسكة إلى مصفاتي حمص وبانياس، وبعد ثماني سنوات من الحروب المستمرة تصدر قطاع النفط الأكثر تضرراً، وقدرت وزارة النفط بالحكومة السورية خسائرها بأكثر من 62 مليار دولار.
كما انخفض إنتاج النفط في سوريا بنسبة 96 في المائة في عام 2014 إلى 9329 برميلاً يومياً، بعد سيطرة تنظيم «داعش» على مدينتي دير الزور شرقاً، والرقة شمالاً، حيث كان يجني منها نحو 40 مليون دولار شهرياً في ذروة قوته سنة 2015 بحسب وزارة الخزانة الأميركية.
ويُقدر خبراء اقتصاديون، أن إجمالي الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في سوريا يبلغ نحو 300 مليار برميل، يتوزع 75 في المائة من هذه الاحتياطيات في الحقول المحيطة بمحافظة دير الزور شرقي سوريا.
والى جانب حقلي العمر والتنك، توجد حقول الورد والتيم ومحطة (T2) والجفرة، وعفرا وكوري وجرنوف وأزرق وقهار وشعيطاط وغلبان، وتقع جميعها شرقي نهر الفرات ببادية الجزيرة، كانت تنتج قبل 2011 نحو 200 ألف برميل نفط يومياً، أما اليوم فلا يتجاوز إنتاجها 25 ألف برميل يومياً في أحسن الأحوال، بينما يعد حقل غاز كونوكو أكبر حقول الغاز الطبيعي في سوريا، وكان ينتج نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.