على جماهير آرسنال أن تعتذر لتشاكا وليس العكس

صافرات الاستهجان يمكن أن تؤدي إلى تدمير ثقة اللاعب بنفسه

تشاكا يضع يده على أذنه كأنه لا يريد أن يستمع لصافرات الاستهجان
تشاكا يضع يده على أذنه كأنه لا يريد أن يستمع لصافرات الاستهجان
TT

على جماهير آرسنال أن تعتذر لتشاكا وليس العكس

تشاكا يضع يده على أذنه كأنه لا يريد أن يستمع لصافرات الاستهجان
تشاكا يضع يده على أذنه كأنه لا يريد أن يستمع لصافرات الاستهجان

لم يمضِ سوى شهر واحد تقريباً بين إعلان نادي آرسنال أن لاعبه السويسري غرانيت تشاكا سيحمل شارة قيادة الفريق وتعرض اللاعب لصافرات الاستهجان من جمهور النادي خلال استبداله في مباراة آرسنال أمام كريستال بالاس في الدوري الإنجليزي الممتاز التي انتهت بالتعادل بهدفين لكل فريق. وبالنسبة لأي لاعب، يكون من الصعب عليه أن يعرف ما المفترض أن تحققه صافرات الاستهجان، لكن الشيء المؤكد هو أن مثل هذه الأفعال تؤدي إلى تدمير ثقة اللاعب في نفسه.
وقد أكد أحد الأصدقاء المقربين لتشاكا، الذي تحدث معه، أن اللاعب السويسري يشعر بالذعر. وفي الوقت الذي قرر فيه أوناي إيمري مدرب آرسنال أن تشاكا لن يشارك أمام ولفرهامبتون واندرارز في المباراة التي أقيمت أمس، يتعين على تشاكا أن يسأل نفسه عما يمكن أن يفعله، وما إذا كان هناك أي طريق للعودة.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن تشاكا كان الأكثر تمريراً للكرات بين جميع لاعبي آرسنال هذا الموسم، بفارق 500 تمريرة كاملة عن اللاعب الذي يليه في هذه الإحصائية، كما يأتي في المركز الثالث من حيث قطع واستخلاص الكرات من لاعبي الفريق المنافس، كما حصل على شارة قيادة الفريق بعد تصويت بين لاعبي الفريق الأول بالنادي. وقد رأيناه من قبل وهو يسجل أهدافاً رائعة، وهو ما يؤكد أنه يمتلك قدرات وفنيات كبيرة للغاية.
ورغم أن اللاعب السويسري يعاني من قصور في بعض النواحي الفنية، فمن الواضح للغاية أنه يلعب دائماً من أجل مصلحة الفريق ولا يتوقف عن القتال والمحاولة داخل المستطيل الأخضر ولديه شخصية قوية ويحظى باحترام وحب جميع زملائه في الفريق. وحتى وقت قريب، كان آرسنال يفتقد للاعبين أصحاب الشخصيات القوية، لكنه وجد ضالته في تشاكا ومنحه شارة القيادة. ربما لا يكون تشاكا هو اللاعب الذي يريده الجمهور، لكنه بكل تأكيد اللاعب الذي يريده النادي ويتمناه أي مدير فني.
وقد تعرض تشاكا للانتقادات من قبل، وفي بعض الأحيان عندما يطلق الجمهور صافرات الاستهجان ضد اللاعب، فإن هذا اللاعب لا يعرف ما الذي يمكنه القيام به لكي يجعل الجمهور يغير رأيه. من الواضح أن جمهور آرسنال الآن يرى أن تشاكا ليس جيداً بما يكفي؛ لكن ما الذي يمكن للاعب السويسري أن يفعله الآن لكي يقنع الجمهور بعكس ذلك؟ وكيف يفعل ذلك في الوقت الذي انهارت فيه ثقته بنفسه بعد ما حدث؟ وكيف ينزل اللاعب إلى أرض الملعب بعد ذلك وهو يعرف أن الـ50 ألف مشجع الموجودين في المدرجات لا يحبونه؟ ومن المؤكد أن هذا الموقف دائماً ما يكون صعباً على أي لاعب، مهما كانت شخصيته.
ربما لم يلعب تشاكا بشكل جيد أمام كريستال بالاس، لكنني متأكدة من أنه كان سيعرف ذلك بنفسه قبل أن يرفع أي مشجع صوته. وعندما رأى تشاكا رقم قميصه على لوحة التغييرات وعرف أنه سيغادر الملعب، خصوصاً أنه قائد الفريق، شعر بالإحباط وبخيبة أمل كبيرة؛ من نفسه في المقام الأول. وفي هذه اللحظة، التي يشعر خلالها بالضعف بالفعل، وجد الجمهور الذي يفترض أن يسانده ويشجعه يطلق صافرات الاستهجان ضده! والأغرب من ذلك، أنه عندما شعر تشاكا بالضيق مما حدث طالبوه بالاعتذار!
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي كان يتوقعه الجمهور منه في هذه اللحظة؟ لقد كان اللاعب يريد مواصلة اللعب، لكنه وجد نفسه يخرج من الملعب وسط صافرات الاستهجان من جمهور فريقه. أعتقد أن من حقه كإنسان أن يشعر بالإحباط وخيبة الأمل، لكن يبدو أن الجمهور كان يريد منه أن يبتسم ويصفق لهم ويقول لهم شكراً. يتعين علينا أن ندرك أن لاعبي كرة القدم هم بشر قبل أن يكونوا لاعبين. إنهم يبذلون أقصى ما لديهم من أجل السيطرة على مشاعرهم، لكنهم في بعض الأحيان - وكما هي الحال معنا جميعاً - لا يستطيعون السيطرة على انفعالاتهم. وبعد مشاهدة تلك اللحظة على شاشة التلفزيون، أعتقد أن هناك كثيراً من الأشخاص الذين يجب أن يشعروا بالندم ويعتذروا عما حدث - لكن تشاكا ليس أحدهم!
أتذكر أنه بعد تعادل المنتخب الإنجليزي أمام الجزائر في نهائيات كأس العالم 2010، أطلق الجمهور الإنجليزي صافرات الاستهجان ضد اللاعبين، وخرج واين روني على شاشات التلفزيون لينتقد الجمهور على ما قام به. لقد ظهر المنتخب الإنجليزي بشكل سيئ للغاية في تلك المباراة، لكن اللاعبين كانوا يعرفون ذلك جيداً، وبالتالي فإن صافرات الاستهجان التي أطلقها الجمهور لم تحقق شيئاً. وبعد بضعة أشهر، وفي ظل استمرار العلاقة السيئة بين لاعبي الفريق والمشجعين، قال المدير الفني للمنتخب الإنجليزي آنذاك، فابيو كابيلو، إن الفريق «يلعب بخوف في بلاده، ويشعر بالخوف وهو يلعب على ملعب ويمبلي».
وهذه هي الأجواء التي يخلقها مشجعو آرسنال لتشاكا الآن، ومن المؤكد أن هذه الأجواء سوف تؤثر على ثقة اللاعب في نفسه وتجعله يشعر بالقلق والخوف عندما يلعب على ملعب الإمارات بعد ذلك. وبالتالي، سوف يقدم اللاعب مستويات سيئة، وهو الأمر الذي سيزيد الأجواء سوءاً، وبالتالي سيشعر اللاعب بمزيد من القلق والتوتر، إنها حلقة مفرغة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الإحباط وخيبة الأمل.
وفي الحقيقة، كانت الرسالة التي كتبها هيكتور بيليرين، الذي حمل شارة القيادة في مباراة آرسنال أمام ليفربول يوم الأربعاء الماضي، على حسابه الخاص على موقع «تويتر»، مثالية، حيث قال: «نحن جميعاً بشر، ولدينا جميعاً مشاعر، وفي بعض الأحيان لا يكون تحمل الضغوط سهلاً. لقد حان الوقت ليساعد بعضنا بعضاً، لا أن يقصي بعضنا بعضاً». إنني أشعر بالقلق لأن قطاعاً من جمهور آرسنال أصبح مشهوراً بسلبيته تجاه فريقه.
وخلال السنوات القليلة الماضية، تحمل المدير الفني السابق للفريق أرسين فينغر، واللاعب الألماني مسعود أوزيل، والآن غرانيت شاكا كثيراً من الضغوط لفترات طويلة بعد أن انقلب جمهور آرسنال عليهم. ويتعين علينا أن نعرف أن هؤلاء ليسوا شخصيات بسيطة داخل النادي، فنحن نتحدث عن مدير فني عظيم، ولاعب يمتلك إمكانات هائلة، وقائد للفريق. ومن جهة أخرى، يجب أن نؤكد أنه من حق الجمهور أن يعبر عن إحباطه عندما لا يرى ما هو متوقع من المدير الفني أو من اللاعبين، لكن ما حدث خلق انطباعاً بأن جمهور آرسنال يتسم بالتقلب وعدم تقديم الدعم اللازم للفريق.
إنني أعتقد، وبكل بساطة، أنه لا ينبغي أن يطلق الجمهور صافرات الاستهجان ضد قائد الفريق، تحت أي ظرف من الظروف. من المؤكد أنه من حق الجمهور أن يعرب عن آرائه، لكن يتعين عليه أن يعرف أن هناك طرقاً صحيحة وأخرى خاطئة للتعبير عن مثل هذه الآراء، ويجب على الجمهور أن يتعلم مما حدث في الماضي. ويجب على الجمهور أن يعرف أيضاً أنه لا يمكن لأي شخص، مهما كانت قدراته، أن يؤدي عمله بشكل جيد في الوقت الذي يتعرض فيه للانتقادات من الآلاف.
ويوم الأحد الماضي، انخرط زميل تشاكا في آرسنال، لوكاس توريرا، في البكاء بسبب مثل هذه الضغوط، وبالتالي يتعين على الجمهور أن يدرك أن اللاعبين بشر في المقام الأول وليسوا آلات بلا مشاعر، وأن الضغوط التي يتعرضون لها تؤثر عليهم بكل تأكيد.
وفي كرة القدم النسائية، من الواضح أن عدد المشجعين أقل، وغالباً ما تدخل اللاعبات في حوار مع عدد من الجمهور بعد نهاية المباريات. لقد وجدت دائماً أن اللاعبات لديهن علاقة شخصية أقوى مع جمهور فريقهن، ويمكن أن ينتقل هذا الأمر إلى كرة القدم للرجال أيضاً. ويوجد كثير من الاهتمام الإعلامي، وكثير من البرامج التلفزيونية التي تستضيف مشجعين يتحدثون إلى صحافيين، أو صحافيين يتحدثون إلى صحافيين آخرين. وعندما نسمع تصريحات المديرين الفنيين واللاعبين الحاليين، فعادة ما تكون هذه التصريحات في إطار مواقف رسمية؛ مؤتمرات صحافية أو مقابلات محددة.
وبالتالي، هناك فجوة في كرة القدم للرجال يجب التعامل معها، فمن الممكن أن تتم استضافة اللاعبين في هذه البرامج المخصصة للمشجعين من أجل الحديث عما يدور بداخلهم. وإذا كان جمهور آرسنال لديه تصور مختلف عن تشاكا على خلاف الواقع الذي يراه زملاؤه في الفريق، فيجب أن تكون هناك فرصة للاعبين من أمثال بيليرين، لكي يغيروا هذه النظرة عن تشاكا من خلال توضيح الأمور على حقيقتها، في بيئة غير رسمية، ويكشف عن الأشياء التي تجعل تشاكا يحظى بكل هذا الحب والاحترام بين لاعبي الفريق.


مقالات ذات صلة


بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)

أعاد الإيطالي فابيو كانافارو رسم ملامح مسيرته المهنية بالعودة إلى الواجهة المونديالية بعد مرور عقدين كاملين على ليلته التاريخية في برلين عام 2006، ولكن هذه المرة من المقعد الفني مديراً فنياً لمنتخب أوزبكستان في كأس العالم 2026. لم يكن جلوس كانافارو على المقاعد الفنية لمنتخب أوزبكستان مجرد حدث عابر في أروقة المونديال الحالي، بل هو تلاقٍ تاريخي بين جيلين وثقافتين يفصلهما عقدان من الزمان وعامران بالأمجاد الكروية، المدافع الذي قاد كتيبة «الأزوري» للتتويج بالذهب العالمي في برلين عام 2006، والذي ارتدى قميص بلاده في 136 مباراة دولية تاريخية، يعود اليوم إلى المعترك العالمي متسلحاً برصيد أسطوري يضعه كآخر مدافع في التاريخ يجمع بين الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم في عام واحد.

فابيو كانافارو يحتفل بتتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 (أ.ف.ب)

هذا الحصاد الكروي الهائل الذي بناه كانافارو عبر محطات عملاقة في نابولي، وبارما، ويوفنتوس، وريال مدريد تحول اليوم إلى مادة تعليمية دسمة وتكتيك صارم يلقنه للاعبي أوزبكستان، بهدف كسر رهبة الظهور الأول في التاريخ للذئاب البيضاء في نهائيات كأس العالم

هذه المفارقة الزمنية تعزز من القيمة التكتيكية والإعلامية التي تبحث عنها أوزبكستان لإثبات حضورها بين كبار اللعبة، معتمدة على عقلية بطل عالم سابق يعرف جيداً كيف تُدار المعارك الاستراتيجية الكبرى فوق المستطيل الأخضر.

ظهور تاريخي فوق العشب المكسيكي

فابيو كانافارو يوجه لاعبيه خلال المباراة (أ.ب)

سجل كانافارو ظهوره التدريبي الأول على خط التماس المونديالي في مواجهة مثيرة جرت على أرضية ملعب «أزتيكا» العريق بالمكسيك، واصطدم المنتخب الأوزبكي بطموح ونضج نظيره الكولومبي، لينتهي اللقاء بخسارة أوزبكستان بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لحساب المجموعة الحادية عشرة. ورغم الفارق الفني الواضح الذي أظهره الجناح الكولومبي لويس دياز، فإن بصمة المدافع الإيطالي ظهرت جلياً في التنظيم الدفاعي الصارم، حيث اعتمد على طريقة ثلاثة مدافعين في الخلف لتطبيق دفاع الخط العالي والحد من خطورة خاميس رودريغيز ومنع الاختراقات العميق لوسط الميدان.

لغة الأرقام التكتيكية... تفاصيل الملحمة الافتتاحية لـ«الذئاب البيضاء»

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (إ.ب.أ)

أظهرت إحصائيات المباراة الافتتاحية لمنتخب أوزبكستان تحت إشراف كانافارو ملامح أسلوبه الذي يحاول غرسه في عقول لاعبيه، حيث اعتمد الفريق على إغلاق المساحات والارتداد السريع، مما جعل نسبة الاستحواذ تميل للمنافس الكولومبي بسبع وستين في المائة مقابل ثلاثة وثلاثين في المائة للذئاب البيضاء، وعلى مستوى التمرير، نجح لاعبو أوزبكستان في إكمال مائتين وأربع وستين تمريرة ناجحة من أصل ثلاثمائة وثلاثين محاولة، بنسبة دقة بلغت ثمانين في المائة، مع القيام بسبع تسديدات كاملة نحو المرمى أسفرت إحداها عن تسجيل النجم الشاب عباس بيك فايزولاييف الهدف التاريخي الأول لبلاده في المونديال.

حسابات المجموعة... رهان التأهل قائم في الجولات المقبلة

كانافارو (رويترز)

لم تُغلق خسارة الجولة الأولى باب الآمال أمام المنتخب الأوزبكي في حسابات التأهل عن المجموعة؛ إذ تظل الفرصة سانحة للتعويض والتمسك بحظوظ العبور إلى الأدوار الإقصائية بناءً على النظام الحالي للبطولة. وينتظر منتخب أوزبكستان اختبارين مصيريين في قادم الأيام، حيث يواجهون منتخب البرتغال المدجج بالنجوم في مدينة هيوستن يوم الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) الحالي، قبل الانتقال إلى مدينة أتلانتا في السابع والعشرين من الشهر ذاته لخوض المواجهة الحاسمة ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية لتحديد الترتيب النهائي للمجموعة.


«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً
TT

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

يشهد التاريخ الرياضي المعاصر كتابة فصول استثنائية فوق الملاعب الأميركية، حيث لم يعد التقدم في السن حائلاً دون معانقة المجد المونديالي، إذ فتحت بطولة كأس العالم 2026 أبوابها الحصرية لتدشين حقبة كروية غير مسبوقة يتصدرها «نادي الأربعين». لعقود طويلة، ظل الأسطورة الكاميروني روجيه ميلا محتفظاً بلقب «الظاهرة النادرة» بوصفه لاعب الساحة الوحيد الذي تجاوز هذا الحاجز السني في نهائيات كأس العالم، إلا أن هذه الهيمنة الفردية تلاشت تماماً في المونديال الحالي بعد انضمام ثلاثة من أبرز عمالقة العصر الحديث، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى استعراض علني لصلابة الجسد والالتزام الاحترافي، متجاوزاً حسابات الزمن الجافة وصعوبة المنافسة في أعلى المستويات العالمية.

روجيه ميلا... الأب الروحي لـ«المعجزة الأفريقية» وصاحب الرقصة الخالدة

الكاميروني روجيه ميلا (ويكيبيديا)

لا يمكن الحديث عن صمود الأربعين دون العودة إلى الجذور التي غرسها القناص الكاميروني روجيه ميلا، الذي يظل الأيقونة الكلاسيكية الملهمة لهذا النادي التاريخي. ففي مونديال الولايات المتحدة عام 1994، وفوق الملاعب ذاتها التي تستضيف الحدث الحالي، نجح ميلا في هز شباك المنتخب الروسي وهو بعمر 42 عاماً و39 يوماً، مرتدياً قميصه الأخضر الشهير رقم 9 ومتوجاً بلقب أكبر هداف في تاريخ كأس العالم. رقصة ميلا الشهيرة عند راية الركنية لم تكن مجرد احتفال عابر، بل كانت إعلاناً رسمياً لولادة مفهوم جديد للياقة البدنية عند المهاجمين الأفارقة، وشرارة الأمل الأولى التي أثبتت للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعالم أجمع أن الشغف باللعبة قادر على ترويض أحكام الشيخوخة الرياضية.

رونالدو في النسخة السادسة... حضور قيادي يزن ذهباً

المخضرم كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

رغم شح التهديف تتجه الأنظار بالدرجة الأولى نحو البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي بات يمثل واجهة هذا النادي الاستثنائي بظهوره التاريخي في نسخته المونديالية السادسة، محققاً رقماً قياسياً كأكبر لاعب ساحة يشارك أساسياً بعمر 41 عاماً و132 يوماً، ورغم أن ظهوره في الملحمة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، كشف عن تراجع نسبي في مساهماته التهديفية المعتادة باكتفائه بلمس الكرة 25 مرة داخل الملعب منها 5 لمسات فقط في منطقة الخصم، فإن وجود القائد صاحب القميص رقم 7 يظل ثقلاً تكتيكياً ونفسياً لا غنى عنه في حسابات المدرب والجماهير البرتغالية على حد سواء.

لوكا مودريتش... مهندس «التمرير المثالي» الذي لا يشيخ

المخضرم لوكا مودريتش قائد منتخب كرواتيا (رويترز)

في وسط الميدان وفي السياق نفسه من الإبهار الكروي، يقف الساحر الكرواتي لوكا مودريتش علامة فارقة أخرى تتحدى أحكام السنين. قاد مودريتش، البالغ من العمر 40 عاماً و9 أشهر و8 أيام، خط وسط كرواتيا بقميصه رقم 10 في مواجهة عاصفة ضد إنجلترا انتهت بخسارة فريقه بأربعة أهداف مقابل هدفين. وعلى مدار 58 دقيقة أمضاها فوق العشب الأخضر قبل استبداله، قدم النجم المخضرم درساً بليغاً في هندسة التمرير محققاً نسبة دقة بلغت 100في المائة في تمريراته، ومثبتاً للجميع أن الرؤية الكروية الفذة والقدرة على التحكم بالإيقاع لا تفقدان بريقهما، بل تزدادان نضجاً وعمقاً مع تقدم الأعمار والخبرات المتراكمة.

إدين دجيكو يكمل المربع الذهبي

إدين دجيكو قائد منتخب البوسنة المخضرم (د.ب.أ)

واكتملت أركان هذا المربع الذهبي النادر بالهجومات البدنية الشرسة التي خاضها البوسني المخضرم إدين دجيكو، ليصبح الاسم الرابع في هذا المحفل المونديالي الموقر. دجيكو، الذي ارتدى قميصه رقم 11 مدافعاً عن ألوان البوسنة والهرسك أمام سويسرا في اللقاء الذي انتهى بخسارة فريقه بأربعة أهداف لهدف، ظهر فوق أرضية الملعب لمدة 63 دقيقة كاملة. ورغم نيل الهداف البوسني بطاقة صفراء نتيجة التنافس البدني القوي، فإن دقة تمريراته ومحاولاته المستمرة أعادت للأذهان الروح التاريخية لميلا.


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.