ما بين الجدل بشأن ارتداء بعض الأمهات الحجاب أثناء مواكبتهن للتلاميذ خارج المدارس، والاعتداء الذي استهدف مسجداً في مدينة بايون، جنوب غربي فرنسا، يستحوذ ملف الإسلام على كثير من اهتمام الطبقة السياسية والإعلام.
وإذا كان كل طرف يدلي بدلوه بشأن هذا الموضوع، فمن الواضح أن اليمين المتطرف واليمين التقليدي عازمان، أكثر من أي وقت مضى، على استغلاله، وعلى وضع الحكومة وقبلها رئيس الجمهورية في موقف صعب، خصوصاً أن شيئاً من البلبلة والتخبط يخيم على مواقف الحكومة، وأن الرئيس إيمانيول ماكرون رفض حتى الآن الخوض في ملف الحجاب بشكل مباشر.
وفي المقابل، فإن مسلمي فرنسا يشعرون أكثر فأكثر بأنهم مستهدَفون، وأن الجدل بخصوص الحجاب ليس سوى «ذريعة» للتصويب عليهم وإظهارهم «مختلفين» عن بقية المواطنين، وهو ما بيّنه استطلاع للرأي خلص إلى أن 60 في المائة من العينة المستفتاة تعتبر أن الإسلام «لا يتوافق مع قيم المجتمع الفرنسي».
آخر ما استجد تصويت مجلس الشيوخ الفرنسي الذي يهمين عليه اليمين، الثلاثاء الماضي، لصالح مشروع قانون يمنع إبراز «الشارات الدينية» (والمقصود بذلك الحجاب) للأمهات اللواتي يرافقن التلاميذ في الحصص التي تحصل خارج صفوف المدرسة.
وجاء التصويت في اليوم التالي للاعتداء الذي استهدف مسجد بايون. وللإشارة، فإن القوانين الفرنسية لا تشير أبداً إلى منع الحجاب في الفضاء العام، إلا أن عضو مجلس الشيوخ ماكس بريسون، الذي ينتمي إلى حزب «الجمهوريون»، أكد أن «الحصص المدرسية التي تحصل خارج الصفوف هي امتداد لما يحصل داخلها، وبالتالي يتعين حمايتها كما تُحمى المدرسة»، في إشارة إلى قانون سابق يمنع ارتداء الشارات الدينية، ومنها الحجاب داخل المدارس.
وذهب زميله برونو روتايو إلى التعبير عن المخاوف التي «تجتاح المواطنين، وهم يرون الدوس على مبدأ العلمانية» التي تنظم العلاقة بين الدولة والأديان.
وجاء الرد من اليسار على مشروع اليمين، الذي يتهم الرئيس ماكرون بإيقاظ وحش الإسلاموفوبيا من خلال رغبته في حمل مجلس النواب والشيوخ على مناقشة ملف الهجرات بداية الشهر المنقضي. وأول من أمس (الثلاثاء)، نجح أعضاء مجلس الشيوخ المنتمون إلى أجنحة اليسار والخضر في التغلب على انقساماتهم التقليدية، ومحاولة الوقوف بوجه مشروع قانون الحجاب. وفي مؤتمر صحافي مشترك، تم الكشف عن عزمهم القيام بـ«مبادرة» يوم 10 نوفمبر (تشرين الثاني) للوقوف بهذه الموجة التي اعتبرها زعيم اليسار المتشدد ورئيس حزب «فرنسا المتمردة» النائب جان لوك ميلونشون بأنها «حملة عنصرية انطلقت وهي تستهدف المسلمين».
وأشارت عضو مجلس الشيوخ، صوفي تاييه - بوليان، إلى «القلق الكبير» إزاء الوضع الراهن في فرنسا المتميز بـ«خطاب عنصري وحاقد» ضد المسلمين، مضيفة أنه «لا يتعين السماح بوجود مثل هذه الأجواء»، كما يتعين «وضع حد لهذه المزايدات واستغلال العلمانية» لأغراض سياسية.
يوم أمس، خصصت صحيفة «لو موند» المستقلة، على صدر صفحتها الأولى موضوعها الرئيسي لـ«قلق مسلمي فرنسا». ولم تتردد الصحيفة في انتقاد أداء الحكومة في هذا الملف، مشيرة إلى «الانقسامات» الموجودة داخل صفوفها وصفوف الأكثرية التي تدعمها في مجلس النواب. وخلاصة الصحيفة أن هناك حاجة لكي يعبر الرئيس الفرنسي وبقوة عن موقفه من هذا الملف، إذ لا يكفي أن يستقبل أعضاء من المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا، بل عليه أن يعطي رأيه في موضوع الحجاب والإسلام والتعايش مع العلمانية، وكيفية ترجمة ذلك ميدانياً وعملياً. والحال أن ماكرون الذي أجّل أكثر من مرة الإعلان عن الخطوط العريضة لرؤيته للإسلام ولكيفية انخراطه في قالب الجمهورية، يعتبر أنه «غير معني» بإعطاء رأيه في موضوع الحجاب، ونُقل عنه أنه لا يريد قانوناً جديداً بهذا الخصوص.
في المقابل، فإن ماكرون يريد التشديد على محاربة «الانطوائية الطائفية»، كما نقلت عنه مجلس «فالور أكتويال» اليمينية في عددها الذي يصدر صباح اليوم. وكان ماكرون قد طلب من ممثلي الإسلام في فرنسا مساعدته في هذه المهمة. وفي الوقت عينه، يرفض الرئيس الفرنسي استغلال مبدأ العلمانية لأهداف سياسية.
وفي خطاب له، مساء أول من أمس، بمناسبة تدشين مركز ثقافي يهودي في باريس، ندد ماكرون بالذين «يستغلون العلمانية من أجل بث الحقد وإحداث الانقسام» داخل المجتمع الفرنسي، أو «من أجل محاربة هذه الديانة أو تلك». ووفق قراءته، فإن العلمانية «ليست إنكاراً للدين وليست وسيلة لمحاربة الأديان، ولكنها القيمة التي تكمل شعار الجمهورية الثلاثي (الحرية، المساواة، الإخاء)».
في السياق نفسه، قال رئيس الحكومة أمام الجمعية الوطنية إن الجمهورية «اختارت منذ فترة طويلة أن تعترف لكل فرد بحريته بأن يكون مؤمناً أو لا يكون، وأن يمارس دينه مع احترام القوانين». بيد أن التأكيد على هذه المبادئ، رغم أهميته، لا يحل المشكلة ولا يضع حداً للخطابات المتميزة بالعنصرية ومعاداة الإسلام التي تسمع على شاشات التلفزة أو في المحافل السياسية. ووفقاً للمسلمين، فإن الاعتداء على مسجد بايون الذي قام به كلود سينكيه (84 عاماً) وهو منتسب سابق لليمين المتطرف ومرشح عنه في الانتخابات المحلية في عام 2015، ليس سوى «نتيجة» لخطاب الكراهية وللتنديد بالمسلمين والخلط بينهم وبين بعض المنحرفين الذين قاموا بجرائمهم تحت ذريعة الدفاع عن الإسلام.
ويتساءل الناطقون باسم المسلمين عن الأسباب التي تمنع السلطات الأمنية والقضائية الفرنسية من اعتبار ما حصل في مسجد بايون «عملاً إرهابياً»، وهي تشكو، في الوقت عينه، من «ازدواجية المعايير». وآخر ما استجد في هذه المسألة أن الخبراء النفسيين اعتبروا، بعد فحوص أجروها لكلود سينكيه، أنه لا يمتلك أحياناً كامل قواه العقلية.
الرئيس الفرنسي: ثمة من يستغل العلمانية لبث الأحقاد وإحداث الانقسام
قال إنها ليست وسيلة لمحاربة الأديان أو إنكاراً للدين
الرئيس الفرنسي لدى إلقائه كلمة أمام مؤتمر «الذكاء الصناعي من أجل الإنسانية» في باريس أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي: ثمة من يستغل العلمانية لبث الأحقاد وإحداث الانقسام
الرئيس الفرنسي لدى إلقائه كلمة أمام مؤتمر «الذكاء الصناعي من أجل الإنسانية» في باريس أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






