الموضة تستبدل بالجمال والأناقة خيارات صادمة

تصاميم تقتحم عالم الترف باسم «العملية» و«خالف تُعرف»

من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
TT

الموضة تستبدل بالجمال والأناقة خيارات صادمة

من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018

لا يرتبط الجمال دوماً بالموضة، فللغرابة مكانتها أيضاً. هذا على الأقل ما تؤكده عروض ومبيعات دور الأزياء العالمية وكبار المصممين، ممن يحصدون كثيراً من الأرباح من وراء مفهوم «خالف تُعرف»، وفكرة أنه ليس هناك قُبح بالمطلق. اللافت في هذه الظاهرة أن الشباب تقبلوا هذه الاقتراحات بصدر رحب؛ بل وبلهفة، ولسان حالهم يقول بأنها وسيلة عصرية للتمرد على مفهوم الأناقة التقليدي.
مفهوم إخراج الجمال من رحم القُبح ليس جديداً، بقدر ما هو تحدٍّ يخوضه بعض المصممين الشباب، ممن يريدون استعراض قدراتهم. أكبر دليل على أنه ليس جديداً، يتجسد في عرض قديم لجون غاليانو، استعان فيه بأشخاص عاديين من الشارع، بعضهم بمقاسات غريبة، لا تمت للموضة بصلة. هناك أيضاً تصاميم طرحها كل من: «برادا»، و«سيلين»، و«بالنسياغا»، و«فالنتينو»، و«فندي»، وقبلهم الراحل ألكسندر ماكوين، لقت هوى في النفوس. الجديد في الأمر هو أن التحدي دخل مرحلة تجارية أكثر منها فنية، لخلق جدل فكري أو فني، بالتركيز على تصاميم، مثل صندل «كروكس»، وحقائب الخصر، أو تلك التي تُعلق على الكتف؛ لكنها بأحزمة قصيرة. تصاميم كانت تُثير التفكه أكثر من الإعجاب، على أساس أنها ترتبط بالسياح الأميركيين ممن تعدوا الخمسينات؛ لكنها تُطرح حالياً في الأسواق بأسعار باهظة. والغريب أن صغار السن يُقبلون عليها، ويُشجعون المصممين على طرح مزيد منها، بينما لا يترك أدنى شك في أن الاتجاه الحالي يتلخص في أنه كلما كان المُنتج غريباً ونشازاً، راج وانتشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
فحقيبة الخصر من تصميم دار «غوتشي»، مثلاً، تُشكل ما يقرب من ربع إجمالي مبيعات حقائب الحزام على موقع «نيت أبورتيه». كما بيعت جميع منتجات «بالنسياغا» من الأحذية الرياضية السميكة في غضون ساعات. وهو ما يطرح عدة أسئلة، يجيب عنها البعض بأنها قد لا تتمتع بأي نوع من الجمال المتفرد، ولكنها عملية ومريحة، والأهم من هذا تلفت الأنظار، مثل أحذية «آغ» (Ugg) و«بيركنستوك» (Birkenstocks) و«كروكس» (Crocs). أي تصاميم كانت إلى الأمس القريب ضمن لائحة المنتجات «القبيحة» في عالم الموضة؛ لكنها تسللت إليها من باب الراحة والعملية، وأيضاً من باب شبكات التواصل الاجتماعي. وتأكيداً على ذلك، تكشف الأرقام أن إيرادات أحذية «آغ» تجاوزت 400 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2017، بينما تشهد أحذية «كروكس»، ومقرها ولاية كولورادو، ارتفاعاً في نسبة أرباحها قارب ملياراً إلى 1.2 مليار دولار سنوياً منذ عام 2011.
من ناحية أخرى، فإن صيحات الموضة تمر في دورات، لذلك فإن التي كانت مرفوضة من قبل تُصبح مقبولة من قِبل جيل آخر. فرغبة المستهلك في الجديد مفهومة، سواء كانت باستعمال حقيبة كحزام، أو بانتعال الأحذية الرياضية، وغيرها. المهم أن تلبي طلب المستهلك للراحة، وأيضاً لالتقاط صور يمكنهم عرضها عبر «إنستغرام» وشد الانتباه. في الماضي، وبالنسبة للجيل السابق، كان أحد عناصر جذبها يكمن فيما تمنحه من راحة، وأيضاً في أسعارها الرخيصة بالمقارنة مع غيرها؛ لكن شتان بين ما كانت عليه بالأمس وبين ما هي عليه اليوم، حين أصبح حذاء «كروكس» بتوقيع أي دار أزياء كبيرة يقدر بمئات الدولارات. واحد بتوقيع المصمم كريستوفر كاين، يباع بسعر 475 جنيهاً إسترلينياً (623 دولاراً) بينما يمكن أن تصل أسعار تصاميم مماثلة من بيوت أزياء أخرى إلى 600 جنيه إسترليني (791 دولاراً).
فالذكاء التجاري الذي برهن عليه صناع الموضة، هو نقل منتج كان يتعارض مع الموضة الراقية إلى منتج يُقبل عليه مواكبو الموضة وصرعاتها. ويجمع أغلب المراقبين على أن الأحذية تكون غالباً المدخل إلى عالم الأزياء «القبيحة». فالتعاون بين ماركة «فيتمون» و«ريبوك» مثلاً نتجت عنه أحذية رياضية تبدو أشبه بكائنات «معدلة وراثياً»، مع العلم بأن أحذية «بالنسياغا» الرياضية - المصنوعة باستخدام قوالب مأخوذة من أحذية الركض وكرة السلة والأحذية الرياضية – نفدت من على موقع «ستايل بوب.كوم» في غضون ساعات من طرحها، وهو ما يندر حدوثه في مجال الأحذية عموماً، حتى لو كانت من «كريستيان لوبوتان» أو «مانولو بلانيك»، وغيرهما.
وربما يُجسد «بيركنستوك» فكرة تحول القطع الشاذة في مجال الموضة إلى الصيحات الأكثر رواجاً. وكان هذا المد قد بدأت بوادره في الظهور عام 2012، بفضل الرؤية التي طرحتها فيبي فيلو في «سيلين»، واستلهمتها من تصاميم عملية أضفت عليها هندسية وابتكاراً تقبلته المرأة بسهولة. وقد نجحت «بيركنستوك» في استغلال هذا الأمر منذ ذلك الحين، بطرح إصدارات تشمل صنادل زينت وجوهها بجلود البقر، ونعالها من الفراء المبطن، وما شابهها. نسخة «بالنسياغا» التي تأتي باللونين الوردي والأصفر الفاقع، ومغطاة بدبابيس الزينة، مع نعل عملاق بطول 10 سنتيمترات، شُبهت بدمية «ميمي» بسبب غرابتها؛ لكنها نجحت في التسويق لنفسها. ويعتبر نجاحها دليلاً على أن الاتجاه مستمر. خلال العام الماضي، زادت العلامة التجارية إيراداتها ثلاث مرات إلى 750 مليون يورو (800 مليون دولار).
في العام الماضي، كشفت «بروجيكت بوكس» (Project Box) عن طرحها طرزاً محدودة الإنتاج. وعندما وصلت إلى «بارنيز» في نيويورك، جذبت آلاف العملاء الجدد إلى المتجر، وكان 30 في المائة من زوارها عملاء جدداً لـ«بارنيز». وعلى ما يبدو فإن أبناء الألفية الجديدة في نيويورك أو لندن يميلون إلى التصاميم نفسها التي ينجذب إليها مدرس يبلغ من العمر 60 سنة في ألمانيا. الفرق أنها في حالتهم تكتسب مظهراً يُعبر عن الموضة.
يقول المصمم كريستوفر كاين، الذي يتعاون مع الشركة منذ موسم ربيع وصيف 2017: إنه لا يشكك في أن «أحذية (كروكس) قبيحة؛ لكنها في الوقت ذاته رائعة بما تُوفره من راحة، وهذا هو بيت القصيد. وما يعجبني أنها لم تصمم لتلائم الأغنياء أو السيدات فقط. فها هي أختي ترتديها في حديقتها، وغيرها يرتديها في العواصم العالمية». ويشير كاين إلى أن تعاون «بالنسياغا» مع شركة «كروكس» سيجعل هذه الأحذية مقبولة.
يأتي حذاء «كروكس» الذي صممه كاين مع قطع أكسسوار قابلة للإزالة، وبأحجار متألقة على شكل دبابيس زينة، توضع على الجزء العلوي من المطاط، مثل الأقراط. وهذا الموسم ابتكر أيضاً نسخة مبطنة بالفراء تُباع حالياً على موقع «فارفيتش» (Farfetch). وهو ما قال إنه شجعه على إعادة تقديمها في تشكيلاته الأربع الأخيرة. ولا تعتبر هذه الموضة الوحيدة التي كان لكريستوفر كاين دور في رواجها بين الشباب، فقد سبق وأن أثار المصمم ضجة عام 2011، عندما طرح هذا التصميم لأول مرة على أساس أنه تصميم خاص بحمامات السباحة. وبالنسبة للبعض كان يجب ألا يخرج منها عوض الدخول إلى عروض الأزياء. وعن هذا قال كاين: «تعرضت لانتقادات كثيرة لنقلي هذه الأحذية إلى عالم الموضة الفاخرة.
اليوم، تطرح كل علامة تجارية كبرى طرازاً خاصاً بها من هذه الصنادل».
وعلى الرغم من عدم تأكيد «كروكس» ما إذا كانت مشروعات التعاون مع كاين قد عززت المبيعات؛ لكنها فتحت بالتأكيد أبواب البيع بالجملة في متاجر التجزئة التي تركز على الموضة، مثل «فارفيتش»، و«ماتشزفاشن.كوم» وغيرها من المواقع، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للنمو. بالنسبة لشركة «كروكس» فإن التعاون مع مصممي الأزياء يُفيدها بخلق إثارة هي في أمسِّ الحاجة إليها، بعد أن كانت شريحة زبائنها محدودة للغاية، ولا علاقة لهم بالموضة.
أما في مجال الأزياء، فلا تزال سراويل الجينز عالية الخصر وبقصة الأرجل المستقيمة، تتصدر قوائم التسوق للمستهلكين. ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الحنين إلى الماضي. فكثير من الفتيات يشترين جينز «ليفي 501» الرجالي العتيق، الذي ابتكره ليفي ويدجيه جان منذ عقود. فقد تبين لهن أنه أفضل تصميم يتماشى مع أحذية الـ«بلاتفورم» العالية.
كانت دار «فيتمون» أيضاً ذكية في هذا المجال، فبنطلون الجينز المعدني المصنوع من زوجين من سراويل «Levi’s» القديمة التي تشتريها العلامة التجارية مقابل 30 يورو يباع في متاجر التجزئة بأكثر من 1000 جنيه إسترليني (1319 دولاراً). وحظي التصميم بشهرة كبيرة للغاية لدرجة أن الدار خصصت فريقاً لتوريد السراويل القديمة.
أما فيما يتعلق بحقائب الخصر، فهي دليل آخر على الحنين إلى الماضي. وهي الآن مفضلة لمرتادي المهرجانات والاحتفالات لعمليتها. في الوقت الحالي يملك موقع «أسوس» للتسوق الإلكتروني، أكثر من 100 إصدار، وذروة المبيعات تكون خلال أشهر الصيف، كونها مناسبة للسفر. وبالمثل، كان البحث عن هذا التصميم على موقع «غوغل»، الأكثر تكراراً ليصل إلى أعلى مستوى له هذا العام؛ خصوصاً بعد أن أعادت كل من «أوف وايت» و«غوتشي» تصميمها، مستعينة بالأقمشة الفخمة التي تشمل الجلد والحرير. ونتيجة لنجاحها، تُوفر «غوتشي» على موقعها أكثر من 20 تصميماً منها. ففي عالم تحكمه الصور وشبكات التواصل الاجتماعي، يُشكل كل ما هو غريب ولافت منتجاً مرغوباً؛ لأن أي دعاية حتى وإن كانت سلبية، أفضل من لا دعاية.



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة