«مسك للإعلام» ناقش استقطاب الخبرات الدولية وتمكين شباب الصناعة

الاندماجات والشركات... فرص الصحافة الورقية لمواجهة تحديات التكنولوجيا

الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
TT

«مسك للإعلام» ناقش استقطاب الخبرات الدولية وتمكين شباب الصناعة

الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة

في ظل مشهد متغير تحكمه التكنولوجيا وثورة تقنية يعيشها العالم، لا تزال الصحافة الورقية تحافظ على موقعها إلى جانب أنواع الصحافة الأخرى الإلكترونية والمطورة آلياً بواسطة الذكاء الصّناعي.
وخلال منتدى «مسك للإعلام» الذي أقيم أول من أمس، في القاهرة، تحت عنوان «التحولات الذكية في صناعة الإعلام العربي»، تناول المشاركون فيه تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الحديثة على الصحافة الورقية ووسائل الإعلام التقليدية من قنوات تلفزيونية والراديو وغيرها.
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء الخبراء والإعلاميين في مستقبل الصحافة الورقية في ظل وجود أخبار يتم توليدها آلياً وتباين القيم الإعلامية التي سيكون «التغيير» عنصراً أساسياً فيها، فهل المستقبل في الاندماجات ما بين الإعلام الورقي والتطبيقات والشبكات الاجتماعية؟
يقول يوسف الحمادي، مدير عام الإعلام والعلاقات العامة في مؤسسة «مسك الخيرية»، لـ«الشرق الأوسط»: «استطعنا خلال منتدى (مسك للإعلام) إثارة نقاشات في الذكاء الصّناعي وكيف يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، اليوم المشهد الصحافي يمكنه توظيف كاميرات (الدرون) لالتقاط الصور وبتكاليف قليلة، بجانب الصحافة الآلية لترجمة وتحليل وإنتاج المحتوى، والوصول بشكل أسرع للجمهور، بل وتوجيهه وفقاً لخطط إعلامية وهو مسلك تتبعه ليس فقط المؤسسات الإعلامية بل كافة المؤسسات الاقتصادية وغيرها». وأضاف: «الذكاء الصناعي فرض نفسه بقوة، فمثلا (سي إن إن) استخدمت الدردشات الآلية لإيصال العناوين الرئيسية للجمهور وفقاً لميوله؛ رياضية أو فنية أو اقتصادية، عبر وسائل الـ(سوشيال ميديا)، أيضاً استخدمت وكالة (أسوشييتد برس) تقنيات توليد النصوص اللغوية لإنتاج أربعة آلاف قصة في عام 2017. كما أنّ (واشنطن بوست) أنتجت القصص عام 2014 بواسطة الذكاء الصناعي».
وعن النسخة الثانية من منتدى «مسك للإعلام»، قال الحمادي: إنّ «المنتدى فتح المجال لكل الاحتمالات لتطوير المشهد الإعلامي خلال الفترة المقبلة، مقدماً الفرصة للشركات التقنية الناشئة في تقديم حلول لصناعة المحتوى العربي بمستوى تقني عالمي».
من جانبه، رأى عمر الشدي، رئيس تحرير صحيفة اليوم السعودية أنّه «لا بد من مواكبة العصر ومستجداته، فالصحف الورقية أصبحت ملزمة بالتجديد والتطوير وتحديث مواقعها على الإنترنت؛ لأن الـ(سوشيال ميديا) لها تأثير كبير على الصحافة الورقية والإلكترونية»، مضيفاً: «لا بد أن يكون المتلقي والمؤسسات الصحافية أكثر وعياً ويقظة تجاه ما يبث من معلومات مغلوطة، فاليوم مهمتنا أكثر صعوبة لأنّ كل مواطن وكل عضو على هذه الشبكات بات يعتبر ذاته منبراً إعلامياً ينشر ما يحلو له دون أي مسؤولية تجاه العواقب، قد تكون له مصالح شخصية ولا يبالي بمصلحة المجتمع».
وتابع الشدي: «في سبيل الوصول لخطة التنمية 2030 تعيش السعودية عملية تسارع عالية جداً في كافة المجالات الاقتصادية والفكرية والإعلامية والمجتمعية حتى أن البعض لا يستطيع أن يواكبها أو يستوعبها، ولم تحدث في أي بلد بهذه السرعة؛ لذا ليس من الغريب أن نستقطب الخبرات العالمية في القطاع الإعلامي ونتعلم منها ونطورها». ورأى أنّ الشباب العربي يحتاج الفرصة والدعم والتوجيه الصحيح، وبالتالي علينا أن نمنحه الفرصة لإدارة المواقع الصحافية المؤثرة»، منوهاً إلى أنّ «(السوشيال ميديا) توجهها وتتحكم فيها قوة عالمية واحدة، وهي مشكلة كبيرة جداً، فإذا ما سقط الإعلام التقليدي وقعت الشعوب العربية في براثنها، وهذا ضد الأمن القومي، يجب أن يكون لدينا شبكات اجتماعية عربية نديرها وتحافظ على مصالحنا ومصالح شبابنا».
في حين ترى الإعلامية البريطانية إيدي لاش، أنّ العالم العربي يحقق التوازن بين الورقي والرقمي، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «هناك الكثير من الصحف الورقية في بريطانيا، في حين بالعالم العربي بات كل شيء رقمياً؛ مشيرة إلى أن الصحافة الرقمية حققت وجوداً وأثبتت نفسها بقوة في هذه البقعة من العالم»، وقالت إن «الإحصائيات حول المحتوى الخاص بالتدوين الصوتي (بودكاست) أبرزت أن 30 في المائة من الشباب يقدمون الكثير من المحتوى الرقمي في السعودية والإمارات ومصر ولبنان، لذا يمكن أن تتبنى المؤسسات الصحافية الكبرى هذا المحتوى لتقدم محتوى يعتمد على الأمل والنماذج الملهمة من دون مخاوف من الأخبار الكاذبة أو المحتوى المضلل للإنترنت المظلم».
من جانبه، ذهب مبارك الديجن، المدرب والباحث في مجال صحافة الموبايل أن «الصحافة الرقمية ترتبط بعلاقة تكاملية مع الصحافة التقليدية لتقديم خدمات إعلامية للجمهور، وقال إنّ صحافة الموبايل تتميز بخصائص هامة من بينها، المرونة، وتوافر الهواتف بتقنيات عالية، والجودة في الصورة والصوت، ووفرة التطبيقات الإلكترونية والأهم قلة التكاليف وسرعة الوصول للجمهور». وانتهى إلى أنّ «مهمة المؤسسات الصحافية التقليدية يجب أن تنمي مهارات الصحافيين في استخدام الموبايل بأفضل الطرق لإنتاج محتوى يرافق المحتوى المطبوع».
من ناحية أخرى، شهد منتدى «مسك للإعلام» وجوداً قوياً لـ8 شركات ناشئة في مجال صناعة المحتوى الرقمي العربي، وعن رؤيتهم وأهدافهم ومشروعات الاندماج مع الإعلام الورقي والتقليدي، يقول عبد الله الحسين من مشروع «تراتيق» السعودي، لـ«الشرق الأوسط» إنّ المشروع عبارة عن «منصة بدأت عام 2017، ويقدم خدمات فيديو وتصاميم بها غرافيكس، وربط بين المراسلين المحترفين والمؤسسات الإعلامية»، ورأى أن «المستقبل يميل للتخصص، وحينما تتعاون المؤسسات الإعلامية التقليدية مع شركات ناشئة تقدم خدمات تقنية مبتكرة تجد حلولاً للمحتوى وتقدمه للمتلقي بعدة صور بحيث يتاح لديه الورقي والمرئي والمسموع».
بينما يوضح عبد الرحمن جامي، أحد مؤسسي موقع «إكس عنبر» لـ«الشرق الأوسط»: «نوفر أدوات في التسويق الرقمي وتقديم خدمة الروابط القصيرة للمؤسسات الصحافية وغيرها لتسهيل التواصل مع الجمهور»، متابعاً: «نحوّل المحتوى لأشكال وصور رقمية لتتماشى مع السوق المعلوماتية الرقمية العالمية التي أصبح أهم مقوماتها الاندماجات. مع تقديم خدمات التحليل بعدد الزيارات ومن أي دولة أي متصفح ونوع جهاز المستخدم بدأنا منذ عام 2018 مع المهندس يحيي بطاش، ومن خلال خبراتنا في التسويق الرقمي حاولنا تأسيس موقع يدعم اللغة العربية والمحتوى العربي لتحويله إلى (كيو آر كود) أو روابط قصيرة».
وأكد جامي: «نركز على الهوية السعودية في العالم الرقمي، وبالتالي نسعى للانتشار دولياً بنفس امتداد الموقع (SA)، وقد أتاحت لنا المشاركة في منتدى مسك للإعلام عقد شراكات في مصر»، وقال: «لدينا حالياً أكثر من ألف مشترك وأحد أهم عملائنا وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية، ونسعى لأن نعقد شراكات عالمية كبرى فقط نحاتج المزيد من التمويل والدعم». موضحاً أنّ «الاسم مستوحى من حجر العنبر لحفظ المحتوى الرقمي للأشخاص والمؤسسات أي نوع من أنواع المحتوى يمكننا أن نحفظه بداخل هذا الحجر الافتراضي إذا أمكن القول».
فيما ذهب الدكتور طارق ناصر، الباحث في مجال الصحافة الإلكترونية والأكاديمي في كلية الإعلام بجامعة اليرموك الأردنية، إلى «بقاء الصحافة الورقية هو جزء من الحفاظ على مؤسسية المهنة وتقاليدها خاصة، وأن القارئ وإن تحرك باتجاه الهواتف الذكية أو الحواسيب اللوحية فهو ما زال يمارس إلى حد كبير التعامل مع الكتاب الورقي في كثير من الأحيان خاصة في مجال الرواية والدراسات العلمية وربما ستكون الصحافة الورقية شريكة في ذلك إن أعيد بناء الشكل المؤسسي والخدمات المقدمة».
وفيما يتعلق ببناء كيانات صحافية كبيرة من خلال الاندماجات، رأى ناصر لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا توفرت حملات ترويجية حقيقية مع توسع في القاعدة الجماهيرية والمحتوى من حيث الوظيفة والشكل مع الاستفادة بحذر وذكاء من الثورة التكنولوجية الحاصلة؛ فإن الصحف ستعود للحضور من جديد»، منوهاً بأن «الصحف استمرت رغم وجود الإذاعة ثم التلفزيون وانتشارهما بشكل واسع، مما يعني أنها إن وجد التخطيط المهني والتمويل القوي والإدارة المميزة فسوف يسهم الاندماج ببقائها بل ستكون فرصة لعودة الصحف الورقية إلى الواجهة».

إعلام الأزمات المصلحة المجتمعية أولوية
> لم يغفل برنامج منتدى «مسك للإعلام» في القاهرة أهمية الرياضة كرافد من روافد الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، إذ قدم الإعلامي المصري، أسامة إسماعيل، المتحدث الرسمي لاتحاد كرة القدم المصرية، ورشة عمل بعنوان «إعلام الأزمات» تحدث خلالها عن «أهمية الإعلام في بناء وعي المجتمعات وتوجيه الرأي العام، وأن هذا الدور لن يتغير حتى مع وجود شبكات التواصل الاجتماعي». كما شدّد على أنّ «الصحافي يلعب دوراً كبيراً وليس مجرد ناقل للخبر، أو مقدم للمعلومة بل إن دوره يؤثر تأثيراً مباشراً في مجتمعه»، لافتاً إلى أنّ الصحافي ودوائر اتخاذ القرار عليهما العبء الأكبر في التعامل مع الأزمات من خلال التركيز على المصداقية، والموضوعية، والحرص على المصلحة المجتمعية وتجنيب المصالح الشخصية».
وبشكل خاص تحدث إسماعيل، عن الإعلام الرياضي الذي اعتبر أنّه «من أكثر الفئات التي تتعرض للكثير من الأزمات»،
ورأى إسماعيل، أنّ «الأزمة مثل الكائن الحي لها نفس مراحل تطوره، من الحمل والولادة فالنضوج والموت، ومرحلة ما بعد الموت»، ومعتبراً أنّه «في أوقات الأزمات دور الإعلام أن ينحاز للمجتمع وليس ضده، بل يحاول مخاطبته بلغة مبسطة وبدقة متناهية حتى لا تشتعل الأزمة من جديد».

«البودكاست العربي» آفاق لا محدودة للبث الصوتي
> دفع الاهتمام المتصاعد عربياً بتعزيز محتوى البث عبر الإنترنت «البودكاست» منتدى مسك للإعلام، للطرح ضمن ورش عمل دورته الثانية في القاهرة. وعقد حسام الجمل، نائب رئيس شركة أنغامي في منطقة شمال أفريقيا ورشة بعنوان: «الصوت يتصدر الشاشات»، أكد خلالها تشجيع تطبيق أنغامي للشباب على صناعة محتوى عبر البث الصوتي «البودكاست».
وعن أبرز ملامح المحتوى شرح الجمل أنه «لا بد أن يكون لدى صاحب البث ملامح خاصة، ولون إعلامي مميز، ولا بأس من شراكات إعلامية تدعم المحتوى». وتابع: «البودكاست مهم كنوع من الخدمات الإعلامية تحت الطلب، ولاحظنا نمواً وتزايداً بعدد المستمعين على البودكاست العربي، والفرصة سانحة الآن لزيادة المحتوى، وهناك تنوع كبير بها من محتوى علمي أو تعليمي إلى جانب أخرى تمس الجانب الإنساني أو الحياة اليومية ونحتاج لضخ المزيد». وكشف أن «السوق السعودية من أكثر الأسواق الصاعدة في مجال البودكاست».
وعن الجانب العملي للبث أفاد بأنّ «بداية المقطع، خاصة في أول 30 ثانية، هي التي تحدد ما إذا كان المحتوى سيجذب المتلقي أم لا؟ والتحكم في درجات الصوت بين العلو والانخفاض والمؤثرات الصوتية، وأقول للشباب لديكم موبايل ويمكنكم تسجيل مقطع صوتي في أي وقت ومكان... فلم لا تشاركون وتوجدون في العالم الرقمي؟»



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.