«مسك للإعلام» ناقش استقطاب الخبرات الدولية وتمكين شباب الصناعة

الاندماجات والشركات... فرص الصحافة الورقية لمواجهة تحديات التكنولوجيا

الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
TT

«مسك للإعلام» ناقش استقطاب الخبرات الدولية وتمكين شباب الصناعة

الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة
الشركات الناشئة ومستقبل الشراكات مع الصحافة الورقية في مسك للإعلام بالقاهرة

في ظل مشهد متغير تحكمه التكنولوجيا وثورة تقنية يعيشها العالم، لا تزال الصحافة الورقية تحافظ على موقعها إلى جانب أنواع الصحافة الأخرى الإلكترونية والمطورة آلياً بواسطة الذكاء الصّناعي.
وخلال منتدى «مسك للإعلام» الذي أقيم أول من أمس، في القاهرة، تحت عنوان «التحولات الذكية في صناعة الإعلام العربي»، تناول المشاركون فيه تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الحديثة على الصحافة الورقية ووسائل الإعلام التقليدية من قنوات تلفزيونية والراديو وغيرها.
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء الخبراء والإعلاميين في مستقبل الصحافة الورقية في ظل وجود أخبار يتم توليدها آلياً وتباين القيم الإعلامية التي سيكون «التغيير» عنصراً أساسياً فيها، فهل المستقبل في الاندماجات ما بين الإعلام الورقي والتطبيقات والشبكات الاجتماعية؟
يقول يوسف الحمادي، مدير عام الإعلام والعلاقات العامة في مؤسسة «مسك الخيرية»، لـ«الشرق الأوسط»: «استطعنا خلال منتدى (مسك للإعلام) إثارة نقاشات في الذكاء الصّناعي وكيف يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، اليوم المشهد الصحافي يمكنه توظيف كاميرات (الدرون) لالتقاط الصور وبتكاليف قليلة، بجانب الصحافة الآلية لترجمة وتحليل وإنتاج المحتوى، والوصول بشكل أسرع للجمهور، بل وتوجيهه وفقاً لخطط إعلامية وهو مسلك تتبعه ليس فقط المؤسسات الإعلامية بل كافة المؤسسات الاقتصادية وغيرها». وأضاف: «الذكاء الصناعي فرض نفسه بقوة، فمثلا (سي إن إن) استخدمت الدردشات الآلية لإيصال العناوين الرئيسية للجمهور وفقاً لميوله؛ رياضية أو فنية أو اقتصادية، عبر وسائل الـ(سوشيال ميديا)، أيضاً استخدمت وكالة (أسوشييتد برس) تقنيات توليد النصوص اللغوية لإنتاج أربعة آلاف قصة في عام 2017. كما أنّ (واشنطن بوست) أنتجت القصص عام 2014 بواسطة الذكاء الصناعي».
وعن النسخة الثانية من منتدى «مسك للإعلام»، قال الحمادي: إنّ «المنتدى فتح المجال لكل الاحتمالات لتطوير المشهد الإعلامي خلال الفترة المقبلة، مقدماً الفرصة للشركات التقنية الناشئة في تقديم حلول لصناعة المحتوى العربي بمستوى تقني عالمي».
من جانبه، رأى عمر الشدي، رئيس تحرير صحيفة اليوم السعودية أنّه «لا بد من مواكبة العصر ومستجداته، فالصحف الورقية أصبحت ملزمة بالتجديد والتطوير وتحديث مواقعها على الإنترنت؛ لأن الـ(سوشيال ميديا) لها تأثير كبير على الصحافة الورقية والإلكترونية»، مضيفاً: «لا بد أن يكون المتلقي والمؤسسات الصحافية أكثر وعياً ويقظة تجاه ما يبث من معلومات مغلوطة، فاليوم مهمتنا أكثر صعوبة لأنّ كل مواطن وكل عضو على هذه الشبكات بات يعتبر ذاته منبراً إعلامياً ينشر ما يحلو له دون أي مسؤولية تجاه العواقب، قد تكون له مصالح شخصية ولا يبالي بمصلحة المجتمع».
وتابع الشدي: «في سبيل الوصول لخطة التنمية 2030 تعيش السعودية عملية تسارع عالية جداً في كافة المجالات الاقتصادية والفكرية والإعلامية والمجتمعية حتى أن البعض لا يستطيع أن يواكبها أو يستوعبها، ولم تحدث في أي بلد بهذه السرعة؛ لذا ليس من الغريب أن نستقطب الخبرات العالمية في القطاع الإعلامي ونتعلم منها ونطورها». ورأى أنّ الشباب العربي يحتاج الفرصة والدعم والتوجيه الصحيح، وبالتالي علينا أن نمنحه الفرصة لإدارة المواقع الصحافية المؤثرة»، منوهاً إلى أنّ «(السوشيال ميديا) توجهها وتتحكم فيها قوة عالمية واحدة، وهي مشكلة كبيرة جداً، فإذا ما سقط الإعلام التقليدي وقعت الشعوب العربية في براثنها، وهذا ضد الأمن القومي، يجب أن يكون لدينا شبكات اجتماعية عربية نديرها وتحافظ على مصالحنا ومصالح شبابنا».
في حين ترى الإعلامية البريطانية إيدي لاش، أنّ العالم العربي يحقق التوازن بين الورقي والرقمي، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «هناك الكثير من الصحف الورقية في بريطانيا، في حين بالعالم العربي بات كل شيء رقمياً؛ مشيرة إلى أن الصحافة الرقمية حققت وجوداً وأثبتت نفسها بقوة في هذه البقعة من العالم»، وقالت إن «الإحصائيات حول المحتوى الخاص بالتدوين الصوتي (بودكاست) أبرزت أن 30 في المائة من الشباب يقدمون الكثير من المحتوى الرقمي في السعودية والإمارات ومصر ولبنان، لذا يمكن أن تتبنى المؤسسات الصحافية الكبرى هذا المحتوى لتقدم محتوى يعتمد على الأمل والنماذج الملهمة من دون مخاوف من الأخبار الكاذبة أو المحتوى المضلل للإنترنت المظلم».
من جانبه، ذهب مبارك الديجن، المدرب والباحث في مجال صحافة الموبايل أن «الصحافة الرقمية ترتبط بعلاقة تكاملية مع الصحافة التقليدية لتقديم خدمات إعلامية للجمهور، وقال إنّ صحافة الموبايل تتميز بخصائص هامة من بينها، المرونة، وتوافر الهواتف بتقنيات عالية، والجودة في الصورة والصوت، ووفرة التطبيقات الإلكترونية والأهم قلة التكاليف وسرعة الوصول للجمهور». وانتهى إلى أنّ «مهمة المؤسسات الصحافية التقليدية يجب أن تنمي مهارات الصحافيين في استخدام الموبايل بأفضل الطرق لإنتاج محتوى يرافق المحتوى المطبوع».
من ناحية أخرى، شهد منتدى «مسك للإعلام» وجوداً قوياً لـ8 شركات ناشئة في مجال صناعة المحتوى الرقمي العربي، وعن رؤيتهم وأهدافهم ومشروعات الاندماج مع الإعلام الورقي والتقليدي، يقول عبد الله الحسين من مشروع «تراتيق» السعودي، لـ«الشرق الأوسط» إنّ المشروع عبارة عن «منصة بدأت عام 2017، ويقدم خدمات فيديو وتصاميم بها غرافيكس، وربط بين المراسلين المحترفين والمؤسسات الإعلامية»، ورأى أن «المستقبل يميل للتخصص، وحينما تتعاون المؤسسات الإعلامية التقليدية مع شركات ناشئة تقدم خدمات تقنية مبتكرة تجد حلولاً للمحتوى وتقدمه للمتلقي بعدة صور بحيث يتاح لديه الورقي والمرئي والمسموع».
بينما يوضح عبد الرحمن جامي، أحد مؤسسي موقع «إكس عنبر» لـ«الشرق الأوسط»: «نوفر أدوات في التسويق الرقمي وتقديم خدمة الروابط القصيرة للمؤسسات الصحافية وغيرها لتسهيل التواصل مع الجمهور»، متابعاً: «نحوّل المحتوى لأشكال وصور رقمية لتتماشى مع السوق المعلوماتية الرقمية العالمية التي أصبح أهم مقوماتها الاندماجات. مع تقديم خدمات التحليل بعدد الزيارات ومن أي دولة أي متصفح ونوع جهاز المستخدم بدأنا منذ عام 2018 مع المهندس يحيي بطاش، ومن خلال خبراتنا في التسويق الرقمي حاولنا تأسيس موقع يدعم اللغة العربية والمحتوى العربي لتحويله إلى (كيو آر كود) أو روابط قصيرة».
وأكد جامي: «نركز على الهوية السعودية في العالم الرقمي، وبالتالي نسعى للانتشار دولياً بنفس امتداد الموقع (SA)، وقد أتاحت لنا المشاركة في منتدى مسك للإعلام عقد شراكات في مصر»، وقال: «لدينا حالياً أكثر من ألف مشترك وأحد أهم عملائنا وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية، ونسعى لأن نعقد شراكات عالمية كبرى فقط نحاتج المزيد من التمويل والدعم». موضحاً أنّ «الاسم مستوحى من حجر العنبر لحفظ المحتوى الرقمي للأشخاص والمؤسسات أي نوع من أنواع المحتوى يمكننا أن نحفظه بداخل هذا الحجر الافتراضي إذا أمكن القول».
فيما ذهب الدكتور طارق ناصر، الباحث في مجال الصحافة الإلكترونية والأكاديمي في كلية الإعلام بجامعة اليرموك الأردنية، إلى «بقاء الصحافة الورقية هو جزء من الحفاظ على مؤسسية المهنة وتقاليدها خاصة، وأن القارئ وإن تحرك باتجاه الهواتف الذكية أو الحواسيب اللوحية فهو ما زال يمارس إلى حد كبير التعامل مع الكتاب الورقي في كثير من الأحيان خاصة في مجال الرواية والدراسات العلمية وربما ستكون الصحافة الورقية شريكة في ذلك إن أعيد بناء الشكل المؤسسي والخدمات المقدمة».
وفيما يتعلق ببناء كيانات صحافية كبيرة من خلال الاندماجات، رأى ناصر لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا توفرت حملات ترويجية حقيقية مع توسع في القاعدة الجماهيرية والمحتوى من حيث الوظيفة والشكل مع الاستفادة بحذر وذكاء من الثورة التكنولوجية الحاصلة؛ فإن الصحف ستعود للحضور من جديد»، منوهاً بأن «الصحف استمرت رغم وجود الإذاعة ثم التلفزيون وانتشارهما بشكل واسع، مما يعني أنها إن وجد التخطيط المهني والتمويل القوي والإدارة المميزة فسوف يسهم الاندماج ببقائها بل ستكون فرصة لعودة الصحف الورقية إلى الواجهة».

إعلام الأزمات المصلحة المجتمعية أولوية
> لم يغفل برنامج منتدى «مسك للإعلام» في القاهرة أهمية الرياضة كرافد من روافد الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، إذ قدم الإعلامي المصري، أسامة إسماعيل، المتحدث الرسمي لاتحاد كرة القدم المصرية، ورشة عمل بعنوان «إعلام الأزمات» تحدث خلالها عن «أهمية الإعلام في بناء وعي المجتمعات وتوجيه الرأي العام، وأن هذا الدور لن يتغير حتى مع وجود شبكات التواصل الاجتماعي». كما شدّد على أنّ «الصحافي يلعب دوراً كبيراً وليس مجرد ناقل للخبر، أو مقدم للمعلومة بل إن دوره يؤثر تأثيراً مباشراً في مجتمعه»، لافتاً إلى أنّ الصحافي ودوائر اتخاذ القرار عليهما العبء الأكبر في التعامل مع الأزمات من خلال التركيز على المصداقية، والموضوعية، والحرص على المصلحة المجتمعية وتجنيب المصالح الشخصية».
وبشكل خاص تحدث إسماعيل، عن الإعلام الرياضي الذي اعتبر أنّه «من أكثر الفئات التي تتعرض للكثير من الأزمات»،
ورأى إسماعيل، أنّ «الأزمة مثل الكائن الحي لها نفس مراحل تطوره، من الحمل والولادة فالنضوج والموت، ومرحلة ما بعد الموت»، ومعتبراً أنّه «في أوقات الأزمات دور الإعلام أن ينحاز للمجتمع وليس ضده، بل يحاول مخاطبته بلغة مبسطة وبدقة متناهية حتى لا تشتعل الأزمة من جديد».

«البودكاست العربي» آفاق لا محدودة للبث الصوتي
> دفع الاهتمام المتصاعد عربياً بتعزيز محتوى البث عبر الإنترنت «البودكاست» منتدى مسك للإعلام، للطرح ضمن ورش عمل دورته الثانية في القاهرة. وعقد حسام الجمل، نائب رئيس شركة أنغامي في منطقة شمال أفريقيا ورشة بعنوان: «الصوت يتصدر الشاشات»، أكد خلالها تشجيع تطبيق أنغامي للشباب على صناعة محتوى عبر البث الصوتي «البودكاست».
وعن أبرز ملامح المحتوى شرح الجمل أنه «لا بد أن يكون لدى صاحب البث ملامح خاصة، ولون إعلامي مميز، ولا بأس من شراكات إعلامية تدعم المحتوى». وتابع: «البودكاست مهم كنوع من الخدمات الإعلامية تحت الطلب، ولاحظنا نمواً وتزايداً بعدد المستمعين على البودكاست العربي، والفرصة سانحة الآن لزيادة المحتوى، وهناك تنوع كبير بها من محتوى علمي أو تعليمي إلى جانب أخرى تمس الجانب الإنساني أو الحياة اليومية ونحتاج لضخ المزيد». وكشف أن «السوق السعودية من أكثر الأسواق الصاعدة في مجال البودكاست».
وعن الجانب العملي للبث أفاد بأنّ «بداية المقطع، خاصة في أول 30 ثانية، هي التي تحدد ما إذا كان المحتوى سيجذب المتلقي أم لا؟ والتحكم في درجات الصوت بين العلو والانخفاض والمؤثرات الصوتية، وأقول للشباب لديكم موبايل ويمكنكم تسجيل مقطع صوتي في أي وقت ومكان... فلم لا تشاركون وتوجدون في العالم الرقمي؟»



مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات