رائحة الجسم... قناة تواصل غنية للعلاقات البشرية

التحضر قاد الإنسان إلى محاولات إخفائها

رائحة الجسم... قناة تواصل غنية للعلاقات البشرية
TT

رائحة الجسم... قناة تواصل غنية للعلاقات البشرية

رائحة الجسم... قناة تواصل غنية للعلاقات البشرية

توفر الروائح الجسدية لدى الإنسان قناة تواصل تطورت لمساعدته على البقاء والنمو. وفي السنوات الأخيرة تبين أن لغة التواصل هذه أكثر ثراء مما كنا نتوقعه، فقد كشفت الدراسات الحديثة عن أن رائحة كل شخص فريدة من نوعها ولا تتشابه حتى في التوائم المتطابقة، وأن الروائح التي تنطلق من أجسامنا تساعدنا على تكوين روابط أسرية، وتجذبنا نحو الشريك، وتبعدنا عن الخطر والمرض والعدوان، بل وحتى تسمح لنا باستنشاق سعادة الآخرين. لكن، وعلى مر العصور وعبر الثقافات المختلفة، قام الناس بالاغتسال وإزالة الروائح الكريهة والتعطر لإخفاء روائحهم الطبيعية.
رائحة التواصل
تتساءل كاميلا فردنزي، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي «CNRS» في ليون، خلال بحثها المنشور في يونيو (حزيران) 2019 بمجلة «فيزيولوجي آند بيهيفير Physiology and Behavior» عن أنه لو كانت هذه الروائح هي فعلاً شكلاً من أشكال التواصل؛ فلماذا نكرهها؟ حيث تشير الدلائل الحديثة إلى أن البشر تخلصوا من الروائح الكريهة إلى حد ما ولم يعودوا مهتمين بالتحدث عنها.
يبدأ دور الرائحة في حياة الإنسان قبل أن يولد. يقول بينوست شآل، الباحث الطبي بالمركز نفسه في بحثه المنشور في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 من المجلة نفسها، إن كثيراً من الروائح الكيميائية من الأطعمة يمكن أن تعبر المشيمة مما يعطي الأجنة طعماً مشابهاً لما تأكله أمهاتهم. وقد يساعد ذلك في تفسير السبب الذي يتعرف به الأطفال بعد الولادة على رائحة حليب أمهاتهم ونكهته اعتماداً على طبيعة تغذيتها. حتى إن فريق البحث الذي يقوده شآل وجد أن رائحة الأم تساعد دماغ المولود الجديد في التعرف على الوجوه، مما يشير إلى أن دور الرائحة في السن المبكرة مهم في العمليات البصرية. كما أن رائحة رأس المولود الجديد تنشط دوائر مهمة في أدمغة البالغين تماماً مثلما يحدث عند تلقي العلاج أو تناول الدواء، وهي طريقة فعالة تذكر الآباء برعاية أطفالهم.
مصادر الرائحة
تتبخر رائحة الأطفال حديثي الولادة بعد 6 أسابيع من الولادة، لكن مع تقدم العمر تؤثر مجموعة واسعة من المتغيرات على الحالة الشخصية للطفل مثل النظام الغذائي والعمر والخصوبة والمرض وحتى الحالة الذهنية.
ما السبب الذي يجعل كل إنسان له رائحة خاصة تميزه عن بقية البشر؟ الإجابة أن عالم الروائح البشرية عالم واسع ومعظم معرفتنا به محصورة في الإبطين، وهذا هو الاعتقاد الخاطئ بشكل عام عن رائحة الجسم، رغم أن رائحة الإبطين تختلف عن الروائح الضارة الأخرى، فهي ليست سيئة بالمعنى المطلق. يقول آندرياس ناش، الباحث في شركة «غيفودان» للعطور، في كتابه المنشور عام 2017 والموسوم: «دليل سبرينغر في الرائحة»، إن رائحة الجسم لا تحتوي على مواد كيميائية متطايرة مرتبطة بمواد مثل الحليب المتحمض أو المواد العفنة أو البراز. رغم أن رائحة النفس ورائحة القدمين قد تكون كذلك. وبدلاً من ذلك، فإن رائحة الإبطين تحتوي على 3 مكونات رئيسية هي الثايولات (thiols) والستيرويدات (steroids) ومجموعة متنوعة من الأحماض؛ جميعها تفرز على أنها مواد عديمة الرائحة ثم تتحول إلى روائح كريهة بفعل الميكروبات التي تعيش في أجسامنا.
ويضيف آندرياس ناش: «نحن نعلم أن علم الوراثة يلعب دوراً مهماً، وأن الميكروبات، وليس المكونات أو الأحماض، هي التي تحدد مدى قوة الرائحة، لكننا ما زلنا لا نعرف كل الخطوات التي تساهم في العملية».
الرائحة الكريهة
بشكل عام يميل الأشخاص الذين لديهم كثير من البكتريا من جنس «كوراينيبكتريم Corynebacterium» في أجسامهم والأكثر شيوعاً لدى الرجال، إلى امتلاكهم رائحة نفاذة، في حين أن الأشخاص الذين لديهم كثير من بكتريا المكورات العنقودية تكون عندهم الرائحة الكريهة بمستوى أقل. والرجال عادة أكثر تعرقاً من النساء، وتنتج أجسامهم مزيداً من المواد الأساسية لتغذية البكتريا المنتجة للروائح، وهو سبب آخر في أنهم أكثر رائحة من النساء. ويضيف ناش أن الأنف البشري ذو حساسية عالية تجاه رائحة الإبطين.
وحتى وقت قريب، كان من المعتقد أنه يمكن اكتشاف نحو 10 آلاف رائحة فقط، إلا إن هذه الفكرة دحضت في عام 2017 من قبل جون ميغان من جامعة روتجرز في نيوجرسي في بحثه المنشور بمجلة «Science Research». وبمقارنة التشريح العصبي لـ24 من الثدييات، وجد أن البشر يستطيعون أن يشموا تريليون رائحة مختلفة كما هي الحال لدى الكلاب أو الفئران.
ومع ذلك، فإن فكرة أن الرائحة أقل أهمية بالنسبة لنا، لا تزال قائمة. يقول نوعام سوبيل من «معهد وايزمان للعلوم» في بحثه المنشور في (مايو (أيار) 2019 بمجلة «طبيعة السلوك البشري Nature Human Behavior»: «نحن البشر لا نسير عادة نحو الغرباء ولا نحاول أن نشمهم علناً، بل نقوم بشم أيدينا لأكثر من مرة بعد مصافحة شخص غريب. والمصافحة ليست سوى واحدة من الطرق الدقيقة التي تختبر بواسطتها رائحة الشخص الغريب».
ورغم الحماس الشائع لهذه الفكرة، فإنه لا يوجد دليل مقنع على وجود «فيرومونات pheromones» (وهي مواد كيميائية تطورت لتحفز سلوكاً محدداً لدى الفرد الذي تنبعث منه الرائحة) معينة تدفع إلى الانجذاب الجنسي، إلا إن كثيراً من الباحثين؛ ومنهم ترسترام وايت من جامعة أكسفورد في بحثه المنشور عام 2015 في نشرة «ساينس بلوغ» على الإنترنت، يعتقدون أن الإنسان ربما يقوم بإنتاج الفيرومونات. وهو يعتقد أن «الفيرومونات سيتم اكتشافها بين الأمهات وأطفالهن؛ حيث إننا نعلم بالتأكيد أن الرائحة تلعب دوراً في الترابط، وأن الأمهات يمكنهن التعرف على رائحة أطفالهن بعد دقائق من الولادة».
بلا شك أن رائحة الجسم تلعب دوراً أوسع في التعرف على الأقارب، لكن الدراسات أظهرت نتائج متضاربة بشكل كبير. تقول إيلونا كروي، من جامعة دريسدن التقنية بألمانيا، في بحثها المنشور في أغسطس (آب) 2019 بمجلة «فيزيولوجي آند بيهيفير»، إن التعرف على الأقارب يعتمد على المعرفة والمكون الوراثي، وتؤكد على أنه ليس بمقدور جميع الأمهات التعرف على رائحة أطفالهن، «لكن إذا فعلن ذلك، فإنهن يفضلن ذلك كثيراً على رائحة الأطفال الآخرين، حيث إن الألفة أكثر أهمية» كما تقول.
شم رائحة الخوف
أحدث الدراسات الوصفية المنشورة عام 2017 لا تترك أي شك في أننا يمكن أن نشم رائحة الخوف والتوتر والقلق في الروائح الجسدية للآخرين. وفي الآونة الأخيرة قام باحثون في مختبر «سوبل» بتحليل عرق الغواصين بعد قفزتهم الأولى، ووجدوا أنه يحتوي على 29 مركباً متطايراً لم يكن معروفاً سابقاً. وبالمثل وبتحليل العرق من المتصارعين داخل الأقفاص، اكتشف جان هافليك وزملاؤه من جامعة جارلس في جمهورية التشيك، في بحثه المنشور عام 2019 بمجلة «إيثولوجي (علم السلوك)» أنه يمكن للناس تحديد هوية الفائزين والخاسرين، مما يوحي بأن الرائحة تساعدنا على إدراك «الهيمنة». كما وجد «سوبل» أن استنشاق الدموع الناتجة عن المشاعر السلبية يقلل من هرمون التيستوستيرون لدى الرجال ربما من خلال مادة كيميائية متطايرة تسمى «هكساديكنال Hexadecanal» والتي تنظم العدوانية لدى بعض البشر. كما أظهرت بعض الدراسات أن شم رائحة الشخص القلق قد يعزز حالة التعاطف معه.
ولم يُجرَ كثير من الدراسات حول ما إذا كانت رائحة الجسم تنقل المشاعر الإيجابية، لكن تبين أن رائحة الشخص الذي نحبه يمكن أن تقلل من التوتر. تعتقد كاميلا فردنزي أن رائحة الانفعالات العاطفية حتى عند الغرباء قد تساعد في توضيح سبب السعادة المُعدية، وأظهر فريقها أن رائحة الأشخاص السعداء تولد استجابات فسيولوجية جيدة في الآخرين.
النظافة الشخصية
لأسباب واضحة تماماً نعمل بجدية على تذليل رائحة أجسامنا، من خلال فهمنا العلاقة بين سوء النظافة الشخصية والمرض. ونعلم أيضاً أن الاغتسال يمكن أن يزيد من فرصنا في الحياة. في الواقع يجادل علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) بأن مواقفنا المتغيرة تجاه النظافة الشخصية تزامنت مع ظهور التحضر؛ كما تقول عاسفة ماجد، من جامعة يورك في المملكة المتحدة، في بحثها المنشور في (يونيو) 2019 بمجلة «كونجتف نيروسايكولوجي (علم النفس العصبي المعرفي)».
من جهته؛ يضيف ناش أن هناك تاريخاً أطول بكثير من النظافة الشخصية في شرق آسيا؛ الأمر الذي قد يساعد في تفسير الحقيقة الغريبة المتمثلة في أن كثيراً من الآسيويين ليست لديهم رائحة الإبطين بفضل طفرة وراثية في جين يدعى «ABCCII»، وأن 95 في المائة من الشعب الصيني ونحو 70 في المائة من شعوب شرق آسيا، لا يولدون المركبات الكيميائية السلفية لإنتاج رائحة الإبطين، ولا نعرف متى حدث هذا التغيير.



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟