أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

صاحب «ألف داحس وليلة غبراء» و13 كتاباً متنوعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري
TT

أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

يبرز الروائي الناقد الليبي أحمد الفيتوري بين جيل من الكتاب الليبيين سعى ليحتل مكانته الإبداعية في زمن ساده التعسف ومصادرة الحريات، وأودى به وعدد من رفاقه وهم في مطلع شبابهم إلى المكوث في السجن لأكثر من عشر سنوات في عهد القذافي. ورغم هذا، قدم الفيتوري أكثر من ثلاثة عشر كتاباً متنوعاً في مجالات الإبداع، إضافة لكتابات تؤرخ لشخصيات ليبية مؤثرة، مسلطاً الضوء على مسيرتها الإبداعية والنضالية. حول هذه المسيرة، وقضايا الواقع الثقافي الليبي الراهن... هنا حوار معه:
> يقف الطفل والأب والجدة وبنغازي بتفاصيلها الجغرافية ومنطقة الصابري علامات أساسية في أعمالك الروائية. ماذا يعني أنك تمتح من ذكرياتك ومخزون خبرتك وتاريخك العائلي؟ وكيف يمكن أن يحول الكاتب مثل هذه الخبرات إلى عمل روائي دون أن ينزلق في كتابة ذاتية تبعده عن أجواء الإبداع الروائي؟
- منذ نظرية المثل الأفلاطونية، والمحاكاة الأرسطية، والعود الأبدي لنيتشه، حتى البئر الأوليّ عند فرويد، كلها تعيد إلى ما قبل الأحلام وعلاقتها بالذاكرة؛ الكل يشير إلى أن الفن، حتى وهو يلج المستقبل، يتذكر. لكن حتى الآن، ليس ثمة توكيد قاطع عن ماهية الفن، وعن مصادره، لكن القطعي أن الفنان المبدع لا يُنظر ولا ينطلق من نظرية ما، فالمبدع فطري بمعني ما، حتى لو شرب كل الفلسفات، وأكل كل العلوم، واشتهى ما تبقى.
من الناحية الشخصية السيروية، عقلي ناقد، ولم أستهدف الكتابة الفنية، فقد كنت ولعاً بالمبدع العالم. فالعلوم البحتة أيضاً منطلقها ولع ذاتي، لكن كنت أيضاً ابن جدتي، منطلقاً من أن الحياة سرد، وأن كل جملة ننطقها أو ندونها سرد بشكل ما، وأن الشعر كامن فينا بالضرورة، فالعالم غامض، والكون معتم رغم نجومه، والحياة سر. إن الذاكرة، كما الكتب والأحداث والقصص والتاريخ، كل يشكل السارد، ويمتح من البئر الأولى للتجربة. وينعكس هذا حتى في الكتابة المستقبلية، كالخيال العلمي، لكن المهم أن تكون خيوط العرائس في يد اللاعب، والكتابة كلعبة لها قوانينها الخاصة بكل لعبة مفردة، رغم كل النظريات الجاهزة، مما يعني أن لكل نص ذاكرة خاصة يمتح منها وينحتها. وهنا، أتذكر أنني كتبتُ ذات مرة جملة: «تتكئ جدتي وتحكي لي»، فكانت رواية «سريب». وفي أخرى، فكرت أن الأب شخصية مظلومة، فكانت رواية «ألف داحس وليلة غبراء». وفي أخرى، التقيت فتاة وحيدة، وكنت مريضاً، فكانت «بيض النساء». وأحببت امرأة، فأردت أن أكتب لها رسائل، فكانت شعراً، وكان ديوان «قصيدة حب متأبية».
> ثمة منحى أسطوري في روايتك «سريب» يتغلغل في المتن، وينساب أمام عين الراوي أو السارد الطفل... لماذا اللجوء إلى الأسطورة وأنت تكتب عن طفولتك؟
- الطفل يمثل البئر الأولى، والأسطورة تمثل الخيال، وثمة ترادف بينهما ليس إلا. لاحظ أن السارد قد يكون الراوي العليم أو الكاتب، لكن لنفترض أنه الطفل: الطفل حافظة طازجة، وأحياناً ميكانيكية، وفي غيرها خيالية، وحتى متطرفة؛ أي ذاكرة بكر... أذكر أن مخرجاً سينمائياً كبيراً، كان بطل فيلمه طفلاً، سئل كيف اختار هذا الممثل البارع، فأجاب دون تفكير: لكنه ليس ممثلاً، فالطفل لا يمثل. ومن ثم، حينما كتبت «سريب»، لم أنشغل بالعقل المشغول بالسببية، فكون الشخصية الرئيسة طفلاً كاف لانزياح السببية، فالمبرر الدرامي والمنطق يؤكدان أن الطفولة النبع لكل مبرر، لكل سياق، وأيضاً لكل خروج عن السياق. لذلك، الطفل في رحلته، ثم ولوجه معبد زيوس، في مدينة شحات (قورينا) الليبية، يلج الأسطورة كخيال سارح دون أي قيود، فالأسطورة تلخص طفولة البشر، وما أكثر الأسئلة الطفولية الكبرى التي تفاجئنا، ولا جواب عندنا.
> في «سريب»، كما في «ألف داحس وليلة غبراء»، تسيطر لغة شاعرة على أنساق الحكي، وتمتد إلى الأحداث، وتعطيها مذاقاً مختلفاً... هل كنت تريد إذن «أسطرة» الواقع من خلال هذه الاستراتيجية في الكتابة؟
- لكل نص استراتيجيته، لكن هناك أيضاً استراتيجية تخص الكاتب، وتجعل منه كاتباً له خصوصية مميزة. فمثلاً، عندي الكتابة النوعية كتابة شعرية في كل حال، فالشعرية من لزوم ما يلزم في الفن عموماً. ولذا، لو ميزنا نصاً نثرياً بالشعرية، فنحن في عين الصواب. ولعل قصيدة النثر، كمصطلح التباسي، تبين أن المسافة بين الشعر والنثر ضيقة، حتى أنها تُرى من خرم الإبرة. ومن هذا الالتباس الجميل أن الشعر يمثل التحسس العالي للغامض، فالأسطوري حيث تكمن الحياة البشرية، لذا الواقع الذي نرى في النص ينزاح عن المعيش، فكأن النصوص أساطير لا يألو ينتجها الكتاب. وأريد أن أنوه بأن جدات الحكايات مؤلفات أساطير تنزاح عند كل رَاوية، وفي كل رِواية، وهذا كان النبع الذي سقى مخيالي.
> كيف تدفع هذه اللغة الأحداث، بحيث يظل القارئ مرتبطاً بالعمل الروائي لا يفقد خيوطه حتى النهاية؟
- من الصعب الإجابة عن سؤال كهذا، لكن حيث الأسئلة تضعنا في ورشة حول تكنيك النص الإبداعي، فلنحاول التماس مع المسألة. في عصف ذهني، هناك نظريات أدبية متعددة عالجت مسألة تشابك علائق النص باللغة، لكنها في الأخير تبقي نظريات، مهما درسها الدارس فإنه ساعة يدخل من باب الكتابة يخرج من بابها. ففي المسألة تعقيد يخص النص، ما يفترض أنه نص مُخالف. في «سريب»، السارد الطفل والجدة، والمشترك بينهما لغة الحكاية، الخرافة والأساطير، لو أمسك الكاتب بالخيط الواهن هذا، يجعل المتلقي في حال المتلقي للشفهي؛ أي يفترض أن اللغة في حال كهذه قريبة للمشافهة، فيكون الكاتب كما الحكواتي الملزم بلغة سلسة، فيها خفة لا تحتمل، ونقلات مفاجئة غير مبررة لكن محتملة. في هذه الحال، يكون معين الكاتب صيغاً لغوية دارجة، وعلاقة واضحة بالتراث الشعبي وصوره وتراكيبه. ولعلّ هذا يبين أن النص هو الحكم، وأن الكاتب هو المدرك لذلك، العارف بأن لكل قارئ قراءة.
> هناك ميل لديك لكتابة تستند إلى «أنسنة» الأشياء، وهي في الغالب ذات منحى شعري أكثر منها روائي، ما يشير إلى أن الفيتوري الروائي بدا متخفياً وراء الشاعر... كيف ترى ذلك؟
- أنسنة الأشياء علامات بارزة وقارة في تراثنا الحضاري والإنساني، ولها دلالات ورموز محددة. وكسارد، تلبسني روح الطفل، فلا أجد مسافة بين الحائط والباب والنافذة، فعندي مفتاح استعارتهُ جدتي من ألف ليلة وليلة، ودستهُ في تلافيف دماغي وحشايا قلبي: «افتح يا سمسم». هذا المفتاح ليس من الشعر في شيء، وليس من النثر في شيء؛ إنه من البرزخ، ما بينهما يعكس السر المدفون في الفن، وهو صنو الدين وسر الحياة. قد لا ندرك ذلك بشكل مباشر، لكنه ما يحثنا على خلق أساطيرنا، وما يجعل كل ما تمسه يد البشر بشرياً.
> في كتابتك الروائية كثيراً ما تلجأ إلى تقنية الحلم أو النوم، أو الحالات الصوفية، لتمرر ما تريد أن تسربه من تفاصيل وأحداث تتجاوز الواقع، وهي مرتبطة غالباً باستراتيجيات تجاوزها ماركيز وباتريك زوسكند وهيرمان هيسه، وغيرهم ممن كتبوا أعمالاً تمزج الواقع بالأسطورة... هل تعتقد أن مثل هذه التقنيات يمكن أن تكون صالحة للقيام بدور في الكتابة السردية؟
- الكتابة السردية حياتنا، مسرودنا الحي، أي الحلم والنوم والتصوف معاً، والنص يستدعي هذا من الحياة، فيكون أكثر واقعية من الواقع، لذا احتج ماركيز على حشره في واقعية سحرية، مؤكداً أن سردياته واقعية، وأن السحر كامن في الواقع، وليس مضافاً إليه. لذا، لا أتصور أن كتابة سردية لديها مبرر لإزاحة ما في الحياة، إذا ما استدعى ذلك النص، وهذا عند السارد يبدو من لزوم ما يلزم، فاستخدام التقنية اللازمة للنص، والتفاصيل التي تحوك قماشته، تتيح للسارد اللاعب أحياناً حرية الحركة، حتى يبدو خارج السياق، فتفصيلة ما قد تبدو نصاً مفارقاً.
> لك كثير من المساهمات النقدية في تقديم الشعر والشعراء، أبرزها كتابك «قصيدة الجنود»، كما لك مساهمات بارزة في مجال الكتابة عن الشخصيات في كتابك «بورتريهات» و«نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي»، قدمت من خلالها كتاباً وفنانين وشعراء ومترجمين، من ليبيا وغيرها... كيف ترى هذا النوع من الكتابة بين إبداعاتك الروائية والشعرية؟
- الكتابة كتابة، نحن نقرأ مأدبة أفلاطون، ورسالة الغفران، كما نقرأ الهايكو الياباني، وشعر الهنود الحمر، والأساطير الأفريقية، وملحمة جلجامش؛ أي بمتعة النصوص الإبداعية. ومن هذا، أنا أكتب بمتعة أي كتابة أمارس، حتى أني بالحالة نفسها أقرأ وأكتب مقالات سياسية. وكثير من السير عمل إبداعي. ألم يحصل تشرشل على جائزة نوبل للآداب؟ وفي كتابي «بورتريهات»، أردت أن أفسح للنص النثري مساحة يستحقها، فالنثر إبداع غُيب في مغارة «ديوان الشعر»؛ ديوان النثر في أسفل أرفف المكتبة. كتابة يوسف القويري وصادق النيهوم كتابة نثرية طازجة سلسة عبقة بفن كما خمر معتق. وأما ما يخص الكتابة حول شخصيات روحها تشع بالحياة، فهذا يتم في قصائد، قد تتكثف فتغطي تفاصيل ونمنمات تعكس تضاريس بشرية قابلة للقراءة دائماً بروح جديدة.
> بوصفك ناقداً أيضاً، كيف يعمل وعي الناقد لديك وأنت تكتب إبداعاتك الروائية والشعرية؟ أم أنك تكتب في غيبة منه حتى تنتهي، ثم تعود إليه في مراحل متأخرة؟
- برأيي، كل نص إبداعي نص نقدي، فالمبدع يمارس النقد في أثناء كتابة النص، عند الدرجة الصفر للكتابة وفيما بعد، وعند كل قراءة. كما أن الناقد يتماهى وإبداعية النص، حتى يمكن القول إنه يصير المبدع نفسه. ولتعليل ذلكم بمثل توضيحي، هل نظرت فيما بين الشاعر إليوت والناقد إليوت، أو جبرا لإبراهيم جبرا؟ وأبو العلاء المعري ورسالة الغفران، أليست منزلة بين منزلتين: الإبداع والنقد؟ من هذا وبهذا أسترشد، أو بالأصح يعي اللاوعي.
> كيف ترى المشهد الإبداعي الروائي والشعري في ليبيا ما بعد القذافي؟ وما أبرز ملامحه وتجلياته في ما نتج من كتابات؟
- الكتابة ما بعد الربيع العربي تجلت في أسماء شباب جلهم من النساء. وفي كتاب أشرف على إعداده الشاعر الليبي الأميركي خالد مطاوع، كأنطولوجيا لكُتاب ما بعد ثورة فبراير (شباط)، وقدمتهُ بدراسة مطولة، كان مما قلته فيها: الكتابات، الشعرية والنثرية والسردية، ثمة عنوان لها يختزل كثيراً من موضوعاتها، واستعيره من عنوان إحداها «على أرضي حرب، في قلبي حب». واللغة التهكمية الساخرة تتناول الموت كما الحياة في جرأة تحطم التابو في اللغة والموضوع، وجل هذه الكتابات السردية موضوعها البلاد الليبية، باستثناء قصة واحدة تتناول حدثاً مهجرياً. وتبين القصص والنصوص أن جيل الكتاب، خصوصاً الشباب، عاشوا تجربة السفر الطويل والمهجر، وهذا ملمح جديد في الإبداع الليبي، لأن الكتاب الليبيين جلهم فيما سبق عاشوا في البلاد، ومن خرج منهم كان في عمر متقدم.
إن التنوع اللافت في هذه الكتابات أنها حققت توازناً بين الشعر والسرد من جهة، كما جمعت بين مُعالجات مختلفة، وليست متباينة، فالنفس واحد في جل الكتابات، وروح التوتر، والعلاقة المضطربة مع اللغة، ومع الواقع، تسم هذه الكتابة التي تنثر الشعرية، وتلعب على إيقاع السردية الشعرية، دون الاكتراث بالتجنيس والفروق بين السردية والشعرية، أو بين الشعر والنثر، حيث أصبحت تتجاور في النص الواحد بنباهة وإصرار.
ومن ثم، فالكتابات الشعرية والسردية لم تعكس الواقع، بل قدمت واقعاً فنياً شائكاً مرتبكاً، ومنها كتابات فنتازيا واقعية لا تشطح في الخيال، لكن الزاوية الملتقطة فنتازيا في الواقع، تنبئ بأن الواقع أمست شطحاته أكثر غرائبية من خيال الكتاب. هذه الكتابات السردية والشعرية تتميز عن الكتابة الليبية السابقة بأنها كُتبت في زمن الثورة، والحرب الأهلية الناتجة عنها، وهي حرب مدن وشوارع، وقودها جيل الكتاب، من أخوتهم وجيرانهم وزملائهم وأصدقائهم وأحبتهم، لذا تهجس بالفجيعة في وقت القتل المجاني والصدفة والعبث.



علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».


ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

TT

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)
دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)

بعد سنوات من العداء تخللتها تصريحات إعلامية ناريّة، ها هي مغنية الراب نيكي ميناج، تشبكُ يدَيها بيدَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعلن أنها «المعجبة رقم واحد» به.

كيف انتقلت النجمة المثيرة للجدل من صفوف الكارهين، إلى مقاعد العاشقين؟ وهل هي خطوة بريئة دافعُها الإعجاب بشخصيته القوية وأناقته كما تقول؟ أم أنّ سيّد البيت الأبيض فتح ذراعَيه وأبوابه لـ«ملكة الراب» بسبب مصالح مشتركة؟

فتحت «ملكة الراب» صفحة جديدة مع سيّد البيت الأبيض (أ.ب)

بطاقة ذهبية ممهورة بوَجه ترمب

اختتمت نيكي ميناج الشهر الأول من السنة بهدية ثمينة. شَهرَت على منصة «إكس» بطاقة ترمب الذهبية التي تسهّل على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الحصول على الإقامة الطويلة هناك.

وجرى إطلاق تلك البطاقة التي طُبع عليها وجه ترمب نهاية 2025، وهي مخصصة للمهاجرين الأثرياء الراغبين في الحصول على الجنسية الأميركية. وتبلغُ قيمتها مليون دولار، إضافةً إلى 15 ألفاً مقابل رسوم الإجراءات القانونية والمعاملات الإدارية للحيازة على الجنسية.

إلا أن نيكي، ووفق ما كتبت على «إكس»، نالت البطاقة مجاناً. وأضافت المغنية المتحدّرة من جزيرة ترينيداد وتوباغو، أنها بصدَد «إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، وذلك بناءً على طلب رئيسي الرائع والكريم والفاتن».

ترمب معجب بأظفار نيكي

حطّت ميناج رحالها في الولايات المتحدة عام 1987. كانت حينَها في الخامسة من عمرها وقد أمضت سنواتها الأولى في مسقط رأسها؛ جزيرة ترينيداد وتوباغو، قبل أن تنتقل إلى نيويورك؛ تحديداً إلى منطقة كوينز التي شهدت على طفولة ترمب وشبابه.

ورغم صعودها سلالم الراب بسرعة صاروخية وتربّعها على عرش تلك الموسيقى، فإنّ ميناج بقيت محرومة من الجنسية الأميركية. ولطالما اشتكَت من أنها تسدّد ضرائبها بالملايين، ومع ذلك، فهي لا تُعدّ مواطنة شرعيّة، وغالباً ما صوّبت سهام اللوم باتّجاه ترمب.

نيكي ميناج في مسقط رأسها جزيرة ترينيداد وتوباغو عام 2023 (إنستغرام)

ثم أتت اللحظة التي كان من الصعب تخيّلها قبل سنة من الآن. في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن قلب واشنطن، حلّت نيكي ميناج ضيفة شرف على حفل مؤسسة «Trump Accounts» المخصصة لدعم الأطفال. كانت تلك المرة الأولى التي تطلّ فيها علناً إلى جانب الرئيس الأميركي.

بمُزاحِه المعهود، حاول ترمب التخفيف من ارتباك اللحظة، فأعرب عن إعجابه بأظفار نيكي ميناج الطويلة جداً؛ «سوف أربّي أظفاري لأني أحب أظفارها تلك»، قال الرئيس قبل أن تعتلي ضيفته المنصة. وبدا الودّ واضحاً بينهما بدليل تشابُك الأيدي والقبلات، ليبلغ التعبير ذروته في خطاب ميناج: «أنا على الأرجح المعجبة رقم واحد بالرئيس، وهذا لن يتغيّر رغم كُره الناس لذلك».

كان لافتاً تشابُك الأيدي بين ترمب وميناج (رويترز)

ترمب «كاره النساء»

أين نيكي ميناج الغاضبة من ترمب والتي لم تفوّت فرصة لانتقاده، من تلك النسخة الجديدة المذهولة به؟

لا في أغانيها ولا في حواراتها الصحافية ولا في منشوراتها على «السوشيال ميديا»، وفّرت المغنية ترمب من لسانها السليط. عام 2010، ظهرت في وثائقي تلفزيوني تحدّثت فيه عن دونالد ترمب بوصفه نموذجاً في كراهية النساء. وادّعت حينها أنه «متزوج من 50 امرأة ويواعد نساءً شابات».

ومع انطلاق الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2016، رحّبت ميناج به على طريقتها. هي التي كانت قد بدأت تحقق شهرة في عالم الراب، سمّته بالاسم في إحدى أغانيها: «أنا فتاة الجزيرة... دونالد ترمب يريدني أن أعود إلى المنزل»، في إشارةٍ إلى سياسات الهجرة التي فرضها ترمب على غير الأميركيين.

بين 2010 و2020 لم توفّر نيكي ميناج ترمب من نَقدها اللاذع غناءً وتصريحات (أ.ب)

«عرَبة ترمب للسيرك»

في ذروة حملة احتجاز المهاجرين عام 2018 بأوامر من إدارة ترمب، استذكرت نيكي ميناج وصولها إلى نيويورك في الخامسة من العمر من دون أوراق ثبوتية. «جئت إلى هذا البلد مهاجرةً غير شرعية. لا أستطيع أن أتخيل رعب الوجود في مكان غريب، وأن يتم انتزاع والديّ مني في سن الخامسة»، كتبت في تعليق على صورة تُظهر أطفالاً مفصولين عن آبائهم على الحدود أثناء احتجازهم.

تَواصل هجومها المُستعِر على الرئيس دائماً في إطار اعتراضها على تعاطيه مع قضية المهاجرين. وبلغَ غضبُها الذروة عام 2020 خلال مؤتمر «بولستار» لتكريم الموسيقيين في كاليفورنيا. وأعلنت حينها أنها لن تقفز «على عربة السيرك الخاصة بترمب».

نيكي ميناج على منبر الأمم المتحدة!

لم تكد تمرّ سنة على ذاك التصريح العنيف، حتى بدأت ملامح الودّ تجاه ترمب تظهر على نيكي ميناج؛ وإن بشكلٍ غير مباشر. في البداية، جمعتهما الجائحة بما أنّ الاثنَين استخفّا بخطورة كورونا. وقد أثارت ميناج حينها ضجّةً بإصرارها على رفض تلقّي اللقاح.

إلا أن 2025 كانت سنة التحوّل الكبير؛ فمع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهدت مواقف ميناج السابقة انقلاباً جذرياً. كانت البداية بإعادة نشر مقاطع فيديو من حساب البيت الأبيض على «تيك توك»، بما في ذلك فيديو استخدم إحدى أغانيها ترويجاً لسياسات ترمب المعادية للهجرة.

ووسطَ غضب معجبيها المستغربين انقلابها، أثنت ميناج على موقف ترمب من محنة المسيحيين في نيجيريا. فما كان من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، سوى أن يدعوها للتحدّث على المنبر العالمي. وفي مشهدٍ أقرب إلى السريالية، استغربَ العالمُ وقوف مغنية تستعين بكمية هائلة من الكلام النابي في أغانيها، على أحد أكثر المنابر وقاراً في العالم.

جنسيّة أميركية أو أكثر؟

منذ ذلك اليوم الذي شهد دخول نيكي ميناج إلى مقر الأمم المتحدة، وهي تُراكِم الحوارات المخصصة لدعم الرئيس؛ من إطلالتها بضيافة إريكا كيرك، أرملة تشارلي كيرك، حيث وصفت ترمب بالوسيم والأنيق، مروراً بحضورها العرض الأول لفيلم «ميلانيا»، وليس انتهاءً بـ«بودكاست كيتي ميلر». ففي أحدث ظهورٍ لها بعد لقائها وترمب على المنبر في واشنطن، برّرت ميناج مواقفها المستجدّة بالقول: «ما عدت أحتمل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الرئيس ترمب؛ من التنمّر إلى الأكاذيب وافتراءات أخرى». وأضافت أن حملة ترمب الرئاسية الأخيرة ألهمَتها، ملمّحةً إلى انخراطها في عالم السياسة: «طيلة حياتي انتابني إحساس بأنّ لديّ وظيفة ثانية أقوم بها».

ورغم الانتقادات المتصاعدة حيال انقلابها هذا وخسارتها عدداً لا بأس به من معجبيها، فإنّ نيكي ميناج تنغمس أكثر في دعم ترمب، سعياً وراء الجنسية الأميركية وربّما أكثر.


تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.