إسبانيا تنقل رفات الجنرال فرانكو وتطوي صفحته نهائياً

اليمين يتهم اليسار بفتح جروح الماضي وتحويلها إلى قضية انتخابية

أفراد عائلة الديكتاتور فرانكو في الجنازة (رويترز)
أفراد عائلة الديكتاتور فرانكو في الجنازة (رويترز)
TT

إسبانيا تنقل رفات الجنرال فرانكو وتطوي صفحته نهائياً

أفراد عائلة الديكتاتور فرانكو في الجنازة (رويترز)
أفراد عائلة الديكتاتور فرانكو في الجنازة (رويترز)

في تمام الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 1975 تقدّمت فرقة من حفّاري القبور مؤلفة من أربعة رجال، متساوين بالقامة والحجم وما زالت هويّاتهم طي الكتمان إلى اليوم، من عربة المدفع التي نقلت رفات الديكتاتور الإسباني فرنسيسكو فرنكو من القصر الملكي في مدريد إلى الضريح المخصص له في الصرح الضخم الذي كان أمر بتشييده على هضبة جميلة قرب قصر الاسكوريال الشهير، تخليداً لشهداء الحرب الأهلية التي كانت قوّاته قد انتصرت فيها عام 1939 بعد انقلابها على الحكومة الجمهورية قبل ذلك بثلاث سنوات، والتي خلّفت ما يزيد عن مليون قتيل وشطرت إسبانيا معسكرين طوال خمسة عقود. وكان فرانكو أمر في 1940 ببناء «وادي الذين سقطوا» لتخليد ذكرى «حملته المجيدة» الكاثوليكية ضد الجمهوريين الذين «لا رب لهم». وقد استغرق بناء الموقع الذي شيده آلاف السجناء السياسيين خصوصا نحو عشرين عاما. ويضم هذا المجمع كنيسة محفورة في الصخر يعلوها صليب كبير يبلغ ارتفاعه 150 مترا يمكن رؤيته في دائرة على بعد عشرات الأمتار. وباسم «مصالحة وطنية» مزعومة، نقل «الطاغية» إليه جثامين ثلاثين ألفا من ضحايا الحرب الأهلية، من أنصاره وكذلك من الجمهوريين نبشت جثثهم من مقابر وحفر جماعية من دون إبلاغ عائلاتهم. ومنذ وفاته في 1975، بقيت ورود تغطي قبر فرانكو الواقع على سفح الكنيسة. كان فرنكو قد توفّي قبل ذلك التاريخ بثلاثة أيام، في سريره عن 82 عاماً، بعد أن حكم إسبانيا بقبضة من حديد حتى العام 1973 وأرسى أسس انتقال الحكم إلى نظام ملكي دستوري تولّاه خوان كارلوس الأوّل وليس والده «دون خوان» كما كان مفترضاً حسب التسلسل العائلي في أسرة بوربون.
وفي تمام الساعة الحادية عشرة من يوم أمس الخميس، كانت مجموعة من أفراد عائلته الرجال، متفاوتون في الأعمار والقامات والأحجام، تحمل رفاته إلى عربة عسكرية، لتنقلها من «وادي الشهداء» إلى مقبرة قصر «ألباردو» في أرباض مدريد حيث أقام الديكتاتور خلال معظم فترة حكمه. وكان يتقدّم المجموعة حفيده فرنسيس، حاملاً نفس الراية التي كان النعش ملفوفاً بها يوم دفنه، والتي أصبحت محظورة منذ العام 1978 بعد إعلان الدستور الجديد وعودة الديمقراطية. وكانت عائلة فرنكو قد استأذنت الحكومة لاستخدام هذه الراية، لكن وزارة الداخلية رفضت الطلب بشكل قاطع وحذّرت من العواقب القانونية لمخالفة حظر استخدام رموز الديكتاتورية في الأماكن العامة.
وعملت حكومة بيدرو سانشيز بناء على تصويت جرى في 2017 في البرلمان الإسباني على قرار ينص على نقل رفات فرانكو، لكنه بقي حبرا على ورق بسبب معارضة الحكومة المحافظة التي كان يرأسها ماريانو راخوي زعيم الحزب الشعبي الذي امتنع نوابه عن التصويت. وقبل أقل من ثلاثة أسابيع على الانتخابات التشريعية التي ستجرى في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم المعارضون لسانشيز، اليمينيون واليساريون على حد سواء، رئيس الوزراء بتحويل ذلك إلى قضية انتخابية، بينما شهدت منطقة كاتالونيا مظاهرات عنيفة جعلت الاشتراكيين في وضع صعب. ويشكّل نقل رفات فرنكو من صرح «وادي الشهداء»، المشروع الأكثر رمزيّة بالنسبة للحكومة الاشتراكية. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي إن «عملية إخراج الرفات من قبر فرانسيسكو فرانكو بدأت». وجعل سانشيز من نقل الجثمان المحنط «للطاغية» أولوية منذ وصوله إلى السلطة في يونيو (حزيران) 2018 حتى لا يبقى هذا الضريح الذي لا مثيل له في الدول الأخرى في أوروبا الغربية مكانا «لتمجيد» أنصار فرانكو. وقال سانشيز الأربعاء إنه «انتصار كبير للكرامة والذاكرة والعدالة والتعويض، أي للديمقراطية الإسبانية». وقام نحو 500 صحافي بتغطية العملية.
وخاض ورثة فرانكو الذين اعترضوا بشدة على نقل رفاته، معركة قضائية وحاولوا إقناع القضاء الذي رفض، بنقله إلى كاتدرائية ألمودينا في وسط مدريد حيث دفنت ابنته.
وقد واكب 22 من أفراد أسرة فرنكو نقل الرفات إلى المقبرة التي ترقد فيها أرملته كارمن على بعد 50 كيلومتراً من وادي الشهداء، وأشرف على المراسم الدينية كاهن هو ابن العقيد أنطونيو تيخيرو، الذي قاد محاولة الانقلاب ضد الحكومة الديمقراطية الأولى بعد وفاة فرنكو، والتي لعب الملك خوان كارلوس الأول دوراً بارزاً في إفشالها بعد أن أمر الوحدات العسكرية بعدم الانضمام إليها وإجهاضها.
وتعود ملكية المقبرة التي يرقد فيها فرنكو من اليوم، إلى الدولة التي تتولّى صيانتها وحمايتها، إذ يُخشى أن تستقطب احتجاجات واعتداءات من جهات مناوئة أو مظاهرات مؤيدة لجماعات يمينية متطرفة شاركت أعداد ضئيلة منها في مواكبة النعش إلى مثواه الجديد. وكانت وزيرة العدل قد رافقت حفيد فرنكو خلال نقل الرفات الذي قالت مصادر حكومية إنه كلّف الخزانة العامة 63 ألف يورو. وكان لافتاً خلال مراسم الدفن وجود مجموعة تهتف ضد الكنيسة الكاثوليكية والبابا فرنسيس لعدم اعتراضه على قرار الحكومة الإسبانية نقل الرفات، ما أعاد إلى الأذهان المساعي التي بذلها فرنكو منذ بداية عهده للتقرّب من الكنيسة التي كانت سنده الأساسي. ومنذ تبني «قانون الذاكرة التاريخية» في 2007 بدفع من الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو، لا يكف اليمين عن اتهام اليسار بالسعي إلى إعادة فتح جروح الماضي التي لم تشف بعد.
وكان راخوي الذي تولى السلطة من 2011 إلى 2018، يتباهى علنا بأنه لم ينفق يورو واحدا لتطبيق هذا القانون الذي يهدف إلى إزالة آثار الديكتاتورية والتعرف على عشرات الآلاف من الجثث التي ألقيت في حفر جماعية وإلى رد الاعتبار لذكرى الجمهوريين الذين أدينوا في عهد الجنرال. وأشار حزب «الصوت» اليميني القومي الذي وصف إخراج الجثمان بأنه «تدنيس»، إلى هذه الانقسامات.
وقالت الزعيمة اليمينية في منطقة مدريد إيزابيل دياز أيوسو في بداية أكتوبر (تشرين الأول): «ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستحترق أبرشيات الحي كما حدث في 1936؟» سنة اندلاع الحرب الأهلية. من جهته، عبر ثاباتيرو عن ارتياحه الخميس. وقال: «إنه اليوم الذي ستصبح فيه الديمقراطية الإسبانية أكمل ديمقراطية».
وكان معروفاً عن فرنكو حرصه على ممارسة الشعائر الدينية وتكراره في أحاديثه وخطبه لعبارات مثل «الحرب الصليبية المقدّسة ضد طغيان الكفّار» أو «إنقاذ الحضارة المسيحية». لكن يجمع الكثير من المؤرخين أن تديّن فرنكو كان سياسيا في دوافعه، وأنه كان يحلم، على غرار الملك كارلوس الخامس (شارلمان) وفيليبي الثاني الذي بنى قصر الاسكوريال، بقيادة كنيسته الوطنية خارج سلطة الفاتيكان وتعزيز زعامته السياسية. وقد أدّى ذلك إلى توتّر شديد في العلاقات بين الطرفين، ما دفع برئيس أساقفة إسبانيا إنريكي تارانكون عام 1974 إلى مقابلة فرنكو، وهو مريض في فراشه، وهدده بتنفيذ قرار الحرمان الكنسي في حال إصراره على نفي أحد الأساقفة الباسك. ويقول تارانكون في مذكراته إن فرنكو، الذي كان في حال صحيّة مترديّة، أجهش بالبكاء وقال إنه كان دائماً متدّيناً صالحاً.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».