«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين

اسكوتلانديارد لـ «الشرق الأوسط»: 80% من المواد التي ترصدها وحدة مكافحة الإرهاب أسبوعيا عن سوريا والعراق

«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين
TT

«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين

«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين

تزخر شبكة الإنترنت بمناورات كر وفر ما بين الجماعات المتطرفة مثل «داعش» ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لدول غربية، وعلى رأسها بريطانيا وأميركا. حيث باتت تلك الجماعات تعتمد على الدعاية الإلكترونية وتستغل «الهاشتاغات» النشطة بمواقع التواصل الاجتماعي، مثل «يوتيوب» و«تويتر» لتنشر لقطات الفيديو، بهدف استقطاب وتجنيد مقاتلين أجانب جدد. وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز» الأسبوع الماضي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن مسؤولي الدعاية في تنظيم «داعش» أصبحوا «ماهرين للغاية» في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، واستقطبوا مجندين جددا من أوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها.
من جانبهم، نوه مسؤولون بمنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بأن أكثر من 15 ألف مقاتل أجنبي من نحو 81 دولة توجهوا للقتال في صفوف الجماعات المتطرفة في العراق وسوريا، ومنهم 3 آلاف مقاتل من الغرب، وألف منهم على الأقل من القارة الأوروبية (نحو 500 منهم من المملكة المتحدة و250 من بلجيكا). وتحوي صفوفهم نحو مائة مواطن أميركي.
يُذكر أن تنظيم «داعش» استطاع توسيع حضوره على شبكة الإنترنت، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي بات ينشر تدوينات ولقطات فيديو تولد الذعر في قلوب الناس. ويتبين تباعا لذلك أن استراتيجية «داعش» مبنية على تخويف «أعدائه» واستفزازهم وإحياء فطرة العقيدة في قلوب المسلمين لتجنيدهم. وحول أسباب استطاعة «داعش» أن يستقطبوا مقاتلين أجانب، ينوه الإسلامي المصري الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، بأن «المسألة مسألة عقيدة، فالذي يحرك هؤلاء الشباب رؤية إخوانهم في العقيدة يُقتلون، ولذلك يتوافدون للقتال هناك تعاطفا وتضامنا معهم».
وهذا النوع من الاستقطاب يجري عن طريق الدعوة الإلكترونية، حيث يضيف الدكتور السباعي خبير الحركات الأصولية لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «اهتم تنظيم (داعش) بالإعلام بقوة قبل أن تتضاعف إمكانياته المادية، ومع زيادة إمكانياته، يستطيع تخصيص عناصر للدعاية الإلكترونية فقط».
ويذكر مختصون تقنيون معنيون بشؤون الجماعات المتطرفة، أن فريق «داعش» للدعاية الإلكترونية كبير ومنظم وموزع على جميع وسائل التواصل الاجتماعي الكبرى، مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، ولكل «ولاية» حسابها الإلكتروني الخاص، مثل حساب «ولاية نينوى» الذي ينشر أخبارها، بالإضافة لحسابات «داعش». ويجري الاعتماد أيضا على حسابات خاصة أخرى يتابعها عشرات الآلاف.
وحول ذلك يقول إياد بركات لـ«الشرق الأوسط»، وهو خبير إنترنت وإعلام اجتماعي: «مع أن (داعش) ليست الجماعة المتطرفة الوحيدة ولا الأولى التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تتميز بكثافة استعمالها لشبكات التواصل الاجتماعي واعتمادها على استراتيجيات إعلامية متطورة جدا وخطط ترويجية أكثر تقدما من غيرها».
ويضيف بركات منوها: «في حين أن أغلب الجماعات المتطرفة في السابق كانت تستخدم المنتديات المغلقة لنشر رسائلها الإعلامية ولاستقطاب الأعضاء الجدد، فإن (داعش) تعتمد أكثر على الشبكات المفتوحة للجميع، مثل (تويتر) و(فيسبوك) و(إنستغرام)، وبالتالي تصل لعدد أكبر من الناس وشرائح متنوعة من الجمهور».
وتتركز الاستراتيجية الأساسية لـ«داعش» على توظيف الحشود واستقطابهم بشكل مباشر أو غير مباشر ليكونوا ناقلين وناشرين للفيديوهات والتغريدات والرسائل الإعلامية».
وحسبما أشارت صحيفة «غارديان» البريطانية في تحقيق نشرته الأسبوع الماضي، فإن تمعن ودراسة آليات نشر لأحدث فيديو بثته «داعش»، يوضح شتى الطرق التي يتبعها التنظيم إلكترونيا لنشر مواده، وأهمها استنزاف التغريدات النشطة في البلدان الأجنبية لزيادة توزيع المواد المتطرفة عبر «تويتر» و«يوتيوب».
ونوه التقرير أن التنظيم يستخدم أساليب غير شائعة في قلب الثغرات الأمنية للمواقع لتحميل مواده على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل خدمات تتيح لمستخدميها نشر مدونات من حسابات سرية». ويعتمد التنظيم أيضا على فتح حسابات احتياطية في حال إغلاق حسابهم من مديري الصفحات، وبهذا استطاع التنظيم نشر لقطات قطع الرؤوس حول العالم في غضون ساعات قليلة. ويُذكر أن التنظيم يقوم بتحميل لقطاته على «يوتيوب» وعلى خدمة «جست بيست إت» التي يديرها شاب بولندي (26 عاما).
ومن ذلك الموقع يستطيع الناس أخذ رابط الفيديو ومشاهدته على مواقع أخرى غير «يوتيوب» مبنية على رموز سرية يوفرها التنظيم بتدويناته المتناثرة على شتى المواقع والمنتديات، ليستطيع الناس مشاهدة ما حمّله التنظيم من مقاطع.
وبذلك، يغتنم «داعش» وغيره من جماعات متطرفة ذات منهجية حشد للتجنيد فعالية شبكة الإنترنت في الدعاية التي قد تبدأ بـ«تويتر» و«يوتيوب» وغيرهما من المواقع المعروفة، ولكنها قد تمتد إلى مواقع أقل شهرة في حال حذف المواد من قبل مديري الصفحات.
ويقول بركات: «وسائل التواصل الاجتماع منبر مهم لتلك الجماعات المتطرفة لتجنيد وحشد المقاتلين أجانب، بل إنها ضرورة قصوى، وذلك لطبيعتها المفتوحة ووصولها الواسع لشرائح الجمهور المستهدفة». ويعمل عناصر «داعش» المعنيون بالدعاية الإلكترونية على البحث عن «الهاشتاغات» النشطة في البلدان الأجنبية وأكثر المواضيع تداولا وأهم المشاهير متابعة لاستخدامها، واختراق تلك السجلات لترويج دعايتهم ودعوة لتجنيد الأجانب ونشر لقطات فيديو الدعوة والإعدامات. ومن الملاحظ أن لدى التنظيم دراية واسعة بهذا المجال.
وعلى الصعيد التقني يشير خالد الأحمد، وهو مستشار إعلام اجتماعي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «من الممكن جدا البحث عن (الهاشتاغات) النشطة بأي مدينة واستغلالها للترويج لمشروع غير مرتبط بـ(الهاشتاغ). ويجري ذلك إما عن طريق (تويتر) نفسه، أو أدوات من طرف آخر، مثل موقع (تريندز ماب). وقد استخدم هذا الأسلوب يوم استفتاء استقلال اسكوتلندا لاستقطاب مواطنين بريطانيين، إذ استخدم المغردين الدعائيين لتنظيم (الهاشتاغات) النشطة، مثل (صوت بنعم) و(صوت بلا) لنشر تدويناتهم وتغريداتهم في بريطانيا وأوروبا لتصبح مقروءة هناك».
وعن ذلك، يقول إياد بركات خبير المواقع الإلكترونية: «(الهاشتاغ) في حيز التواصل الاجتماعي عبارة عن حوار عام وواسع، والركوب على هذه الحوارات واستغلالها بشكل طفيلي إحدى أهم استراتيجيات الترويج الإلكتروني المستخدمة من قبل الأفراد المتمرسين، وتُعد طريقة فعالة جدا للركوب على الحوار العام والمفتوح وحقنه برسائل مخصصة تهدف لنشر (بروباغاندا داعش) لتحقيق أهدافه».
قد يكون اعتماد «داعش» على وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية والحشد من صالحه حاليا، ولكنه أيضا مع صحوة الحكومات لتلك الاستراتيجية والظاهرة المقلقة، قد يكشف ضعف التنظيم وهشاشته. وبذلك قد يستغل منددوه الاعتماد الكبير على الدعاية الإلكترونية لمحاربته من خلالها، والقضاء على وجوده، من خلال استئصاله من شبكات التواصل الاجتماعي.
وعلى خلفية ذلك، بادرت الحكومات الأجنبية، مثل البريطانية والأميركية، إلى التعاون مع شركات التواصل الاجتماعي والشركات التنقية لدحض دعوات التجنيد والتطرف الإلكترونية.
ونوه الناطق باسم البيت الأبيض، نيد برايس، لوسائل إعلام أميركية، الأسبوع الماضي، قائلا: «البيت الأبيض وجهات حكومية ووكالات أخرى معنية جميعها بالتعاون مع وسائل التواصل الاجتماعي لحذف أي مواد قد تهدد الأمن الوطني الأميركي».
ويؤكد إياد بركات خبير المواقع الإلكترونية بوجود مبادرات في بلدان مختلفة حول العالم، وليس فقط بريطانيا، للقضاء على حملة «داعش» الإلكترونية، ويستطرد: «الجهات الرسمية في الدول الغربية تنبهت لخطورة الدعاية الإلكترونية التي يمارسها (داعش) لكونها تستهدف وبشكل مباشر شرائح محددة من الشباب المقيم في هذه البلدان، وبالطرق وأساليب الدعاية التي يفهمون ويتفاعلون معها بسهولة، كان واضحا منذ بدايات انطلاق (داعش) خصوصا ليس فقط انخراط العديد من الشباب القادم من الغرب بوصفهم مقاتلين في صفوف (داعش)، بل أيضا وجود كثير من المؤيدين ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي الذين يعملون على ترويج (داعش) وأهدافها، مما جعل هذه الدعاية الإلكترونية خطرا مباشرا على هذه البلدان، وليس فقط بلدان الشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق».
وبدورها، تقوم وحدة مكافحة الإرهاب البريطانية المعنية بشبكة الإنترنت برصد المواد «الإرهابية» والمتطرفة على الشبكة. وتتبع الوحدة منهجا استباقيا وفعالا في رصد المواد الإرهابية، ولكنها تتلقى أيضا بلاغات عامة من مستخدمي الشبكة، ولهم الاختيار بعدم كشف هويتهم. وعندما تخرق المواد المنشورة قوانين الإرهاب البريطانية، تعمل هذه الوحدة التي يديرها خبراء تقنيون ومحللون على حذفها من الشبكة، من خلال التنسيق مع وسيط التواصل الاجتماعي المعني. وحدة مكافحة الإرهاب التي ترصد شبكة الإنترنت مسؤولة أيضا عن إبلاغ الشرطة عن أي إساءات إرهابية (مثل تعظيم أفعال إرهابيين، أو ترويج حملاتهم، أو حشد للقتال) على الشبكة، وذلك من أجل اتخاذ إجراءات لمحاكمة الجناة.
وأفاد المكتب الإعلامي لشرطة العاصمة لندن (اسكوتلانديارد)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «في السنوات الـ4 الأخيرة، استطاعت وحدة الرصد هذه إزالة أكثر من 45 ألف مادة إلكترونية عن الإرهاب. وفي الآونة الأخيرة، ترصد الوحدة نحو 1100 مادة تخرق قانون الإرهاب البريطاني (من عام 2006) أسبوعيا، و80% منها عن سوريا والعراق، ومتداولة على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) و(تويتر)».
وتعمل شرطة لندن والوحدة المختصة على حذف مقاطع فيديو القتل والتعذيب والمداهمات والعمليات الانتحارية، بالتنسيق مع الشركات المستضيفة للمواقع ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومن جانبه، منح موقع «يوتيوب» الذي تملكه شركة «غوغل» العملاقة صلاحيات واسعة لوحدات حكومية، لرصد وحذف المواد الحساسة التي قد تهدد أمنها الدولي والإقليمي. ولم يتبع «تويتر» خطى «يوتيوب» بعد، ولكن مديروه باتوا يتعاملون مع ظاهرة التطرف بجدية تامة، حيث يعمل موظفوه على مدار الساعة في تفحص التقارير حول جميع الشكاوى والمواد الحساسة.
وحول ذلك، يوضح خالد الأحمد العملية قائلا: «يمكن للحكومات التواصل مع إدارة شركة (تويتر)، وتقديم طلب بحجب بعض المغردين أو بعض التغريدات عن الظهور في بلدهم». ويضيف الأحمد: «توجد قوانين في كل من وسائل الإعلام الاجتماعي للحماية من المحتوى المتطرف أو المسيء، ويمكن لأي شخص أن يشطب أي محتوى مسيء أو حجب المغرد وكل تغريداته».
وفي حالات خاصة، يعمل «تويتر» على إلغاء حسابات احتياطية لمروجي «داعش» فور إنشائها، حتى ولو لم تخرق قوانين استخدام «تويتر» بشكل مباشر، وذلك مثلما حصل لحساب تابع لـ«راية التوحيد»، وهم الجماعة المروجة لـ«داعش» في المملكة المتحدة. ومع أن تلك الإجراءات الاحترازية مهمة، فإن خبراء شبكات التواصل الاجتماعي قد نوّهوا بأن حذف تلك المواد فقط لن يساعد في الصورة الكبرى، أي في القضاء على دعاية (داعش) ومنهجية التجنيد من جذورها، إذ يقول إياد بركات: «عملية الإلغاء الفوري للمواد والحسابات التي تنشرها قد تكون ناجحة على المدى القريب، ولكن لا بد من وجود آلية لا تقتصر على شراكة بين الأجهزة المعنية ومديري ومراقبي شبكات التواصل الاجتماعي، بل يجب أن يكون هناك إشراك للجمهور وتوظيف الحشود، في كل مراحل مكافحة الدعايات المتطرفة، للحد من قدرتها على استقطاب أعضاء جدد، ومن جمع الأموال ونشر الذعر بين صفوف الناس».
وعلى صعيد متصل، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي حملات مضادة لدعايات «داعش» للتجنيد. وحسبما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأسبوع الماضي، عبر الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إعجابه بالمسلمين الذين نددوا بالجماعات المتطرفة وحاربوها إلكترونيا. وشكر أوباما ضمن خطابه في الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، بالتحديد، تفاعل مجموعة بريطانية إلكترونية. وهذه المجموعة «أكتيف تشيج فاونديشون» هي عبارة عن تنظيم مجتمعي بشرق العاصمة البريطانية لندن، وقد بدأت بحملة مضادة لـ«داعش» على «تويتر»، الشهر الماضي. وتستخدم هذه المجموعة «هاشتاغ»: «ليس باسمي»، الذي استخدم للتنديد بأفعال «داعش» ووحشيته بقطع الرؤوس والإعدامات. وجرى تداول هذا «الهاشتاغ» عشرات آلاف المرات مع رابط لفيديو على «يوتيوب» للترويج للحملة الذي أحرز أكثر من 200 ألف مشاهدة.
وتهدف حملة «نوت إن ماي نيم» أو «ليس باسمي»، للتعبير عن غضب المسلمين حول الفظاعة التي يرتكبها «داعش» تحت اسم الإسلام، وللشرح للعالم أن الإسلام ليس ما يفعله «داعش»، حسبما نوهوا بتدويناتهم. وتستمر الحكومات الغربية في محاولات جادة لمنع مواطنيها من الانضمام إلى الجماعات المتطرفة، خوفا من أن ذلك الانخراط سيؤدي لتدريبهم للقتال في داخل وخارج دول الغرب.
وقال أوباما: «علينا بذل جهد أكبر للقضاء على آيديولوجيات التطرف»، مضيفا: «يجب أن نتعلم من رواد حملة (ليس باسمي) البريطانيين، فقد ردت حملتهم على التطرف، وتصدت له، موضحة للعالم معنى الإسلام الحقيقي».
وحسبما نوهت صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن تلك الحملة تلقت إقبالا من المسلمين في المساجد بدول عدة، منها فرنسا وألمانيا والنرويج، الذين شنوا، تباعا، مظاهرات تندد بـ«داعش» ومنهجيته وأعماله.



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد