الشرعية تتهم الميليشيات بالتهرب من التزاماتها وإفشال صرف الرواتب

«إصرار انقلابي» على مفاقمة أزمة الوقود رغم تسهيلات «اللجنة الاقتصادية»

يمني ينتظر في طوابير قرب محطة وقود في صنعاء (إ.ب.أ)
يمني ينتظر في طوابير قرب محطة وقود في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الشرعية تتهم الميليشيات بالتهرب من التزاماتها وإفشال صرف الرواتب

يمني ينتظر في طوابير قرب محطة وقود في صنعاء (إ.ب.أ)
يمني ينتظر في طوابير قرب محطة وقود في صنعاء (إ.ب.أ)

اتهمت «اللجنة الاقتصادية اليمنية»، الميليشيات الحوثية، بأنها تعمل على خلق أزمة مشتقات نفطية جديدة، وتتهرب من التزاماتها أمام المجتمع الدولي بصرف رواتب المدنيين، وتسعى لإفشال جهود المبعوث الدولي في تطبيق اتفاقية استوكهولم.
وقالت اللجنة، في بيان اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، إن الجماعة الحوثية منعت التجار المستوردين للمشتقات النفطية من التقديم للحصول على طلبات التراخيص التي تسمح بدخول الشحنات النفطية إلى ميناء الحديدة، على الرغم من المبادرة الحكومية لحل الأزمة.
كانت الحكومة الشرعية واللجنة الاقتصادية بادرت بدعم من التحالف الداعم للشرعية، وبالتوافق مع الأمم المتحدة، بمنح التصريحات اللازمة لسفن المشتقات النفطية مقابل أن تورد عائدات الجمارك والضرائب على هذه الشحنات إلى حساب خاص في فرع البنك المركزي في محافظة الحديدة، وتسخير هذه العائدات لصرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.
وحملت اللجنة الاقتصادية، الجماعة الحوثية، المسؤولية عن مفاقمة أزمة الوقود، في وقت حذرت فيه التجار من مغبة الخضوع لأوامر الميليشيات، وعدم تطبيق القرار الحكومي 49 القاضي بتحصيل إيرادات الضرائب والجمارك على الشحنات النفطية لمصلحة رفع رواتب الموظفين.
وسبق أن أعلن المكتب الفني للجنة الاقتصادية أن تطبيق قرار الحكومة رقم 49 لعام 2019، بإشراف دولة رئيس الوزراء، حقق إيرادات تصل إلى أكثر من 10 مليارات ريال يمني من الموانئ المحررة، ومن المتوقع أن إيرادات الحديدة من تطبيق القرار نفسه ستتعدى 6 مليارات ريال يمني خلال الفترة القصيرة لتطبيق القرار (الدولار نحو 580 ريالاً).
وسمحت الحكومة اليمنية، قبل يومين، بناءً على توجيهات حكومية، بإصدار تصاريح دخول ثمان سفن تقدمت بطلباتها إلى ميناء الحديدة، فيما أجبرت الميليشيات الحوثية باقي السفن على عدم تقديم طلباتها ووثائقها للجنة، وهو ما تتسبب في تحمل المستوردين من التجار مزيداً من الخسائر والتكاليف.
واشترطت اللجنة الاقتصادية للحصول على تصاريح الدخول إلى ميناء الحديدة، التزام التجار بسداد الرسوم القانونية إلى البنك المركزي في الحديدة، وتخصيصها لصرف مرتبات المدنيين بإشراف الأمم المتحدة.
وتواصل الجماعة الحوثية، في صنعاء، ومختلف مناطق سيطرتها، المتاجرة بالأوضاع الإنسانية من خلال مفاقمة أزمة الوقود، والتهديد بوقف المنشآت الطبية والخدمية، في سياق الضغط لإلغاء قرار الحكومة، وتمكينها من الاستمرار في تحصيل الرسوم على واردات النفط الواصلة إلى ميناء الحديدة.
وسبق أن ذكرت الحكومة الشرعية، في رسالة بعثها المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة عبد الله السعيدي، إلى وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك، واطلعت عليها «الشرق الأوسط»، أنها متمسكة بقرارها 49 لسنة 2019 بضرورة توريد رسوم الجمارك والضرائب على شحنات المشتقات النفطية، قبل أي عملية استيراد أي شحنة، بما في ذلك المتجهة لميناء الحديدة الخاضع لسيطرة ميليشيات الحوثي.
وحاولت الحكومة الشرعية، في رسالتها، الدفاع عن قرارها باعتباره من الأمور السيادية، مع تجديد اتهامها للجماعة الحوثية بالتسبب في أزمة الوقود، وزيادة معاناة السكان في مناطق سيطرتها.
واتهمت الحكومة، الميليشيات الحوثية، بإعاقة جهود الحكومة لصرف مرتبات المدنيين، وقالت إن القرار 49 من القوانين السيادية الإيرادية التقليدية، والمعمول بها في كل دول العالم، التي عطل الانقلاب تطبيقها خلال الفترة الماضية.
وأوضحت أن القرار سيعزز من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بصرف رواتب المدنيين في جميع مناطق اليمن، وتحسين الوضع الإنساني الذي لا يمكن الحديث عن تحقيق تقدم فيه دون صرف رواتب المدنيين. وأشارت الشرعية اليمنية، في رسالتها للوكوك، إلى أنها نجحت في تطبيق القرار في جميع الموانئ والمناطق اليمنية خلال الثلاثة الأشهر السابقة، دون أي ضرر يُذكر على المواطنين.
كما أعلنت استعدادها لتوفير الوقود في المناطق الخاضعة للميليشيات بنقلها من المناطق المحررة، وبأسعار أقل من الأسعار المفروضة على المواطنين من قبل الميليشيات، بشرط الشراكة الدولية في الإشراف والرقابة على تنفيذ ذلك، حفاظاً على أرواح وممتلكات التجار العاملين على ذلك.
كانت الحكومة الشرعية قررت تحصيل رسوم الجمارك والضرائب على جميع شحنات المشتقات النفطية الواردة إلى جميع مناطق الجمهورية اليمنية، قبل الموافقة على تفريغ تلك الشحنات، بما في ذلك المتوجهة نحو ميناء الحديدة الخاضع للحوثيين.
وهددت الجماعة الحوثية، الأسبوع الماضي، في سياق استثمارها للأزمة إنسانياً، بوقف أنشطة أكثر من 1200 منشأة طبية، كما هدد قادتها في تصريحات نقلتها المصادر الرسمية للجماعة بتوقف كل الخدمات في مؤسسات المياه والكهرباء، أملاً بالضغط على الحكومة الشرعية للتراجع عن قرارها.
وأدى الاستثمار الحوثي في هذه الورقة في صنعاء وبقية المناطق التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، إلى مفاقمة الأزمة بعد أن فرضت تدابير من شأنها زيادة معاناة السكان، حيث خصصت محطات بعينها يملكها قادة حوثيون لبيع الوقود، كما حددت كميات بعينها كل 6 أيام لملاك السيارات والحافلات.
ومنذ أسابيع، لا تزال طوابير السيارات تمتد أمام محطات الوقود المخصصة من قبل الجماعة، في وقت وصل فيه سعر صفيحة البنزين الواحدة في السوق السوداء إلى نحو 20 ألف ريال (الدولار نحو 580 ريالاً)، وهو سعر يبلغ ضعفي السعر الرسمي.
وذكرت اللجنة الاقتصادية، في بيان رسمي سابق، أنها نجحت في تطبيق قرار الحكومة رقم 49 لعام 2019 بتحصيل الرسوم الجمركية والضريبية والعوائد الحكومية القانونية الأخرى على جميع الواردات من المشتقات النفطية، إلى جميع الموانئ اليمنية المحررة.
وأوضحت اللجنة الاقتصادية اليمنية، أن القرار الحكومي يهدف إلى تعزيز إيرادات الدولة، وإعادة تفعيل مؤسساتها السيادية، وتحسين الوضع الإنساني في البلاد.
واتهمت اللجنة، الميليشيات الحوثية، بأنها تواصل إعاقة تطبيق القرار في ميناء الحديدة، والتسبب في أزمة مشتقات لتمويل نشاطها، ومراكز نفوذها، وإعاقة جهود العمل الإنساني، رغم التنازلات الحكومية لحل هذا الإشكال بتخصيص المبالغ التي ستُحصل لصرف المرتبات في حساب يخضع لرقابة وإشراف دوليين.
يأتي هذ القرار الحكومي ضمن سلسلة تدابير أخرى كانت اتخذتها، من ضمنها القرار 75 الذي وجهت به ضربة موجعة للجماعة، الذي ألزم كافة تجار المشتقات النفطية بالحصول على تصاريح مسبقة لاستيراد الوقود عبر البنك المركزي في عدن، لجهة تجفيف موارد الحوثيين من النفط الإيراني المهرب.
وتؤكد مصادر حكومية أن الجماعة تستميت للاستمرار في تحصيل رسوم الجمارك والضرائب المفروضة على كافة الواردات التي تصل ميناء الحديدة الخاضع لها، لجهة تمويل مجهودها الحربي.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».