الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

تركيا مقتنعة بحصولها على ما تريد في شرق الفرات... وتهم «بيع الأكراد» تلاحق ترمب

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن
TT

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

بعد 8 أيام من القصف المكثف والاشتباكات العنيفة بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري» الموالية لأنقرة، من ناحية، وميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية مكوّنها الأساسي، من ناحية أخرى، أوقفت تركيا بضغط أميركي عمليتها العسكرية التي أطلقت عليها «نبع السلام».
العملية كانت قد بدأتها أنقرة يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري من أجل السيطرة على منطقة شرق الفرات والقضاء على وجود ميليشيا «الوحدات» الكردية فيها. غير أن القيادة التركية وافقت على وقف اجتياح مناطق شمال شرقي سوريا أول من أمس (الخميس) لمدة خمسة أيام من أجل السماح للميليشيات الكردية بالانسحاب من «المنطقة الآمنة» التي تسعى أنقرة لإنشائها في المنطقة تشمل بلدتي رأس العين وتل أبيض، ووصولاً إلى الحدود مع العراق، بعمق 32 كيلومترا وامتداد 444. بحسب آخر حدود لـ«المنطقة الآمنة» التي أعلنها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
جرى الإعلان عن الوقف المؤقت للعملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا على لسان نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، في أعقاب مباحثات مطولة أجراها في أنقرة مع الرئيس التركي، وشارك فيها أيضا وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن الأميركي روبرت أوبراين. ولقد جاءت هذه الخطوة بعدما وصلت العلاقات التركية - الأميركية إلى منعطف حاد بسبب الاندفاع التركي نحو الانتهاء من فرض «المنطقة الآمنة» التي حددتها أنقرة من جانب واحد، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تحت ضغوط شديدة من الكونغرس إلى فرض عقوبات «ناعمة» على تركيا شملت وزراء الدفاع خلوصي أكار والداخلية سليمان صويلو والطاقة فاتح دونماز، ووزارتي الدفاع والطاقة، مع تهديده بتدمير الاقتصاد التركي ما لم توقف أنقرة العملية العسكرية.

استخفاف تركي
تهديد الرئيس الأميركي قابلته تركيا بالاستخفاف، والتأكيد على الاستمرار في العملية العسكرية حتى تحقيق جميع أهدافها التي حددتها في سياق «القضاء على التنظيمات الإرهابية» - وتقصد بها ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، وأضافت إليها «داعش» من أجل الحصول على المباركة الأميركية -، وكذلك إعادة ما يتراوح بين مليون ومليوني لاجئ سوري من أصل 3.6 مليون لديها ومنع إقامة ما تسميه «ممرا إرهابيا» على حدودها الجنوبية.
لقد بنت تركيا موقفها على قرار ترمب بسحب القوات الأميركية من سوريا الذي كان قد أصدره في السادس من أكتوبر، والذي قرأته تركيا على أنه «ضوء أخضر» أميركي لشن غزو بشمال شرقي سوريا وسحق المقاتلين الأكراد، الذين هم حلفاء لواشنطن، قبل أن يتخلى عنهم ترمب ويتركهم فريسة سهلة لتركيا.
هذا، وشجّعت الرسائل المتناقضة الصادرة عن ترمب تركيا على المضي قدُماً في عمليتها العسكرية، إضافة إلى المواقف الأوروبية التي جاءت «في الحد الأدنى»، للتأثير على الموقف التركي أيضا بإدانة العملية العسكرية والتلويح بعقوبات «غير محددة»، وإعلان بعض الدول – منها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد - وقف تصدير السلاح لتركيا.
كل ذلك دفع إردوغان إلى التمادي، رغم المؤشرات التي كانت تقطع بأن المواقف الدولية، سواءً الأميركية أو الأوروبية، قد تتطوّر إلى ما هو أبعد في معاقبة تركيا، وصولاً إلى تدمير اقتصادها بالفعل.
لكن الرئيس التركي أدرك بعدما رفض مقابلة الوفد الأميركي أن ثمن عداء أميركا قد يكون فادحاً، وأن تركيا قد تجد نفسها في عزلة تامة وظهرها للحائط... ولذا عاد وقبل بلقاء الوفد.
وهنا يقول مراقبون إن القطع بفكرة أن الولايات المتحدة «باعت» الأكراد افتراض خاطئ، نتج عن تغريدات ترمب المتناقضة التي تحدث فيها تارة عن فك الارتباط مع «وحدات حماية الشعب» الكردية بعدما قاتلت مع أميركا ضد «داعش»... وكلامه عن «تلقيها الكثير من المال مقابل ذلك»، وأن «عليهم - أي الأكراد - أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، لأن أميركا لن تبقى في رمال سوريا لخمسين سنة قادمة من أجل حمايتهم».

اختبار للثقة
في الواقع، عكس الاتفاق الذي أعلنه بنس من أنقرة أول من أمس حالة انعدام الثقة بين أنقرة وواشنطن. إذ تضمّن وقف تركيا عمليتها العسكرية لمدة 5 أيام «للسماح بانسحاب وحدات حماية الشعب خلال هذه الفترة مع عدم فرض عقوبات أميركية جديدة على تركيا خلال الأيام الخمسة»، على أن يتم إلغاء العقوبات التي سبق فرضها بسبب العملية العسكرية بعد أن تعلن تركيا وقفاً نهائيا لإطلاق النار.
وفي البنود الأخرى، حصلت تركيا على العمق الذي تريده لـ«المنطقة الآمنة»، وهو 20 ميلا (32 كيلومترا) بينما لم يذكر شيء عن طول المنطقة التي تطالب أنقرة بأن يكون 444 كيلومتراً من منبج إلى حدود العراق، وإنهاء تركيا العملية العسكرية مع اكتمال انسحاب الميليشيات الكردية وامتناعها عن أي عمل عسكري في مدينة عين العرب (كوباني) التي دخلتها قوات نظام دمشق. كذلك، لن يكون للولايات المتحدة جنود على الأرض، بينما تلتزم أميركا وتركيا بالتوصل لاتفاق سلمي بشأن «المنطقة الآمنة» في سوريا، يضمن أمن أنقرة والأكراد، وضمان حماية الأقليات في شمال سوريا، وحماية السجون الموجودة هناك، مع التأكيد على أن هزيمة «داعش» هو الهدف المشترك لكل من أنقرة وواشنطن.
من جانبه، أكّد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن «المنطقة الآمنة» ستكون بعمق 32 كيلومترا في سوريا وتمتد من شرق الفرات وحتى الحدود العراقية. وأنه جرى الاتفاق على تسليم الميليشيات الكردية سلاحها الثقيل إلى الجيش الأميركي، وأن تكون السيطرة على «المنطقة الآمنة» للقوات التركية، ومناقشة وضع منبج ومناطق أخرى بين تركيا روسيا، لافتاً إلى أن بلاده لم تقدم أي ضمانات بشأن عين العرب. وما يستحق الإشارة، أن نائب الرئيس الأميركي اعتبر أن «ما اتفق عليه سيخدم مصلحة الأكراد في سوريا ويؤسس لمنطقة عازلة طويلة الأمد»، ووصف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الاتفاق مع تركيا بأنه «نجاح كبير وسينقذ حياة الملايين». وذكر بيان أميركي تركي مشترك أن القوات المسلحة التركية ستتولى إقامة «المنطقة الآمنة»، ورأى مسؤولون أتراك أن أنقرة حصلت على ما تريد بالضبط من المباحثات مع واشنطن.
هذا، وفي حال تنفيذ الاتفاق، يرى مراقبون أن الهدنة ستحقق الهدفين الرئيسيين اللذين أعلنت عنهما تركيا عندما شنت الهجوم قبل ثمانية أيام، وهما: السيطرة على شريط من الأراضي السورية بعمق يتجاوز 30 كيلومتراً، وإخلاء المنطقة من ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، الحليف السابق لواشنطن.

تحفظ كردي
أما بالنسبة للأكراد، فقد صرّح القيادي الكردي البارز آلدار خليل بأنه يرحب بوقف المعارك مع تركيا في شمال سوريا، لكنه أكد أن الأكراد «سيدافعون عن أنفسهم إذا تعرضوا لهجوم، ثم إن إردوغان يريد التوغل 32 كيلومترا في سوريا وسبق لنا أن رفضنا ذلك». وقال مظلوم عبدي، القائد العام لميليشيا «قسد» بأن الميليشيا قبلت بالاتفاق مع تركيا في شمال سوريا و«سنفعل كل ما يلزم لإنجاحه»، لافتاً إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار هو «البداية، فحسب»، ويجب ألا تتحقق أهداف تركيا التي شنت توغلا في شمال سوريا الأسبوع الماضي، مركزاً على أن الاتفاق يقتصر على المنطقة الواقعة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين.

أزمات متعددة
على صعيد متصل، فجّر الهجوم الذي كانت تركيا بدأته الأربعاء قبل الماضي أزمة إنسانية جديدة في سوريا تمثلت بنزوح ما بين 200 و300 ألف مدني، وأثار هذا الأمر مخاوف أمنية تتعلق بآلاف من مقاتلي تنظيم داعش المحتجزين في سجون الأكراد، بالإضافة إلى أزمة سياسية يواجهها ترمب في الداخل، منها الاتهامات بالتخلي عن المقاتلين الأكراد الذين كانوا شركاء واشنطن الرئيسيين في معركة إنهاء «داعش» في سوريا. ويبدو أن تركيا لم تتجنب تماماً خطر العقوبات بسبب غضب المشرّعين الديمقراطيين والجمهوريين مما قامت به في شمال شرقي سوريا، فلقد تعهد نواب في الكونغرس بمواصلة العمل بكل قوة لفرض عقوبات صارمة على تركيا رغم إعلان وقف إطلاق النار بشكل مؤقت في سوريا.
غير أن الأمم المتحدة رحبت، من جانبها، «بأي جهود» لوقف تصعيد الموقف في شمال سوريا وحماية المدنيين، وذلك بعدما وافقت تركيا على وقف هجومها داخل المنطقة.
أما ترمب نفسه، فإنه أثنى على نظيره التركي إردوغان، وهو الذي كان قد كشف قبل مباحثات الوفد الأميركي في أنقرة عن رسالة بعث بها إليه يوم انطلاق العملية العسكرية وصفه فيها بالمتصلب والأحمق وهدده بتدمير الاقتصاد التركي، قبل أن يعود ليصفه بأنه «زعيم فذ». وجاء في ثناء ترمب قوله «إردوغان صديق لي، وأنا سعيد بأننا لم نواجه مشكلة، لأنه بصراحة زعيم فذّ... إردوغان رجل قوي وقد فعل الشيء الصحيح، وأنا أقدر ذلك، وسأظل أقدره في المستقبل».

مخاوف عودة «داعش»
جدير بالذكر، أنه منذ إعلان إردوغان عن بدء عملية «نبع السلام» تفجرت المخاوف من عودة «داعش» إلى الظهور من جديد عبر الهجوم التركي الذي قد يمتد إلى السجون التي وضعت فيها قسد الآلاف من عناصر التنظيم المتطرف. وفعلاً، أعلنت ميليشيا «قسد» أن 800 من أفراد عائلات مقاتلي «داعش» فرّوا من مخيم في بلدة عين عيسى (محافظة الرقة) بسبب القصف التركي، وأن خمسة من المتشددين فروا من مركز احتجاز. واسترجعت تقارير بهذا الشأن المواقف السابقة لتركيا تجاه «داعش»، وادعاءات دعمها للتنظيم وإمكانية تجنيد عناصره في صفوف الجيش الوطني للقتال ضد «قسد»، أو إطلاقهم إلى مناطق صراعات كحال ليبيا مثلاً، أو استخدامهم ضد بعض دول المنطقة والدول الأوروبية.
ومن جانبه، استغل «داعش» الغزو التركي للأراضي السورية، بإطلاقه سراح عدد من المحتجزات التابعات للتنظيم، غرب مدينة الرقة.
وادعت وكالة «أعماق» التابعة لـ«داعش»، في بيان أول من أمس، أن عددا من عناصر التنظيم الإرهابي تمكنوا من مهاجمة مقر تابع لـ«قسد» في قرية المحمودلي، غربي الرقة، ونجحوا في إطلاق سراح مجموعة من الداعشيات. وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان قد قال، أول من أمس، إن 9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش قد فررن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غربي سوريا
من جانبه، قال عبدي، القائد العام لـ«قسد»، بأن قواته لن تسلم عناصر التنظيم المتطرف وعائلاتهم المعتقلين لديها إلى أي جهة. وأضاف «أن عناصر «داعش» وعائلاتهم لدينا، نحن من ألقى عليهم القبض، ونحن من يحدد مصيرهم». ويذكر أنه، وفق المعلومات المتوافرة، تحتجز «قسد» نحو 11 ألف عنصر من «داعش»، بينهم 9 آلاف من العراق وسوريا و2000 ينتمون إلى نحو 50 دولة. وسبق أن حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الدول الأوروبية من نقل المئات من عناصر «داعش» من سجون «قسد» في سوريا إلى العراق، بالتزامن مع العملية العسكرية التركية شرق الفرات.
وأعربت المنظمة عن قلقها من أن «بعض الدول الأوروبية لا تريد استعادة مواطنيها الدواعش، بل تسعى لنقلهم إلى العراق، بعدما أثار هجوم بدأته أنقرة قبل نحو أسبوع ضد المقاتلين الأكراد في سوريا خشيتها من أن يتمكن هؤلاء من الفرار من السجون». ودعت المنظمة كلا من «فرنسا والدنمارك وألمانيا وبريطانيا» ودولا أخرى لاستعادة مواطنيها، مع العلم أن محاكم عراقية أصدرت خلال الصيف أحكاما بالإعدام على 11 فرنسياً كانوا قد اعتقلوا في سوريا، بسبب انتمائهم إلى تنظيم داعش. وأعلنت بلجيكا، أمس، فرار عناصر من التنظيم يحملون جنسيتها من أحد السجون الخاضعة لسيطرة «قسد» في شمال شرقي سوريا. وفي المقابل، دعت أنقرة، مع انطلاق عمليتها، الدول الأوروبية إلى التعاون واستعادة عناصرها الذين قاتلوا من قبل في صفوف «داعش»، وادعت أنها ستكون قادرة على السيطرة على عناصر التنظيم الموجود في السجون متهمة «قسد» بتوظيفهم.

الدور الروسي
في هذه الأثناء، يتوقع العديد من المراقبين أن يتعاظم دور روسيا في رسم خارطة الشمال السوري في الفترة المقبلة رغم الاتفاق التركي – الأميركي، إذ انتقل ملف منبج وعين العرب فعلياً إلى روسيا الآن، وذلك بعدما دخلت قوات نظام دمشق المدينتين السوريتين بدعم من روسيا للتوصل إلى اتفاق بين النظام و«قسد». وهو ما يعني أن تركيا ستحتاج في جميع خطواتها القدمة إلى التنسيق مع روسيا.
ومعلوم، أن أنقرة فتحت بالفعل مشاورات مع موسكو بشأن الوضع في المنطقة. وأعلن وزير الخارجية التركي أول من أمس أن روسيا تعهدت بإبعاد الميليشيات الكردية عن الحدود التركية، كما أعلن عقب مباحثات الوفد الأميركي، أنه تم الاتفاق على التنسيق مع روسيا بشأن منبج و«مناطق أخرى»، في إشارة إلى عين العرب.
وحسب المعطيات، لا تمانع أنقرة في سيطرة نظام دمشق على المدينتين، بل رحب إردوغان بذلك قائلا «ليس لدى تركيا نية للهجوم على عين العرب»، لافتا إلى أن اتفاق «خارطة الطريق» في منبج، الموقع مع أميركا في يونيو (حزيران) 2018، لم يتحقق. والمرتقب أن يزور إردوغان موسكو في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري لبحث التطورات في سوريا.
ومن المنتظر، وفق المراقبين، أن يطلب الدعم الروسي بالنسبة لـ«المنطقة الآمنة» مع ضمان عدم حدوث اشتباكات بين قوات نظام الأسد والقوات التركية وحلفائها، في ظل موقف دمشق من الاتفاق التركي - الأميركي بشأن شرق الفرات، إذ رأت أنه «اتفاق غامض».

حقائق وأرقام عن العملية حتى الآن
> خسرت تركيا 8 جنود في الاشتباكات و20 مدنياً بالإضافة إلى عشرات المصابين جراء قصف ميليشيا «قسد» المناطق الحدودية، بالإضافة إلى آليات عسكرية عدة.
> قتل من «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا 46 مسلحاً وأصيب 136 آخرون خلال الاشتباكات مع «قسد».
> تسببت عملية «نبع السلام» العسكرية في تراجع سعر صرف الليرة التركية، بأكثر من 5 في المائة لتصبح صاحبة الأداء الأسوأ بين العملات الرئيسية في أكتوبر الجاري. وصنف بنك «جي بي مورغان» الأميركي الليرة التركية، مع الروبل الروسي، كأكثر العملات انكشافا على التقلبات السياسية.
> علقت مجموعة فولكسفاغن الألمانية لصناعة السيارات خططها لإنشاء مصنع جديد لها في تركيا بسبب الغزو التركي لشمال شرقي سوريا.
> خسرت ميليشيا «قسد» 702 من عناصرها، إلى جانب مفاجأة تخلي ترمب عنهم بعد سحب جنوده من شرق الفرات.
> بسبب خروج الجيش الأميركي، واتخاذه موقف الحياد تجاه ما يحدث للأكراد، اضطر الأكراد إلى عقد صفقة مع نظام دمشق، برعاية روسية. وبارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه الخطوة، قائلا إن «النظام السوري أولى بالدفاع عن الأكراد في المنطقة».
> قدم الاتفاق فرصة للنظام لاستعادة السيطرة على مدينتي منبج وعين العرب بمباركة الأكراد أنفسهم وامتناع أي طرف سواء روسيا أو أميركا أو تركيا عن الاعتراض. ولقد وصل النظام إلى الحدود السورية التركية ومناطق شرق الفرات الغنية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.