انسحاب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من خطة التحفيز يعزز توسع البنوك المركزية في استخدامها

المركزي الأوروبي وبنك اليابان يرفعان جهودهما في ذلك المضمار

الاحتياطي الفيدرالي الأميركي
الاحتياطي الفيدرالي الأميركي
TT

انسحاب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من خطة التحفيز يعزز توسع البنوك المركزية في استخدامها

الاحتياطي الفيدرالي الأميركي
الاحتياطي الفيدرالي الأميركي

في حين أن النمو الاقتصادي الأميركي يفوق بقية النمو الاقتصادي في العالم المتقدم، يسمح صناع السياسة الأميركيون لأوروبا، واليابان، وحتى الصين، بالسعي وراء الحصول على المزيد من الازدهار، على حساب الأميركيين.
كانت إدارة الرئيس أوباما وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يراقبان بهدوء عبر السنوات الأخيرة قيام الحكومات الأجنبية والبنوك المركزية بتخفيض القيمة الدولارية لعملاتها، وتقوية الصناعات التصديرية أملا منهم في تحفيز اقتصادياتهم. ومن المرجح أن يزداد ذلك التوجه خلال العام المقبل في الوقت الذي ينسحب فيه بنك الاحتياطي الفيدرالي من حملته التحفيزية بينما يوسع البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان من جهودهما في ذلك المضمار. وقال ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، في تصريح له، إنه سوف يبدأ في جولة جديدة من شراء السندات هذا الشهر.
ودفعت الولايات المتحدة كثيرا ومنذ فترة طويلة بأنه يجب على الأسواق تحديد قيمة العملات، وانتقدت الدول التي تحاول التلاعب بأسعار صرف العملات. ويعكس الصمت الحالي الحقيقة البسيطة بأن الاقتصاد الأميركي في حاجة إلى المساعدة بدرجة أقل من بقية اقتصاديات العالم المتقدم وتقدير المسؤولين بأن الولايات المتحدة سوف تستفيد كثيرا من النمو العالمي القوي. ويصح ذلك، كما يزعمون، حتى لو أدى، على المدى القصير، إلى جعل بيع السلع في البلاد أصعب قليلا، ويجعل من العثور على الوظائف مهمة أشق.
يقول آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «إنك ترى المسؤولين الأميركيين يغضون الطرف تماما عن ماريو دراغي وهو يقلل من قيمة اليورو، ويغضون الطرف كذلك عن التدخلات الصينية، وذلك بسبب أنه في كلتا الحالتين هم يقومون بتقدير الأمر من حيث إن وجود حالة مستقرة وآفاق نمو جيدة في تلك البلدان هو من الأهمية بمكان. وإنني أميل إلى الاتفاق مع ذلك». تبنى القادة الأميركيون الدولار القوي بوصفه دليلا على وجود الاقتصاد القوي، مما يسمح للمواطنين الأميركيين بشراء المزيد من السلع الأجنبية والاقتراض بأسعار أرخص من الدول الأجنبية. ومن شأن ذلك أن يجذب أيضا المستثمرين الأجانب إلى الأسواق المالية الأميركية، مما يدعم ارتفاع أسعار الأصول.
غير أن ارتفاع الدولار يحمل معه مخاطر كبيرة كذلك؛ فهو يجعل من الصعب على الشركات الأميركية بيع السلع والخدمات. وربما يساهم في بطء التضخم المحلي. ويحذر بعض خبراء الاقتصاد من أن السماح للدولار بالصعود ليس بالوسيلة المستدامة لتشجيع النمو.
وكتب السيد ستيفن كينغ، كبير الاقتصاديين لدى بنك «إتش إس بي سي» (HSBC)، يقول في مذكرة بحثية مستدركا أن «الدولار القوي، المعزز من قبل أسعار الفائدة الأميركية المرتفعة، من شأنه أن يكشف عن نقاط الضعف في أجزاء أخرى من العالم؛ فدول أميركا اللاتينية التي تغازل الركود الاقتصادي حاليا لن ترحب بتقييد الشروط النقدية الأميركية».
وقال بعض الاقتصاديين إنه ينبغي على الولايات المتحدة السعي للحد من ارتفاع الدولار من خلال الجهود الدبلوماسية والسياسية، وإنه ينبغي على بنك الاحتياطي الفيدرالي السعي إلى الحد من التباعد عن بقية البنوك المركزية من خلال توسيع حملته التحفيزية.
وتساءل تقرير حديث صادر عن بنك التسويات الدولية، وهو في الأساس بنك البنوك المركزية، حول الفوائد العالمية للدولار القوي، وتوقع أنه سوف يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية نظرا لاعتماد البنوك الأجنبية بقوة على التمويل بالدولار.
ولكن السيد ستيفن شيشيتي، وهو بروفسور لدى جامعة برانديز وكبير الاقتصاديين السابقين لدى بنك التسويات الدولية، قال إن للعالم مصلحة قوية في العافية الاقتصادية الأوروبية. «سوف تخلق نوعا من الاستقرار، ولكن البديل أسوأ، فلن ترغب في أن تكون هناك إذا ما وقع كساد حقيقي في أوروبا».
لم ينشر البنك المركزي الأوروبي الترسانة الكاملة للبنك المركزي الحديث من أجل تحسين النمو في أوروبا؛ فقد أحجم عن المشتريات واسعة النطاق للديون الحكومية التي يقوم بها بنك الاحتياطي الفيدرالي، وبنك اليابان، وبنك إنجلترا.
ولكنه سعى خلال الأشهر الأخيرة إلى تخفيض قيمة اليورو من خلال مجموعة من التدابير. في شهر سبتمبر (أيلول)، عرض البنك المركزي القروض التي كانت بلا فائدة، من الناحية العملية، على البنوك التجارية التي وعدت بإقراض الأموال إلى الشركات والمستهلكين.
في يوم الخميس، وعقب اجتماع موسع عقد في مدينة نابولي الإيطالية، حدد البنك المركزي خطة تمتد لعامين لشراء أصول القطاع الخاص، بما في ذلك القروض المصرفية المحفوظة في صورة أوراق مالية. وقال السيد دراغي في المؤتمر الصحافي عقب الاجتماع: «سوف يكون لتلك المشتريات تأثير كبير».
وقد اشترى اليورو الواحد مقابل 1.39 دولار في شهر أبريل (نيسان)، ثم انخفض سعره ليصل إلى 1.29 دولار في شهر سبتمبر. وقال السيد كريستيان نوير، عضو مجلس إدارة البنك المركزي من فرنسا، في مقابلة أجرتها معه أخيرا إذاعة «راديو 1» الفرنسية: «اضطررنا إلى تخفيض قيمة اليورو وما زلنا في حاجة إلى المزيد من التخفيض».
وفي حين أن مثل تلك الجهود تهدف إلى زيادة الصادرات، يركز البنك المركزي على الواردات كذلك، حيث يرفع اليورو الضعيف من أسعار الوقود المستورد وغير ذلك من المنتجات، مما قد يساعد في زحزحة التضخم. وقد ارتفعت الأسعار في منطقة اليورو خلال الشهر الماضي بمعدل سنوي قدره 0.3 في المائة فقط، وهو أدنى من نسبة 2 في المائة بكثير التي عدها البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الرئيسة الأخرى في العالم المتقدم أفضل وسيلة لتحقيق النمو المستدام.
وقد كتب الاقتصاديون في بنك «HSBC» البريطاني يقولون في تقرير نشر يوم الأربعاء: «إنها حرب العملات، حيث تعد سرقة التضخم بدلا من النمو هي الهدف». والسؤال، كما يستطردون هو: «هل بإمكان الاقتصاد الأميركي توليد ما يكفي من التضخم الداخلي لتحمل الأثر الانكماشي للدولار القوي؟».
إلى الآن، يبدو المسؤولون الأميركيون محبطين بصورة رئيسة من استمرار البنك المركزي الأوروبي في التصرف ببطء. وكان السيد جيمس بولارد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، هو المسؤول الوحيد الذي دعا علانية خلال العام الماضي إلى اتخاذ إجراءات قوية حينما أبلغ الجمهور في فرانكفورت أنه ينبغي على البنك المركزي شراء السندات الحكومية.
وثار تساؤل آخر حول ما إذا كانت البرامج سوف توفر دفعة كافية، حيث بدأ برنامج مماثل للإقراض من قبل بنك إنجلترا في عام 2012 ولم ينجح في كبح الهبوط في إقراض المشروعات الصغيرة في تلك الدولة.
وقال السيد ستيفانو ميكوسي، المدير العام لدى مجموعة أسونايم الإيطالية للأعمال: «لا توظيف لأحد، لا يستثمر أحد، ولا ينفق أحد، ليس هناك طلب على الائتمان. ولم يجر تقييد النظام من الجانب التمويلي. والبنوك غارقة في السيولة».
وتسعى اليابان، التي كانت تتصارع مع المشكلات التي تواجه أوروبا لما يربو على عقدين من الزمن، إلى النمو من خلال تحركات العملة. وتحت ظل حملة «اقتصاديات آبي» التحفيزية التي دشنها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في عام 2013، وافق بنك اليابان على مضاعفة المعروض من النقود، وهبط سعر الين أمام الدولار بنحو 24 في المائة.
ولم تفِ النتائج بالتوقعات المنتظرة، حيث ارتفع العجز التجاري الياباني بينما لا يزال التضخم ضعيفا. وانكمش الاقتصاد الياباني بنسبة 7.1 في المائة في الربع الثاني عقب زيادة ضريبة المبيعات.
ويظهر نضال الدولة إلى حدود تخفيض قيمة العملة، طبقا للسيد بوسن من معهد بيترسون. وأشار إلى أن الطلب كان أقل حساسية للتغيرات الصغيرة في سعر بعض أنواع السلع الفاخرة التي هيمنت على صادرات اليابان وغيرها من الدول المتقدمة.
ولا تزال الحكومة ملتزمة علنا بحملتها التحفيزية، غير أن بعض المحللين يرون بوادر حالة من التوتر بين رئيس البنك السيد هاروهيكو كورودا، وبين السياسيين الذين يساورهم القلق من أن ارتفاع أسعار الواردات سوف يثير مقاومة المستهلكين.



مصر: «تصفية الشركات الحكومية» هاجس عمالي بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري الخميس (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: «تصفية الشركات الحكومية» هاجس عمالي بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري الخميس (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري الخميس (مجلس الوزراء المصري)

أثار إلغاء الحكومة المصرية لوزارة قطاع الأعمال، هواجس عمالية من «تصفية» الشركات الحكومية، التي كانت تشرف على أعمالها الوزارة، وسط تحركات برلمانية للمطالبة بـ«تحديد مصير هذه الشركات».

وتحدث أعضاء في مجلس النواب المصري عن «مخاوف بشأن مستقبل الشركات الحكومية والعاملين فيها بعد إلغاء الوزارة».

وأعلن، الأربعاء، عن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ضمن قرار التعديل الوزاري على حكومة رئيس الوزراء الحالي، مصطفى مدبولي.

ووزارة قطاع الأعمال العام، استحدثتها الحكومة المصرية بقرار رئاسي عام 2016، لتتولى استثمارات الدولة المملوكة لشركات قطاع الأعمال التابعة لها، والإشراف على تلك الشركات، ومتابعة وتقييم نتائج أعمالها.

وقال رئيس الوزراء المصري إن «الوزارة كانت تشرف على 6 شركات قابضة يتبعها نحو 60 شركة»، وأشار في مؤتمر صحافي، الخميس، إلى أن «الإشراف على هذه الشركات أصبح حالياً من اختصاص نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، كمرحلة انتقالية لحين الانتهاء من وضع التصور النهائي لإدارتها».

وتضمن التعديل الوزاري على «حكومة مدبولي»، الثلاثاء، تعيين حسين عيسى، نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.

حول المخاوف المتعلقة بتصفية شركات القطاع العام بعد إلغاء الوزارة، أكد مصطفى مدبولي أن «التصفية والمساس بالعمالة، أمران غير مطروحين على الإطلاق»، موضحاً أن «الهدف الأساسي، هو تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، التي تقدر قيمتها بمئات المليارات، وقد تتجاوز تريليون جنيه (الدولار يساوي 46.8 جنيه) وبما يحقق أفضل عائد للدولة».

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري الشهر الحالي (وزارة الشؤون القانونية والنيابية والتواصل السياسي)

عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، أحمد جبيلي، تقدم بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء المصري بشأن «مصير ملف شركات قطاع الأعمال العام»، وقال إن «قرار إلغاء الوزارة يثير تساؤلات جوهرية حول آلية إدارة الشركات المملوكة للدولة خلال المرحلة المقبلة»، مشيراً إلى أن «إيرادات الشركات الصادرة عن بيانات الوزارة قبل إلغائها بلغت نحو 126 مليار جنيه، بنسبة نمو تقارب 20 في المائة»، بالإضافة إلى ارتفاع الصادرات بنسبة تقارب 27 في المائة، كما تحسنت القيمة السوقية للشركات بنحو 36 في المائة.

وطالب جبيلي بضرورة توضيح الرؤية الحكومية بشأن مستقبل هذه الشركات، وتقديم إجابات بشأن الأساس القانوني والإداري لنقل اختصاصات وزارة قطاع الأعمال بعد إلغائها، والخطة الحكومية للتعامل مع الشركات التابعة والجدول الزمني لكل مسار.

وخلال المؤتمر الصحافي للحكومة، الخميس، أشار رئيس الوزراء المصري إلى أن «حكومته أنفقت أكثر من 60 مليار جنيه لتطوير شركات الغزل والنسيج، ما يستوجب العمل على تعظيم هذه الاستفادة من هذه الاستثمارات»، وأشار إلى أن «هناك أكثر من سيناريو قيد الدراسة، من بينها نقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي، على غرار ما تم في الشركة القابضة للتأمين»، أو خيار آخر وهو «إسناد بعض الشركات إلى الوزارات المتخصصة بحسب طبيعة نشاطها»، وقال إن الهدف «تطبيق إطار حوكمة أفضل لهذه الشركات».

وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إيهاب منصور، يرى أن «حديث الحكومة عن خيارات بشأن مستقبل شركات قطاع الأعمال، يثير تساؤلات حول إذا ما كان قرار إلغاء الوزارة، جرى دون دراسة واضحة»، مشيراً إلى أن «هناك مخاوف بشأن مستقبل هذه الشركات، ومصير آلاف العمال الذين يعملون بها».

أحد مصانع الغزل والنسيج التابعة لإحدى شركات قطاع الأعمال في مصر (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب وزير قطاع الأعمال السابق، محمد شيمي، في أبريل (نيسان) الماضي، فإن «هناك 103 آلاف و839 عاملاً في الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام».

وأوضح وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب لـ«الشرق الأوسط» أن «شركات قطاع الأعمال، تمتلك صناعات تاريخية في مصر، مثل صناعة الغزل والنسيج، وخلال السنوات الأخيرة، حدث تطور في أداء هذه الشركات، باستثمارات متعددة»، مشيراً إلى أن «الوضع يحتاج إلى مزيد من الطمأنة، حتى لا نفاجأ بتصفية هذه الشركات والعاملين بها، أو أن تلجأ الحكومة لبيع شركات منها بسبب سوء الإدارة».

بينما قال نائب رئيس اتحاد العمال بمصر، مجدي البدوي، إنه «لا داعٍ للقلق من مصير هذه الشركات، بعد تعهدات رئيس الوزراء المصري بعد المساس بشركات قطاع الأعمال والعاملين بها». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة تستهدف إدارة شركات قطاع الأعمال، وفق السياسات الحكومية الجديدة»، مشيراً إلى أن «الهدف الحكومي، هو تطوير الصناعات وفي القلب منها الشركات التي تعمل في هذه الصناعات، ومن ثمّ تعمل على إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال وفق المستهدف من تطوير بعض الصناعات، مثل الغزل والنسيج والكيماويات وغيرها».


«خفض الفائدة» يعزز الطلب على «التمويل الاستهلاكي» في مصر

المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
TT

«خفض الفائدة» يعزز الطلب على «التمويل الاستهلاكي» في مصر

المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)

حسم محمود زكي، وهو شاب متزوج في نهاية الثلاثينات من عمره، أمره بشراء سيارة جديدة خلال هذا العام مع قرار البنك المركزي المصري «خفض أسعار الفائدة» بمعدل 100 نقطة أساس، عادّاً الوقت أضحى مناسباً لكي لا يتكبد فوائد مرتفعة مع اتجاهه إلى الشراء عن طريق أحد البنوك التي توفّر عروضاً جيدة للشراء بـ«التقسيط».

ترقّب زكي، الذي يقطن في أحد أحياء مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، توجّه «لجنة السياسات النقدية» مع بداية العام الجديد، وبين آراء كانت تتوقع تثبيت الفائدة وأخرى تتجه نحو خفض أسعارها، تردد كثيراً في اتخاذ الخطوة، خشية اتجاه صعودي نتيجة عدم استقرار الأوضاع في المنطقة، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تباطؤ حركة البيع والشراء في سوق السيارات والتراجع المستمر في أسعارها يدفعانه إلى اتخاذ الخطوة بعد أن أجّلها أكثر من مرة».

البنك المركزي المصري (الصفحة الرسمية)

وقرر البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة، خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، وللمرة السادسة خلال آخر 10 أشهر، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 19 في المائة، وسعر الاقتراض إلى 20 في المائة، وسط تباطؤ معدلات التضخم وتحسن أداء الجنيه المصري.

ويأتي قرار «المركزي»، مساء يوم الخميس، متماشياً مع قرارات سابقة بخفض أسعار الفائدة منذ أبريل (نيسان) 2025، وحينها خُفضت أسعار الفائدة من مستوياتها التاريخية المرتفعة لأول مرة منذ أربع سنوات ونصف السنة، بإجمالي 725 نقطة أساس، موزعة بواقع 225 نقطة أساس في أبريل، و100 نقطة في مايو (أيار)، و200 نقطة في أغسطس (آب)، و100 نقطة في أكتوبر (تشرين الأول)، و100 نقطة في ديسمبر (كانون الأول).

تفعيل «بطاقة الائتمان»

ولم يكن الشاب الثلاثيني فقط هو من حسم أمره بشراء سيارة «تقسيط»، لكن أيضاً محمد سامي، وهو موظف في الأربعينات من عمره، يرى أنه أمام فرصة مواتية لاستخدام «بطاقة الائتمان» لشراء «جهاز تكييف» قبل قدوم فصل الصيف، ويرى أن تراجع الفائدة على الاقتراض والإيداع يمكن أن يشجعه على الخطوة مع تراجع أسعار «أجهزة التكييف» بنسبة تخطت 25 في المائة، نتيجة تراجع التضخم، لكن ثمنه ما زال يفوق قدرته على دفعه مرة واحدة.

حسب سامي، وهو متزوج ويقطن في شارع فيصل الشعبي بمحافظة الجيزة، فقد اتخذ قرار التقسيط من خلال شركات «التمويل الاستهلاكي» التي تقدم عروضاً عديدة في مصر منذ أن تراجعت القدرة الشرائية لدى المواطنين وشهدت أسعار السلع قفزات عديدة.

ولدى سامي -حسب ما أكده لـ«الشرق الأوسط»- تجربة سابقة سلبية حينما قرر شراء هاتف جوال بـ«التقسيط»، لكن سعره كان مبالغاً فيه، نتيجة لارتفاع معدلات الفائدة البنكية فقرر عدم استخدام «بطاقة الائتمان» منذ عام أو أكثر، مضيفاً أنه الآن يرى نسبة الفائدة الحالية مع تراجع أسعار كثير من الأجهزة الكهربائية يُمكن أن يُحدثا توازناً منطقياً يدفع إلى الشراء.

مصريون في سوق العتبة الشعبية وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وسجلت قيمة «التمويل الاستهلاكي» في مصر خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نهاية سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، ارتفاعاً ملحوظاً بأكثر من 57 في المائة، لتصل إلى 66 مليار جنيه (الدولار يساوي 47 جنيهاً تقريباً)، وذلك وفقاً للتقرير الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر.

وتشير المؤشرات التراكمية إلى ارتفاع عدد عملاء «التمويل الاستهلاكي»، ليصل إلى نحو 9.25 مليون عميل خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، مقابل 3.27 مليون عميل خلال الفترة نفسها من عام 2024، بمعدل نمو بلغ 182.7 في المائة.

مساحة لشراء الاحتياجات

ويعزّز خفض أسعار الفائدة اتجاه المصريين نحو «التمويل الاستهلاكي» خلال عام 2026، وفقاً للخبير الاقتصادي علي الإدريسي، مشيراً إلى أن «معدلات الفائدة الحالية تمنح مساحة للمواطنين لشراء احتياجاتهم بعد حالة من الركود التي ظلت مسيطرة على كثير من الأسواق خلال السنوات الأخيرة».

وأشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن قرارات البنك المركزي الأخيرة بمثابة «خطوتين نحو تخفيض الفائدة»، مع اتخاذ قرار بخفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي للبنوك، وهو ما يعني أن مزيداً من السيولة ستكون بحوزة المواطنين، ويمكن التصرف فيها عبر «التقسيط» تحسباً لتقلبات الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة المقبلة مع التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين لدى البعض من تماسك الاقتصاد المحلي وقوته.

وقرر البنك المركزي المصري، مساء الخميس كذلك، خفض نسبة الاحتياطي النقدي التي تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لدى البنك المركزي المصري من 18 في المائة إلى 16 في المائة، في أول خفض بهذا الحجم منذ 4 سنوات.

وتستحوذ السيارات والمركبات على اتجاهات المصريين الأكبر نحو «التمويل الاستهلاكي» بنسبة 19 في المائة، وفقاً لتقرير صادر عن هيئة الرقابة المالية في سبتمبر الماضي، في حين جاءت الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات في المرتبة الثانية بنسبة 18.1 في المائة، تلتها الأجهزة المنزلية بنسبة 13.9 في المائة، ثم الهواتف المحمولة بنسبة 2.6 في المائة. فيما يتوقع الإدريسي أن تتجه شركات التمويل إلى تقديم عروض للشراء كلما انخفضت الفائدة.

وهو ما يؤكده أيضاً الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن خفض الفائدة يشجع المواطنين على «التقسيط»، لكن هناك فئات تضع في اعتبارها أن المسار الهبوطي للفائدة مستمر، ويمكن الانتظار لمعدلات قد تصل فيها الفائدة إلى 13 في المائة خلال الربع الأخير من هذا العام، فيما يقتصر الشراء على من يضطرون حالياً.

خطر مقابل

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التوسع الكبير بسوق «التمويل الاستهلاكي» خلال السنوات الأخيرة، عبر القروض الشخصية وبطاقات الائتمان وتسهيلات الشراء، سواء من البنوك أو شركات التمويل، يُنذر بالخطر في حال التعثر عن سداد «الأقساط».

وتوقع رئيس اتحاد التمويل الاستهلاكي في مصر سعيد زعتر، في تصريحات إعلامية سابقة له خلال الشهر الماضي، أن يصل حجم التمويل الاستهلاكي في مصر هذا العام إلى ما يتراوح بين 145 و160 مليار جنيه بنسبة ارتفاع تصل إلى 60 في المائة مع وجود طفرة كبيرة في أعداد المستخدمين.

وقبل أيام ألزمت الهيئة العامة للرقابة المالية الشركات العاملة في نشاط «التمويل الاستهلاكي» بتوفير تغطية تأمينية لعملائها، في خطوة تستهدف تعزيز حماية المتعاملين مع الأنشطة المالية غير المصرفية.

Your Premium trial has ended


استقرار «وول ستريت» بعد بيانات تضخم أميركية مشجعة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

استقرار «وول ستريت» بعد بيانات تضخم أميركية مشجعة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

حافظت سوق الأسهم الأميركية على استقرارها، يوم الجمعة، بعد صدور تحديث مشجع بشأن التضخم، مما ساعد على تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على عالم الأعمال.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة، رغم أن غالبية الأسهم المدرجة فيه شهدت ارتفاعاً بعد يوم من تسجيل واحدة من أسوأ خسائرها منذ «عيد الشكر». كما تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 76 نقطة أو 0.2 في المائة بحلول الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين هبط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.3 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وانخفضت عوائد سندات الخزانة بعد أن أظهر التقرير تباطؤ التضخم في الشهر الماضي أكثر مما توقعه الاقتصاديون، إذ دفع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والملابس وغيرها من تكاليف المعيشة المستهلكين الأميركيين إلى مواجهة زيادة إجمالية في الأسعار بنسبة 2.4 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

وعلى الرغم من أن هذا المعدل لا يزال أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، وأعلى مما يرغب فيه بعض صانعي السياسات، فإنه يمثّل انخفاضاً عن معدل ديسمبر (كانون الأول) البالغ 2.7 في المائة. كما تباطأ مؤشر أساسي يعدّه الاقتصاديون أفضل مؤشرات اتجاه التضخم إلى أدنى مستوى له منذ نحو خمس سنوات.

وقال كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة «أنيكس» لإدارة الثروات، برايان جاكوبسن: «لا يزال مرتفعاً للغاية، ولكنه مؤقت فقط، وليس للأبد».

ويساعد تباطؤ التضخم الأسر الأميركية التي تكافح لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، كما يمنح «الاحتياطي الفيدرالي» مزيداً من المرونة لخفض أسعار الفائدة إذا لزم الأمر. وقد علّق البنك المركزي أي خفض للأسعار مؤخراً، لكن التوقعات تشير إلى استئنافها في وقت لاحق من هذا العام. ومن شأن أي خفض محتمل للفائدة أن يعزز الاقتصاد ويرفع أسعار الأسهم، إلا أنه قد يغذّي التضخم أيضاً.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الاقتصاد في وضع أفضل مما كان عليه في نهاية عام 2025، حيث شهدت سوق العمل تحسناً ملحوظاً خلال الشهر الماضي فاق توقعات الاقتصاديين.

وانخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.06 في المائة من 4.09 في المائة في وقت متأخر من يوم الخميس، في حين تراجع عائد السندات لأجل عامين الذي يعكس توقعات سياسات «الاحتياطي الفيدرالي» بدقة أكبر، إلى 3.41 في المائة من 3.47 في المائة.

على صعيد الأسهم، استقرت أسعار العديد من الشركات التي كانت من بين الخاسرين المحتملين بسبب الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، ارتفع سهم «آب لوفين» بنسبة 1.3 في المائة، بعد أن خسر نحو خُمس قيمته يوم الخميس، رغم إعلان أرباح فاقت توقعات المحللين، وسط مخاوف المستثمرين من المنافسة المحتملة من شركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

كما تعافت أسهم شركات النقل والشحن، بعد تراجعها يوم الخميس، على خلفية إعلان «ألغوريثم هولدينغز» عن منصة ذكاء اصطناعي تزيد من أحجام الشحن بنسبة تصل إلى 400 في المائة دون زيادة عدد الموظفين، فارتفع سهم «سي إتش روبنسون وورلدوايد» بنسبة 1.7 في المائة يوم الجمعة.

وكانت أسهم شركات مثل «أبلايد ماتيريالز» و«موديرنا» من أبرز الداعمين للسوق، حيث ارتفعت أسهم الأولى بنسبة 10.3 في المائة بعد أرباح فاقت التوقعات، في حين صعد سهم «موديرنا» بنسبة 7.5 في المائة عقب نتائج قوية للربع الأخير.

في المقابل، تراجعت أسهم «درافت كينغز» بنسبة 10.7 في المائة رغم أرباحها الإيجابية للربع الأخير، بعد أن قدمت توقعات إيرادات أقل من التوقعات. كما أثرت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى على أداء مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، حيث انخفض سهم «إنفيديا» بنسبة 2.1 في المائة، ما جعله العامل الأثقل تأثيراً على المؤشر.

وعلى المستوى العالمي، سجلت مؤشرات آسيا انخفاضاً، في حين كان أداء الأسواق الأوروبية متبايناً، حيث هبط مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.7 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1.2 في المائة.