هل عالمنا هو الأفضل؟... الخلاف الفكري بين ليبنز وفولتير

ليبنز - فولتير
ليبنز - فولتير
TT

هل عالمنا هو الأفضل؟... الخلاف الفكري بين ليبنز وفولتير

ليبنز - فولتير
ليبنز - فولتير

هل نقبل واقعنا أم نرفضه لصالح ما يجب أن يكون الأفضل؟ إنه السؤال الذي يمكن الإجابة عنه بأشكال مختلفة في كافة مناحي الحياة سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، وإجابته تعد الأساس الذي يُبنى عليه إما القبول بالواقع والخنوع للظروف القائمة وإما رفضها والعمل على التغيير، إنه في واقع الأمر مفترق الطرق الفكري والذي تناوله كثير من المفكرين والفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني ليبنز في القرن السابع عشر في محاولته للتوفيق بين الدين والعقل، فقد رأى أن الإنسانية تسير في تقدم مضطرد إلى الأفضل، فكان يرى أن عالمنا هو أفضل عالم متاح، مؤكداً أن الكمال للبارئ سبحانه ومن ثم فإننا كمخلوقات غير كاملين بطبيعة الحال لذا يظهر الشر والجهل والخطايا، والإنسان في رحلته الإنسانية العامة يقوم بتصحيح هذه الأخطاء تدريجياً مع الوقت.
ولكن الكاتب الفرنسي فولتير كان له رأيه المختلف تماماً، فلقد كان هذا السؤال هو المحور الرئيسي لروايته القصيرة «كانديد Candide»، والتي تعرض فيها لرحلات ومغامرات الشاب «كانديد» منذ أن طُرد من حياة الرفاهية في القصر لعلاقته بابنة خاله فانضمامه لجيش بروسيا ثم هروبه منه إلى البرتغال، حيث رأى مأساة الزلزال الشهير هناك آنذاك والآلام المختلفة التي خلفها، وهروبه إلى أميركا اللاتينية حيث تعددت سفرياته وخبراته مع المجتمعات المختلفة ولعل أهمها في مدينة «الدورادو» أو المدينة المثالية والتي لا عنف فيها وكل أمورها تدار بعقلانية شديدة فعلاقة الملك بالرعية مثالية إلى أقصى الحدود، ولكنه يتركها ويعود لأوروبا مع محبوبته إلى أن انتهى به المقام على البوسفور بعد أن طاف حول العالم ورأى المآسي الإنسانية والشر والعنف والقتل والرق إلخ.
حقيقة الأمر أنه لن يخفى على قارئ الرواية المقاصد الأساسية للكاتب، فلقد شن هجومه العنيف على كل شيء في القارة الأوروبية من دين إلى دولة إلى ساسة إلى الظروف الاجتماعية إلخ... ولكن ما يهم إبرازه هنا هو شخصية المُعلم المحافظ «لكانديد» وهو بانغلوس، فكلما بدأ بطل الرواية في استكشاف العالم والمآسي المرتبطة به خرج علينا المُعلم بجملته الفكرية والفلسفية الشهيرة والتي تناثرت في كل أنحاء الرواية «إنه العالم الأفضل من كل الخيارات الممكنة»، فبانغلوس يمثل في واقع الأمر رمزاً للهجوم على فكر ليبنز.
وبعيداً عن السجال الفكري بين ليبنز وفولتير فإن جملة بانغلوس هي جملة عابرة في حياتنا قد لا نلتفت إلى عمقها، فمن منا لم يقل هذا الجملة بأشكال مختلفة؟ فالتقدم البشري في شتى مناحي الحياة يجعلنا في مناسبات كثيرة نؤمن بأنه أفضل عالم متاح خاصة إذا ما قارناه بالماضي، فالعالم اليوم قد يكون أفضل مما كان من قبل، وبعد قرابة أربعة قرون من صدور الرواية، فإننا نجد أنفسنا أمام نفس الحوار الفكري، فهل نحن نعيش في أفضل عالم متاح؟ وهنا سنختلف، فبينما يرى فريق منا أننا نعيش في عالم مليء بالشر والمصائب والتي إن تحسنت في بعض جوانبها عبر الزمن والتقدم، إلا أن العالم يظل أقل مما يجب أن يكون عليه، وأن قبولنا بهذه النظرة المتفائلة إنما هو قدر من الانتقاص لإنسانيتنا وتطلعاتنا لمستقبلنا البشري الجماعي أو الفردي، فالقرن العشرون شهد أكبر مجازر الإنسانية ممثلة في الحروب عبر التاريخ، والأمراض ما زالت تفتك بنا، وتقديرات الكثير من المفكرين تشير إلى أن الفقر في زيادة مضطردة برغم تطبيق آليات السوق في أغلبية من بقاع العالم، والتناقض الآيديولوجي يفتك بنا، وأصحاب هذا الرأي يؤكدون أننا بالفعل في تقدم ولكنه غير كاف ولا ينسجم مع وتيرة النمو السكاني. بينما يدفع أصحاب الرأي الآخر بأن العالم اليوم أفضل مما كان عليه، فثورة العلم والاتصالات والطب وشتى مناحي الحياة وفرت للإنسان حياة بالتأكيد أفضل مما كان عليه من قبل، فالسلوك الإنساني اليوم أصبح أفضل والعالم يتجه نحو تقنين الخير بحيث لا نجعله مجرد رؤية إنسانية مجردة، والطب في تقدم يشفي الناس... فكيف لا نؤمن بمقولة بانغلوس؟
حقيقة الأمر أنني أجدني في حيرة من شأني مثل الكثيرين غيري الذين سيتفقون معي، فلو قبلنا هذه المقولة كدستور لحياتنا فإننا بلا شك سنكون مقصرين في حق مستقبلنا والأجيال القادمة، لأنها جملة تساهم في كبح جماح الطموح الإنساني ولن تفرز إلا الخنوع للواقع بل وفلسفته وتشريعه لنهيئ لأنفسنا قبوله. بالتالي فتقديري أن القبول الجزئي بهذه المقولة واجب يحتمه تقدم الإنسانية، ولكنه ليس قبولاً مطلقاً للجملة، فلا بد من ترك المجال للتقدم الإنساني بالقناعة الثابتة بأن المسيرة الإنسانية في الواقع قاصرة بكل تأكيد، فحاضرنا ليس بالضرورة أفضل مما نسجه سابقونا في بعض المناحي، فالإنسانية في رحلتها من بداية الخليقة حتى اليوم لم تكتمل، وهو ما دفع الكثيرين للبحث عن مفهوم «المدينة الفاضلة» من «أفلاطون» إلى روايات الخيال العلمي في عصرنا الحديث.
وهنا تحضرني مقولة صديق لاتيني كلما استفسرت عن أحواله كان يقول لي: «أنا اليوم أفضل من الأمس وأسوأ من الغد»، فعسى أن يكون مستقبلنا أفضل من حاضرنا.



ضبط مصنع يلوّن البسكويت بالفحم الأسود يثير قلقاً في مصر

ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)
ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)
TT

ضبط مصنع يلوّن البسكويت بالفحم الأسود يثير قلقاً في مصر

ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)
ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)

أثارت واقعة ضبط أحد مصانع إنتاج «البسكويت» في محافظة القليوبية (شمال القاهرة) يستخدم الفحم الأسود بدلاً من الشوكولاته قلقاً واسعاً، وتصدرت أخبار المصنع الذي ضُبط أخيراً مؤشرات البحث على موقع «غوغل» في مصر الجمعة، وذلك عقب الإعلان عن استخدامه مكونات غذائية غير صالحة، وتلوين منتجه من البسكويت بأنواعه بـ«الفحم الأسود».

واستنكرت تعليقات ومشاركات «سوشيالية» عديدة ما تم ضبطه بالمصنع من مواد فاسدة، وعدم وجود رقابة كافية، خصوصاً على المنتجات الغذائية المتداولة بكثافة في الأسواق ويستخدمها الأطفال بشكل كبير، مما يعرضهم لمضاعفات صحية ربما تكون خطيرة.

وحسب الصفحة الرسمية لمحافظة القليوبية على موقع «فيسبوك»، وعقب توجيه المحافظ المهندس حسام عبد الفتاح بتكثيف الحملات الرقابية على الأسواق والمنشآت الغذائية، وتشديد الرقابة على تداول السلع والمنتجات، حفاظاً على صحة وسلامة المواطنين، فقد تم ضبط أحد المصانع غير المرخصة لإنتاج البسكويت بمركز كفر شُكر، والتحفظ على نحو 1.8 طن من الخامات والمنتجات.

وأفاد البيان بأن الدكتور تامر صلاح مختار، وكيل وزارة التموين والتجارة الداخلية بالقليوبية، قاد حملة تموينية مكبرة بمركز ومدينة كفر شُكر، نتج عنها ضبط مصنع غير مرخص لإنتاج «بسكويت الأوريو»، والبسكويت المستخدم في صناعة «الآيس كريم»، ويعمل باستخدام خامات منتهية الصلاحية، وأخرى من دون فواتير.

جانب من المضبوطات في المصنع المخالف (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)

وأسفرت الحملة أيضاً حسب البيان عن ضبط «برميل جلوكوز» منتهي الصلاحية بوزن 100 كيلوغرام، و3 كراتين «زبدة رويال» منتهية الصلاحية بإجمالي 30 كيلوغراماً، وبرميل بلاستيك بداخله لون أسود (فحم نباتي) كود «E153»، بالإضافة إلى 50 كرتونة «بسكويت أوريو» بوزن 7 كيلوغرامات لكل كرتونة، و55 «شيكارة بسكويت» تستخدم في إعادة التصنيع بإجمالي 1100 كيلوغرام، بإجمالي مضبوطات بلغ نحو 1.8 طن من الخامات والمنتجات.

وأكد بيان المحافظة أنه تم التحفظ على جميع المضبوطات، وتحرير المحضر اللازم بالواقعة، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالف، تمهيداً للعرض على الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية المقررة.

وأكد محافظ القليوبية استمرار الحملات الرقابية المكثفة على الأسواق والمنشآت الغذائية، والتعامل بحسم مع المخالفات، واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي منشأة لا تلتزم بالاشتراطات والقواعد المنظمة، بما يضمن حماية حقوق المواطنين والحفاظ على صحتهم وسلامتهم.

ونشرت الصفحة الرسمية لمحافظة القليوبية فيديو للواقعة والمواد المضبوطة، حيث أكد أحدهم أثناء حصر المنتجات غير الصالحة أن الفحم مصرح به ويتم إضافته للبسكويت لمنحه اللون الأسود.

وعن مدى ضرر استخدام «الفحم النباتي» على الصحة بشكل عام، والجهاز الهضمي خاصة، أكد الدكتور مصطفى ساري استشاري التغذية العلاجية أن ما جرى داخل المصنع المضبوط هو غش تجاري بكل المقاييس، مضيفاً: «اعتماد مواد غير صالحة للاستخدام الآدمي والاستعانة بها في مكونات منتج غذائي مهما كان نوعها، غش وله ضرر كبير على الصحة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن هناك «فارقاً كبيراً بين استخدام الزبدة والكاكاو، والأخير يحتوي على مواد مفيدة ومضادة للأكسدة، واستخدام الفحم الذي يؤدي استخدامه بكميات كبيرة إلى عدم امتصاص الفيتامينات والمعادن في الجسم».

وأوضح استشاري التغذية العلاجية أن «الفحم بشكل عام ليس مفيداً، ومنتج ليس له أي قيمة غذائية حتى لو تم استخدامه بكمية قليلة وحسب المسموح، بل على العكس فإنه يتسبب في بعض المشكلات في الجهاز الهضمي».

وبخلاف واقعة تلوين البسكويت بـ«الفحم الأسود»، أثارت وقائع غذائية أخرى الجدل أخيراً في مصر، حيث ضبطت الأجهزة الرقابية مادة تُستخدم في تلوين اللب والفول السوداني داخل أحد المحال التجارية.


كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
TT

كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

لم تكن العودة إلى تفاصيل ليلة الـ19 من سبتمبر (أيلول) عام 2008 مجرد استعادة لحدث عابر في حياة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر، بل كانت أشبه بنبش في رماد محرقة كادت تبتلع حياته وحياة رفاقه، لولا العناية الإلهية التي كتبت له عُمراً جديداً من رحم الرماد والنار.

وفي وقت يستعد فيه قطاع واسع من الجمهور وصنّاع الموسيقى لمتابعة الوثائقي الجديد «ترافيس باركر: أعلى من الخوف (Travis Barker: Louder Than Fear)»، الذي بدأ عرضه على منصتَي «هولو» و«ديزني بلس» في الـ13 من أغسطس (آب) الحالي، خرج النجم العالمي بتصريحات صحافية غير مسبوقة، واصفاً تفاصيل الحادث اللعين بأنَّها ندوب أبدية محفورة في ذاكرته، مؤكداً أنَّ النيران لم تلتهم الطائرة فحسب، بل التهمت معها 65 في المائة من جسده، ليدخل في رحلة عذاب ومواجهة مع الموت امتدت لسنوات طويلة.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وكان باركر قد عاش قرابة 13 عاماً في أسر فوبيا الطيران، رافضاً بشكل قاطع ركوب أي طائرة، ومفضِّلاً التنقل عبر السفن والبر، مما حدَّ كثيراً من جولاته الفنية العالمية، قبل أن يتمكَّن من كسر هذا القيد الحديدي بمساعدة زوجته كورتني كارداشيان.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر بمعية زوجته كورتني كارداشيان (أسوشييتد برس)

وتأتي التفاصيل الجديدة اليوم، المتزامنة مع إطلاق الوثائقي، لتعيد تسليط الضوء على تلك اللحظات المأساوية التي تفصل بين الحياة والموت في ثوانٍ معدودة، مقدمةً سرداً حياً لرحلة التعافي الجسدي والنفسي، وكيف يمكن للإنسان أن ينهض من وسط النيران ليعيد بناء حياته من جديد.

ليلة الهبوط في الجحيم والتسلسل الزمني للفاجعة

تعود وقائع الفاجعة إلى ليلة الجمعة، وتحديداً قبيل منتصف الليل، في تمام الساعة الـ11 و53 دقيقة مساءً، عندما كانت طائرة خاصة من طراز «ليرجيت 60» تستعد للإقلاع من مطار كولومبيا في ولاية كارولاينا الجنوبية، متوجهةً صوب لوس أنجليس.

وبحسب التحقيقات الرسمية، بينما كانت الطائرة تندفع على المدرج بسرعة فائقة تجاوزت 150 ميلاً في الساعة، انفجرت إطاراتها فجأة محدثة دويّاً هائلاً، مما دفع طاقم القيادة لاتخاذ قرار عاجل بإلغاء عملية الإقلاع، إلا أنَّ الوقت كان قد فات ولم تسعفهم المسافة المتبقية من المدرج، لتندفع الطائرة بسرعة جنونية خارج السياج الأمني للمطار، وتتحطَّم فوق طريق سريع مجاور، متحولةً في لمح البصر إلى كتلة مستعرة من اللهب التهمت كل شيء.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وفي تلك اللحظات الرهيبة، تحوَّلت مقصورة الطائرة إلى زنزانة من نار، حيث روى باركر كيف قفز هو وصديقه المقرب الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) من الطائرة وهي تتحرَّك وتشتعل، ليركضا على الأسفلت والنيران تمسك بملابسهما وأطرافهما، في مشهد هوليوودي مرعب تجسَّد على أرض الواقع، مخلفاً وراءه ألسنة لهب أضاءت عتمة الليل في كارولاينا الجنوبية، وظلت شاهدةً على واحدة من أسوأ كوارث الطيران الخاص في ذلك العام.

الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) (ويكيبيديا)

حصيلة الدماء وأسماء في ذاكرة الغياب

أسفر الحادث الأليم فوراً عن مصرع 4 أشخاص من أصل 6 كانوا على متن الرحلة المشؤومة، حيث غيَّب الموت كلاً من رئيسة طاقم الضيافة سارة ليميل البالغة من العمر 31 عاماً، ومساعد الطيار جيمس بلاند البالغ من العمر 52 عاماً، واللذين قضيا نحبهما في قمرة القيادة نتيجة شدة الارتطام واشتعال النيران الفوري.

طائرة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر المنكوبة (ويكيبيديا)

ولم تتوقف الحصيلة عند طاقم الطائرة، بل امتدت لتخطف أعزَّ رفاق عازف الطبول الشهير، حيث توفي مساعده الشخصي كريس بيكر عن عمر ناهز 29 عاماً، وحارسه الشخصي تشارلز ستيل البالغ من العمر 26 عاماً، واللذين لم يتمكَّنا من مغادرة الهيكل المحترق في الوقت المناسب.

ولم ينجُ من هذه المحرقة سوى ترافيس باركر وصديقه غولدشتاين، اللذين نجوا بأعجوبة وصفتها الأوساط الطبية حينها بأنها خارقة للطبيعة، غير أنَّ النجاة لم تكن نهاية المطاف بل كانت بداية لرحلة عذاب أخرى، خصوصاً أن غولدشتاين نجا من النيران لكنه لم يستطع تحمل التداعيات النفسية العميقة للصدمة، ليرحل عن عالمنا بعد عام واحد فقط، وتحديداً في عام 2009، إثر جرعة زائدة من الدواء ارتبطت بشكل وثيق بمعاناته من اضطرابات ما بعد الصدمة، مما ترك باركر وحيداً في مواجهة عقدة ذنب الناجي.

رحلة العذاب الطبوغرافي و27 جراحة

تحدَّث باركر بكثير من الشجن والألم عن الجروح الجسدية التي خلَّفها الحادث، موضحاً أنَّ النيران التهمت 65 في المائة من جسده، مصيبةً إياه بحروق شديدة من الدرجتين الثانية والثالثة، الأمر الذي تطلب أن يمكث طويلاً في المستشفى ومركز الحروق المتخصص، تجاوز 4 أشهر كاملة قضى معظمها تحت تأثير المخدر القوي والأجهزة الطبية.

وخلال تلك الفترة العصيبة، خضع الموسيقي لـ27 عملية جراحية معقَّدة لإعادة بناء الجلد وترقيع الأنسجة التالفة، حيث كان الأطباء يسابقون الزمن لإنقاذ أطرافه من البتر ومكافحة الالتهابات الحادة التي هدَّدت حياته في أكثر من مناسبة.

ولم تقتصر المعاناة على المشرط والجراحة، بل تعدتها إلى جحيم نفسي وعلاجات مكثفة للتصالح مع شكل جسده الجديد ومعايشة الفقد الكبير لأصدقائه، حيث أكد باركر في تصريحاته الجديدة للوثائقي أنَّ الندوب النفسية كانت أعمق بكثير من تلك المحفورة على جلده، وأنَّ تجاوز تلك المرحلة تطلب إرادةً فولاذيةً ودعماً عائلياً غير مشروط، ليتحوَّل اليوم من مجرد ضحية لحادث طيران إلى رمز حي للقدرة على النجاة والتعافي والانتصار على الخوف مهما بلغت شدته.


أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
TT

أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)

قال الفنان المصري أحمد عبد العزيز إنّ أبرز المسرحيات التي قدَّمها على مدار مشواره الفني لم تحظَ بفرصة للتصوير أو التوثيق اللازم، مؤكداً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن عدم تصوير عروض عدة له ولزملائه من الفنانين أثَّر بشكل كبير في عملية التأريخ والأرشفة. كما تحدَّث عن تفاصيل إتقانه الشخصية الصعيدية، وعلاقته بمواقع التواصل الاجتماعي، ورغبته في تقديم شخصية الرئيس الراحل أنور السادات درامياً.

واستعاد أبرز المسرحيات التي قدَّمها، بعدما كُرِّم في الدورة الـ19 من «المهرجان القومي للمسرح المصري»، لافتاً إلى أنه بدأ مشواره المسرحي في مرحلة الطفولة، وامتد إلى المدرسة والجامعة، ثم «أكاديمية الفنون»، وبعدها مسرح «الطليعة» محترفاً. وأضاف: «في سنوات الدراسة الأولى قدّمتُ كثيراً من الأعمال، أبرزها أوبريت (موكب النصر)، وأوبريت (رمضان جانا)، ومسرحية (ثمن الحرية)».

وخلال سنوات الدراسة الجامعية والأكاديمية، قدَّم أحمد عبد العزيز مسرحيات عدة، من بينها «المنصورة واحد» ممثلاً، فيما أخرج «المخطّطين»، و«سور الصين العظيم»، و«سمك عسير الهضم»، و«عريس لبنت السلطان»، و«الابن الضال»، و«ميديا». وفي مسرح «الطليعة»، قدَّم «المغنية الصلعاء»، و«الواغش»، و«مسافر الظهر»، إلى جانب إخراجه مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور.

وأكد أنّ عدم تصوير بعض المسرحيات للعرض التلفزيوني كان سبباً في طمس مشوار مسرحي مهم، مضيفاً: «عدم التصوير، خصوصاً في عقدي الستينات والسبعينات، حين كان التصوير أمراً صعباً وليس كما هو في هذه الأيام، أثر سلباً بشكل كبير في تاريخ المسرح المصري وأرشيفه».

أحمد عبد العزيز قدَّم عدداً من الأعمال المسرحية (الشرق الأوسط)

وتابع: «هناك أعمال مسرحية مهمة عُرضت ولم تُصوَّر، سواء في المسرح الجامعي هاوياً أو في مسرح الدولة محترفاً، مثل (سمك عسير الهضم)، و(ميديا)، ثم (مأساة الحلاج). وبالنسبة إلى كثير من زملائي الفنانين، هناك أعمال كثيرة لم تنل حظها ولم تُصوَّر، مما أثر تأثيراً بالغاً في عملية التأريخ والأرشفة».

وعن رأيه في حال المسرح المصري راهناً في القطاعين العام والخاص، قال أحمد عبد العزيز: «من خلال متابعتي حركة المسرح في مصر خلال 50 عاماً، أرى أن المسرح المصري يمرض ولا يموت. فهو يمر بمراحل من الأزمات، وأخرى من الازدهار، وأخرى بين هذا وذاك. ولذلك أعتقد أنه آن الأوان لتهتمّ الدولة به، خصوصاً المسرح المدرسي، بوصفه رافداً مهماً في تغذية الحركة المسرحية».

الفنان المصري أحمد عبد العزيز يستعيد 50 عاماً مع المسرح (الشرق الأوسط)

وأكد الفنان المصري أن مشواره في الدراما التلفزيونية وتألقه فيها لسنوات طويلة لم يكونا على حساب وجوده بكثافة في المسرح والسينما، مضيفاً: «لست نادماً على وجودي الطاغي في التلفزيون، فكل هذه الوسائط الفنية تصبّ في مصلحة الفنّ والتأثير في الجمهور بشكل أو بآخر».

وعن تحضيراته وبراعته في تقديم الشخصية الصعيدية في كثير من الأعمال، قال: «في بداية مشواري، درستُ وحضّرت كثيراً للشخصية الصعيدية، خصوصاً خلال الإعداد لفيلم (الطوق والأسورة) في الأقصر عام 1985، حيث عكفنا على دراسة الشخصية واللهجة الصعيدية، وعادات المجتمع الصعيدي بشكل عام، والملابس على اختلاف محافظات الوجه القبلي. ثم بعد ذلك لم أكن بحاجة إلى تكرار هذه الدراسة عند تقديم أي شخصية صعيدية أخرى».

جانب من تكريم الفنان أحمد عبد العزيز (الشرق الأوسط)

وقدَّم أحمد عبد العزيز خلال مشواره الفني السيرة الذاتية لشخصيات تاريخية، مثل الإمام محمد عبده، لكنه لا يزال يحلم بتقديم سيرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في دراما تلفزيونية طويلة، وفق قوله.

وفي حال اختياره لتقديم جزء جديد من مسلسلي «المال والبنون» أو «ذئاب الجبل»، علَّق: «لا أعتقد أن هناك امتداداً درامياً لأحداث (ذئاب الجبل)، ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى (المال والبنون)؛ لذلك هو الأقرب إلى وجود جزء آخر».

وإلى جانب مشواره المسرحي، قدَّم بطولات درامية تلفزيونية، من بينها «الوسية»، و«المال والبنون»، و«ذئاب الجبل»، و«الفرسان»، و«من الذي لا يحب فاطمة»، و«السيرة الهلالية»، و«سوق العصر». وفي السينما، قدَّم أفلاماً مثل «حارة برجوان»، و«القانون لا يعرف الحب»، و«المتهمون»، و«السياسي»، و«الشرسة»، و«الذئب»، و«حكمت فهمي»، إلى جانب عدد من السهرات التلفزيونية والمسلسلات الإذاعية.