إجراءات الهند في كشمير تعيق حتى العلم بوفاة الأقارب وميلاد الأطفال

متظاهرون في كشمير الباكستانية يحتجون ضد إجراءات الهند في الشق الثاني من الإقليم  (أ.ب)
متظاهرون في كشمير الباكستانية يحتجون ضد إجراءات الهند في الشق الثاني من الإقليم (أ.ب)
TT

إجراءات الهند في كشمير تعيق حتى العلم بوفاة الأقارب وميلاد الأطفال

متظاهرون في كشمير الباكستانية يحتجون ضد إجراءات الهند في الشق الثاني من الإقليم  (أ.ب)
متظاهرون في كشمير الباكستانية يحتجون ضد إجراءات الهند في الشق الثاني من الإقليم (أ.ب)

ازدادت المناوشات الحدودية الدامية بين الهند وباكستان، القوتين النوويتين، منذ قيام الحكومة الهندية في أغسطس (آب) الماضي بإلغاء وضع الحكم الذاتي الخاص للقسم الذي تسيطر عليه، في خطوة أثارت غضب باكستان. وكانت قد ردت باكستان على الإجراء الهندي بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية وتعليق التجارة الثنائية وخدمات النقل عبر الحدود.
وقطعت السلطات خدمات الهاتف والإنترنت وجعلت حرية الحركة قاصرة على بعض المناطق لمنع خروج احتجاجات قبل ساعات من إعلان الهند إلغاء الوضع الخاص لكشمير. مما أعاق قدرة الناس في التواصل مع بعضهم بعضاً في داخل كشمير الهندية وبين الإقليم والعالم الخارجي، وسبب الكثير من المآسي الإنسانية.
زليخة واحدة من هذه المآسي الإنسانية، فقد فقدت أباها مؤخراً لكنها لم تتمكن من حضور مراسم الدفن في كشمير نظراً لعدم إبلاغها بسبب ضعف الاتصالات، تعمل زليخة صيدلانية بمستشفى يقع على تلال مقاطعة «أنانتناج». شقيقها الذي يقطن منطقة «سريناجار» اتصل بها من خلال مركز الشرطة المحلي، والذي أبلغها الرسالة لكن بعد ثلاثة أيام من دفن والدهما.
قالت زليخة إنها كانت تخطط لرؤية والدها في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر (أيلول)، وتضيف متحسرة: «لم أستطع رؤيته حتى ميتا، وهذا الأمر سيطاردني طيلة حياتي».
تعتبر زليخة واحدة من العديد من الحالات في كشمير، حيث لم يعلم الناس بوفاة أحبائهم، ولم يتمكنوا من حضور جنازاتهم بسبب القيود المفروضة على الاتصالات وعدم وجود وسائل النقل العام على الطرقات. ومنذ 5 أغسطس (أب) الماضي، تضاءلت نسبة حضور الجنازات نظراً لأن أفراد العائلة والجيران المباشرين هم فقط من استطاعوا حضور المراسم.
تمكن لبيرزادا محبوب الحق، أكاديمي يعمل في الولايات المتحدة، من الاتصال بمنزل عائلته بعد أسبوعين من انقطاع الاتصالات، ولذلك لم يعلم في حينه أن جده قد مات. وكتب محبوب الحق عبر حسابه على موقع «فيسبوك»: «بعد أسبوعين تمكنت بطريقة ما من الاتصال بوالدي. لم أكن أعلم أنني سأسمع خبر وفاة جدي».
في منطقة «الملخة»، حيث أكبر مقابر منطقة «سريناغار»، قال حفار القبور محمد مقبول: «لم يكن أحد في كشمير يتخيل أن نمر بمثل هذه الأوقات. ففي هذه الأيام، يستغرق دفن المتوفى يوماً كاملاً. عادة ما كان الأمر يستغرق ثلاث ساعات لإعداد قبر ودفن الجثمان. والآن يستغرق يوماً كاملاً للدفن حيث يصر أفراد الأسرة على انتظار الأقارب».
وقال رجل يمتهن حرفة صناعة شواهد القبور إن الكثيرين قد زاروا المقبرة بعد أيام من دفن أقاربهم لأداء الصلوات والدعاء لهم، مضيفاً: «كلهم يشعرون بالأسف لعدم حضورهم الجنازة بسبب عدم إبلاغهم بالنبأ في حينه. إنه أمر مأساوي للغاية. فالأقارب يصلون إلى هنا للبكاء فقط لأنهم علموا بنبأ الوفاة بعد فترة طويلة».
قال صحافي كشميري بارز يعمل بصحيفة يومية مقرها نيودلهي إنه علم بوفاة عمته من خلال إحدى الصحف المحلية. طلب الحضور للصلاة على الفقيدة قد وصله في اليوم الرابع للوفاة. «عندما رأيت صورتها في الصحيفة وقرأت خبر وفاتها، تجمدت في مكاني لحظة»، مضيفاً، طالباً عدم الكشف عن هويته: «لقد ربتني مثل طفلها في سنوات حياتي الأولى. حزنت لأنني لم أحمل نعشها على كتفي في رحلتها الأخيرة».
لا يقتصر الأمر على الوفيات فقط، بل إن الولادات في كشمير تحدث أيضاً دون أن يعلم بها أحد، حيث لم يعلم زوج السيدة إنشا، المهندس زهر الدين من جنوب كشمير، بولادة طفله سوى في الثالث من أغسطس، أي بعد أسبوع من لادته، لأن جميع وسائل الاتصال محظورة. وبالمثل، لم يكن محمد شافي (70 عاماً) مقيماً في سريناغار، على علم بولادة أول طفلة له في مومباي بسبب الحصار المفروض. ويحكي قائلاً: «لقد تم إخبارنا بالولادة بعد ثلاثة أسابيع أيضاً عندما عاد الهاتف في المنزل للعمل مجدداً».
ليس هذا هو كل شيء، إذ إن عائلات المحتجزين في كشمير، لأسباب احترازية ووقائية، يجدون أيضاً صعوبة في الاتصال بهم. فها هي موغلي بيجوم، أم أحد المعتقلين قد ثبتت عينيها على بوابة سجن «سرينانغار» الرئيسي عسى أن يبلغها الشرطي عن موعد لقاء ابنها بعد أن تعذر الاتصال بها. وتقول: «لم أتحرك على الإطلاق منذ الصباح. قد يحاول الاتصال بي في أي وقت، (ولأن الهواتف لا تعمل) جئت إلى هنا أنتظر». وبعد ثلاث محاولات فاشلة على مدار الأسبوعين الماضيين، حصلت الأم البالغة (69 عاماً) في نهاية الأمر على موافقة السلطات على زيارة ابنها المسجون محمد رفيق صوفي.
في الآونة الأخيرة، شهدت معظم مراكز الشرطة في «سريناغار» اندفاعاً كبيراً من الكثيرين من غير أفراد الأسرة والأقارب لزيارة المحتجزين. فمن بين المعتقلين سياسيون كبار - منهم ثلاثة رؤساء وزراء سابقون وانفصاليون ومحامون ورجال أعمال وعشرات الشباب. بمجرد نقل السجين إلى السجن، يُطلب منه تسجيل أسماء ثلاثة أقارب يمكنهم زيارته.
منذ إلغاء المادة 370 وما تلاها من أزمة سياسية في «جامو» و«كشمير»، جرى تحويل فندق «سينتور» بمدينة «سكياك» والذي كان عادة ما يستضيف الاجتماعات الهامة الرفيعة إلى سجن. باستثناء بعض الحالات، فإن جميع قادة الأحزاب الرئيسية والنشطاء وحتى بعض أقارب الوزراء والمشرعين السابقين لجامو وكشمير محتجزون هناك منذ 5 أغسطس.
وبينما لم يكشف المتحدث باسم حكومة «جامو وكشمير»، روهيت كانسال، والسلطات في المنطقة عن العدد الإجمالي لعمليات الاعتقال منذ 5 أغسطس، فإن مصادر في شرطة جامو وكشمير قدرت عدد المعتقلين بالمئات. ووفقاً لأفراد الأسرة، فإن بعض المحتجزين في سجن «سنتور» يعانون من أمراض مثل داء السكري، في حين أن آخرين لديهم «احتياجات خاصة» والتي دفعت أقاربهم إلى الوقوف في طوابير عند البوابة ممسكين بأيديهم تصاريح الدخول وانتظار دورهم للقاء. وقد عبر ستة من أقارب الزعماء السياسيين المحتجزين في الفندق والذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، بأن جميع المحتجزين يشعرون بقلق بالغ. قال فاروق باند، قريب الزعيم السياسي السابق في بولواما، خليل بنده، وهو ضمن المعتقلين بالسجن ذاته، إن «الأمور ليست وردية كما تبدو من الخارج. بغض النظر عن المرافق المتوفرة، فإن السجن يظل سجناً».
وبالمثل، فقد دفنت عتيقة التي تعدت الثمانين من عمرها على عجل. وجاء النعي الذي نشر في الجريدة المحلية يقول: «لن تكون هناك صلاة عليها بمنزلها نظراً للوضع الحالي».
مرت عائلتها بوقت عصيب خلال محاولتها إبلاغ أقاربها بنبأ الوفاة بسبب انقطاع الاتصالات، وكان عليها زيارة بيوت الأقارب لإعلامهم بالوفاة. ثم جاء التحدي المتمثل في ترتيبات طقوس الدفن النهائية. كان من غير الممكن الاتصال بحفار القبور وإعداد مكان الاغتسال في تلك الليلة، ولذلك دفنت الفقيدة على عجل بمساعدة من بعض الأقارب.

مقتل جندي باكستاني في تبادل لإطلاق النار مع قوات هندية
وأمس الخميس أعلن الجيش الباكستاني مقتل أحد جنوده في تبادل لإطلاق النار مع قوات هندية في كشمير. ووقع تبادل إطلاق النار عبر «خط السيطرة»، الذي يمثل الحدود الفعلية التي تقسم الوادي الواقع بالهيمالايا إلى قسمين، تسيطر كل من باكستان والهند على أحدهما، بينما تؤكد أحقيتها في السيطرة عليه كاملاً. وقال الجيش، في بيان، كما اقتبست منه الوكالة الألمانية، إن سيدتين على الأقل أصيبتا في تبادل إطلاق النار الذي استمر لعدة ساعات في عدة نقاط. تجدر الإشارة إلى أن باكستان والهند خاضتا ثلاث حروب منذ الاستقلال.
> قالت السلطات إن الهند ستلغي تحذير السفر إلى إقليم كشمير ابتداءً من أمس الخميس، وذلك بعد شهرين من الحملة الأمنية التي شنتها الحكومة على المنطقة وإلغاء الوضع الخاص الذي كانت تتمتع به.
وقالت حكومة ولاية جامو وكشمير في بيان أمس الاثنين إن تحذير السفر الذي صدر في الثاني من أغسطس سيتم إلغاؤه الخميس. وتسوق كشمير نفسها على أنها «جنة الله في الأرض»، وتعرف بجبالها وأنهارها الجليدية وبحيرة دال الشهيرة. غير أن تحذيرات السفر التي صدرت من بريطانيا ودول أخرى لمواطنيها لا تزال سارية.



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.