منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

مشغولة بما يزيد على 2500 نوع من الألياف النباتية من الأمازون وجبال الأنديز

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي
TT

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

ماذا يجمع بين الممثلة الأميركية أنجلينا جولي والمهندس البريطاني نورمان فوستر ومتحف الفن المعاصر في نيويورك وسكان الأحياء الفقيرة في العاصمة الكولومبية بوغوتا؟ إنها الأنسجة الحرفية الرفيعة التي تحيكها نساء العائلات التي نزحت إلى تلك الأحياء هرباً من عنف الصدامات المسلحة بين الجيش والثوار، والتي يتهافت عليها مصممو دور الأزياء العالمية الكبرى، واستحوذت على إعجاب المشاهير والمشرفين على كثير من المتاحف العالمية. أنسجة تحولت أيضاً إلى أداة لتغيير الصورة التي ارتسمت في أذهان الناس عن كولومبيا، كمعقل لعصابات المخدرات وأحد أشد البلدان عنفاً في العالم.
في الضاحية الجنوبية من بوغوتا يعيش 3 ملايين شخص في أكواخ من الصفيح المتراصة المكدسة فوق هضاب من الركام، تخرج من بين أيديهم كل يوم بعض أفخر الأنسجة في العالم.
سبعون حرفياً يعملون بشغف وانتظام في حياكة منسوجات تباع لاحقاً في أشهر صالات العرض في نيويورك وميلانو، وتزين القصور الملكية في أوروبا وآسيا؛ إنهم طاقم المعلمين الحرفيين في مشغل «Hechizoo» الذي تتهافت على منتوجاته دور الأزياء العالمية، مثل ديور وشانيل وفندي ولوي فويتون، ومكاتب الهندسة والديكور الكبرى، مثل هرزوغ وفوستر وبيتر مارينو وغيرهم. منسوجات تحكي جمال البلد الذي يضم أكبر مجموعة من التنوع البيولوجي في العالم، مشغولة بخيوط الذهب والفضة والنحاس، متشابكة مع ما يزيد على 2500 نوع من الألياف النباتية الآتية من مجاهل الأمازون وقمم جبال الأنديز الشامخة.
خورخي ليزارازو هو مؤسس هذا المشغل، بعد أن غادر باريس حيث عمل مهندساً في مكتب سانتياغو كالاترافا. عاد إلى كولومبيا إثر فشل عملية السلام الأولى في عام 2002، حيث كانت مجموعات الحرفيين تعيش في مناطق يتعذر الوصول إليها لوقوعها في قبضة الثوار أو تحت سيطرة الميليشيات المسلحة. لكن ذلك لم يمنعه من المجازفة مراراً، إلى أن تمكن من إقناع عشرات المعلمين الحرفيين، والتعاقد معهم لتنفيذ مشروعه الذي مضى اليوم على انطلاقه عشرون عاماً. يقول ليزارازو: «في البداية، كنت أدعي وجود الزبائن أمام الحرفيين لتشجيعهم على العمل، لكن في الواقع كنت أواجه صعوبة كبيرة في تسويق المنسوجات، وكدت أن أصرف النظر عن المشروع، إلى أن تعرفت على سيدة كولومبية تدير صالة للعرض الفني في مانهاتن، تجاوبت مع الفكرة وتعاونت معنا إلى أن أصبحت اليوم وكيلتنا الحصرية في الولايات المتحدة. وفي صالتها، وقعت الممثلة أنجلينا جولي وزوجها الممثل براد بيت على أحد المنسوجات واشترتها. وفي العام الماضي، قررت إدارة متحف المتروبوليتان اقتناء أحد الأعمال التي أنتجها المشغل لعرضه مع مجموعته الدائمة.
ويصدر «Hechizoo» اليوم 90 في المائة من إنتاجه الذي يوزع على دور أزياء عالمية، مثل برادا وبوتيغا فينيتا ولورو بيانا، التي يقدر المسؤولون فيها التمازج اللامتناهي بين المواد والألوان، وجودة الحياكة اليدوية وإتقانها. وفي الطرف الآخر من العاصمة الكولومبية يوجد مشغل آخر للأنسجة الحرفية، هو «Verdi Design» الذي يعمل فيه 55 معلماً غزت منتوجاتهم سوق السلع الفاخرة في أوروبا والولايات المتحدة، ويتسابق المشاهير على اقتنائها، كما حصل عندما أطلق المشغل حقيبة للظهر مصنوعة من الألياف المعدنية لاقت رواجاً واسعاً، وصفته رئيسة تحرير «فوغ» الأميركية، آنا وينتور، بأنه حالة غير مسبوقة لم تشهد مثلها.
مؤسس «Verdi» هو توماس فيرا المولود في مدينة بارانكيا الساحلية التي ينحدر معظم سكانها من أصول عربية، والتي كانت مسرحاً تدور فيه أحداث عدد من روايات غارسيا ماركيز، خصوصاً «وقائع موت معلن» التي ينحدر بطلها سانتياغو نصار من أصل لبناني.
يقول فيرا إن مؤسسته شهدت النور في قرية صغيرة تدعى «كوريتي»، وتقع على سفح جبال الأنديز، وهي مشهورة بسحر طبيعتها ومناخها الاستوائي، ويعيش أهلها منذ مئات السنين على إنتاج الألياف النباتية. وتعمل اليوم 18 أسرة في القرية بصورة حصرية لهذه المؤسسة التي دخلت مؤخراً في مشروع مشترك مع الملياردير السويدي ستيفان بيرسون، مؤسس الدار المعروفة للملابس الجاهزة «H&M»، وتوزّع المؤسسة منتوجاتها أيضاً عن طريق المنصات الكبرى للتجارة الإلكترونية، وينتشر زبائنها في كل أنحاء العالم، من لوس أنجلوس إلى بيروت.
وتنكب مهندسة كيميائية، تعمل في المشغل حالياً، على تطوير 130 لوناً جديداً لتطبيقها على الألياف بالوسائل المخبرية الحديثة، فيما يقوم الحرفيون بحياكة الأنسجة يدوياً، بمساعدة برنامج معلوماتي يحدد لهم الأنماط التي ينبغي اتباعها، ويجففون الأنسجة في آلة تعمل بالتكنولوجيا الدقيقة والأشعة فوق البنفسجية. ويقول فيرا: «قيمتنا المضافة تكمن في إعلاء شأن العمل الحرفي، عن طريق رفع مستوى الجودة، وإتقان التصميم والتفاصيل، وهذا ما فتح لنا أبواب السوق الفاخرة».
وتقول كارولينا آغوديلو، المشرفة على برنامج «الموضة والنسيج» في جامعة بوغوتا: «كانت الأنسجة تُعد من الفنون الدنيا، كالخزف والحرفيات الأخرى. وبما أنها حرفة نسائية، كان أهل الفن يعتقدون أنها أقل شأناً وأدنى قيمة فنية». لكن الأنسجة الحرفيّة الكولومبية أصبحت اليوم في عداد المجموعات الدائمة لمتحف الفن المعاصر ومتحف الفنون والتصميم والمتروبوليتان في نيويورك، ومتحف الفن الحديث في العاصمة الفرنسية.
وهي أعمال تنطلق من تصاميم الشعوب الأصلية في أميركا اللاتينية، والمذهبات السابقة لوصول كولومبوس إلى القارة الأميركية، وأجواء الباروك الذي انتقل من هناك إلى أوروبا. وتجدر الإشارة أن دار الأزياء الفرنسية المعروفة «ديور» وقع اختيارها مؤخراً على الحرفية الكولومبية أولغا آمارال لتصميم حقيبتها الذائعة الصيت «Lady Dior».
ومنذ سنوات، تولي الحكومة الكولومبية اهتماماً خاصاً بالقطاع الحرفي، عن طريق وكالة تابعة لوزارة التجارة تقدم له المساعدات والقروض الميسرة، وتسهل تسويق منتجاته في الداخل والخارج، وتسهر على حمايته وتطويره. وتقول آنا ماريا فرييس، مديرة هذه الوكالة: «إن الحرفيين رياديون بالسليقة، ومبتكراتهم تتمتع بكل المواصفات التي يبحث عنها المستهلك المسؤول والذواق: قطع فريدة مستدامة تحافظ على البيئة، تصاميمها جذابة وصناعتها متقنة، وهي تؤدي خدمة اجتماعية».
وقد ساعدت الوكالة مجموعات الحرفيين من السكان الأصليين على اجتذاب عدد من دور الأزياء وصناعة المجوهرات التي تبحث عن مهارات ليست متوفرة في أوروبا، مثل دار «بولغاري» التي أطلقت مجموعة من الأقراط، بالتعاون مع منظمة «Save The Children» وبعض مجموعات السكان الأصليين الكولومبيين في المناطق المطلة على المحيط الهادئ. وتقول مديرة الوكالة: «الصناعات الحرفية هي وسيلة تواصل بالنسبة للسكان الأصليين، تحمل عناصر رمزية وصوفية يعبرون من حلالها عن أفكارهم ورؤيتهم للحياة والكون»، وتشير إلى أن مجموعات السكان الأصليين الكولومبيين صغيرة وضعيفة، مقارنة بتلك الموجودة في بلدان أخرى مجاورة، مثل بوليفيا وبيرو والمكسيك، حيث تشكل الأغلبية.
وتعمل الجهات الرسمية المعنية في كولومبيا على حماية الحقوق الفنية والثقافية للمجموعات الأصلية، بوضع تشريعات تحول دون استغلال تراثها ومبتكراتها من غير موافقتها، أو من دون مقابل. وقد أصدرت السلطات الكولومبية مؤخراً تعليمات بمنع توزيع وبيع قبعات من البلاستيك مصنوعة في الصين، ومنسوخة عن القبعة التقليدية لإحدى القبائل الأصلية، ونجحت في تعميم هذه التعليمات على عدد من الدول المجاورة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وتساهم هذه المجهودات التي تتعاون فيها الجهات الرسمية مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، إضافة إلى حماية التراث الحرفي الكولومبي، في المساعدة على إعادة إدماج ضحايا العنف والمقاتلين السابقين في النسيج الاجتماعي.
ولم يعد مستغرباً أن يعمل مقاتلون سابقون كانوا ينتمون إلى مجموعات متناحرة في المشغل الحرفي نفسه جنباً إلى جنب، مما يعطي صورة أخرى عن كولومبيا التي ارتبط اسمها منذ عقود بالعنف والفساد والمخدرات، لأنه كما تقول كلارا أوسبينا، التي فازت العام الماضي بالجائزة الأولى في المسابقة الوطنية للمعلمين الحرفيين: «كل قطبة، وكل خيط أو تطريزة، تحمل قيمة تاريخية ورسالة تراثية، إلى جانب فنها وجمالها».



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.