كيري: لا مكان لبشار الأسد في مستقبل سوريا

النظام مستعد لهدنة تلبية لرغبة موسكو

جانب من اللقاء الروسي - السوري في موسكو برئاسة وزيري خارجية البلدين لافروف والمعلم (إ.ب.أ)
جانب من اللقاء الروسي - السوري في موسكو برئاسة وزيري خارجية البلدين لافروف والمعلم (إ.ب.أ)
TT

كيري: لا مكان لبشار الأسد في مستقبل سوريا

جانب من اللقاء الروسي - السوري في موسكو برئاسة وزيري خارجية البلدين لافروف والمعلم (إ.ب.أ)
جانب من اللقاء الروسي - السوري في موسكو برئاسة وزيري خارجية البلدين لافروف والمعلم (إ.ب.أ)

حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس (الجمعة) من أن العالم لن يسمح لنظام الرئيس السوري بشار الأسد بـ«خداعه» خلال مؤتمر «جنيف 2»، مكررا القول إن الهدف من هذا المؤتمر الذي تنطلق أعماله الأسبوع المقبل وضع أسس الانتقال السياسي في سوريا. وفي موسكو أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمس أن حكومته تجاوبت مع رغبات موسكو وسلمتها خطة لوقف إطلاق النار في محافظة حلب (شمال سوريا)، مشيرا إلى استعدادها لتبادل قوائم من أجل تبادل محتمل للسجناء مع قوات المعارضة. أما بالنسبة للوضع الميداني، فقد دارت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من جهة، ومقاتلي الفصائل الإسلامية والكتائب المقاتلة في محيط مدينة منبج في محافظة حلب من جهة أخرى.
كلام كيري، الذي يبدو أنه موجه مباشرة إلى «الائتلاف الوطني السوري» الذي بدأ اجتماعا حاسما في مدينة إسطنبول التركية للبت في أمر مشاركته في مؤتمر «جنيف 2» أو مقاطعته له، جاء في أعقاب تصريح آخر له في واشنطن في الاتجاه نفسه شدد فيه على أن الغاية من المؤتمر سلطة انتقالية في سوريا، ومما قاله أن الرئيس السوري يضلل العالم بموضوع الإرهاب بينما هو «المسؤول عن مجيء الإرهابيين» إلى بلاده. وأمس جاء كلام وزير الخارجية الأميركي خلال مؤتمر صحافي أميركي - كندي - مكسيكي في العاصمة الأميركية. وراهنا تحاول واشنطن وموسكو التفاوض على إجراءات وصفت بأنها تهدف لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة والسماح بتدفق المعونات الإنسانية إلى أكثر المناطق تضررا في الحرب السورية المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات.
كيري قال أمام الصحافيين «لن يخدع أحد» من جانب النظام السوري، وأضاف أن الهدف من مؤتمر «جنيف 2» المقرر انطلاق أعماله يوم الأربعاء المقبل هو «تطبيق جنيف 1»، أي الاتفاق الموقع في يونيو (حزيران) 2012 الذي لم ينفذ أيا من بنوده التي تنص بشكل خاص على تشكيل حكومة انتقالية في سوريا.
في هذه الأثناء، في موسكو، قال المعلم في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه يعول على نجاح خطة الهدنة في حلب مع تبادل الأسرى «إذا نفذت كل الأطراف التزاماتها»، وأضاف أنه يود أن تكون خطة حلب نموذجا لمدن أخرى. وتابع المعلم أن دمشق وضعت أيضا قائمة بالسجناء ومستعدة للمشاركة في تبادل للسجناء، غير أن عبد الباسط سيدا أحد أعضاء المعارضة القياديين انتقد تصريحات المعلم، عادا إياها «مناورة جديدة» من قبل النظام. وأبلغ سيدا وكالة الأنباء الألمانية بأن المعارضة طلبت دائما تنفيذ تلك الشروط قبل عقد المؤتمر، كما طالبت بتبادل السجناء ووقف إطلاق النار وإقامة ممرات إنسانية.
وخلال المؤتمر الصحافي نفسه سلط المعلم ولافروف الضوء على تقارب وجهات النظر بين بلديهما حول «جنيف 2»، وذلك بعد مباحثات لافروف الخميس مع المعلم ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ودعا إلى تمثيل إيران في المؤتمر، بيد أنه حرص على القول إن الاجتماع الثلاثي لم يكن جزءا من «جدول أعمال سري». وانتقد لافروف الذي كان جالسا إلى جوار المعلم، من دون أن يسمي «الائتلاف»، الفصائل المعارضة السورية التي لم تقرر بعد ما إذا كانت ستشارك في مؤتمر «جنيف 2»، قائلا: «نشعر بالقلق الشديد من وجود لعبة ما». وأضاف: «إن الشيء الأخير الذي علمنا به هو أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وفصائل المعارضة الأخرى لم تتلق حتى الآن الدعوة الرسمية لحضور المؤتمر. وقالوا لنا إن الأمين العام للأمم المتحدة ينتظر أن يتخذ الائتلاف القرار بشأن ذهابه أو عدم ذهابه إلى جنيف 2». واستطرد أنه «لا توجد أي أسس لاستبعاد المعارضين الذين ينشطون داخل سوريا من مؤتمر جنيف 2»، معتبرا أنه من الواضح أن الائتلاف الوطني يضم، قبل كل شيء، «معارضين مغتربين». وأعرب لافروف عن قلق موسكو من «تجاهل» شركاء روسيا في الغرب للمعارضة الداخلية، فقال: «نعتقد أنه أمر مثير للقلق البالغ، إذ ركز شركاؤنا تماما على إقناع الائتلاف الوطني بحضور جنيف2 مع تجاهلهم للفصائل المعارضة الأخرى ذات التوجهات الوطنية وتبدي الاهتمام بالمشاركة في المؤتمر»، وأوضح أن الحديث يدور، قبل كل شيء، عن «هيئة التنسيق الوطنية» والمنظمات الكردية.
يذكر أن «هيئة التنسيق الوطنية»، وهي جماعة معارضة معتدلة وعلمانية التوجهات، كانت أعلنت إحجامها عن المشاركة في المؤتمر. ووفق واشنطن، تعززت الآمال بالتوصل إلى هدنة على نطاق ضيق، في ضوء تعهدات المعارضين السوريين المسلحين المدعومين من قبلها بالالتزام بوقف إطلاق النار في حالة التزام الحكومة به. ولكن المراقبين يستبعدون أن تلتزم جماعات المعارضة الإسلامية المتشددة القوية بالهدنة المقترحة، وبعضها يحارب حاليا كلا من جيش نظام دمشق وفصائل المعارضة.
على صعيد آخر، بالنسبة إلى الوضع الميداني، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» وفق بيان تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه عصر أمس، بأن مقاتلي «داعش» كانوا يحاولون اقتحام مدينة منبج، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، من طرف المطاحن وسط استقدامهم تعزيزات عسكرية من مدينة الرقة إلى محيط منبج. وأورد المرصد أن مقاتلي «داعش» فجروا بيوتا لمقاتلين مناوئين لهم في مدينة جرابلس الواقعة قرب الحدود التركية، كما جرى إعدام خمسة مقاتلين من الكتائب المقاتلة، وأضاف أن هناك «معلومات عن مقتل 17 من مقاتلي الكتائب المقاتلة في اشتباكات مع (داعش) في جرابلس ترافق مع حركة نزوح كبيرة لأهالي المدينة باتجاه الريف المحيط بها». وأعلنت تنسيقية مدينة الباب وضواحيها في بيان لها استشهاد القائد العسكري عبد الرؤوف عثمان، واستشهاد أحمد منصور على يد «داعش»، اللذين جرى قطع رأسيهما، كما نعي الناشطان الإعلاميان حسام سعيدي ومروان منصور من مدينة ‫الباب، اللذان قتلا أمس على يد مقاتلين من «داعش»، وبث ناشطون فيديو يظهر رتلا كبيرا للتنظيم يتقدم نحو جرابلس، حيث تسلل مقاتلون منه لداخل المدينة ورابط الرتل على مداخل المدينة مقابل انسحاب كل الفصائل الأخرى باتجاه معبر جرابلس على الحدود مع تركيا.
إلى ذلك، كان مقاتلو «داعش» قد انسحبوا من مدينة سراقب بمحافظة إدلب، وذكرت معلومات أن انسحاب مقاتلي التنظيم جاء بعد اشتباكات عنيفة مع عدة فصائل إسلامية وكتائب مقاتلة استغرقت عدة أيام، أقدم خلالها مقاتلو «داعش» المنسحبون باتجاه بلدة سرمين القريبة من سراقب، على حرق سياراتهم قبل الانسحاب، الذي جاء بعد تغطية نارية من لواء مقاتل تابع لهم، بينما قتلت الكتائب المقاتلة رجلا من مدينة سراقب اتهموه بأنه كان يعمل دليلا لمقاتلي «داعش». وأضاف المرصد أن سيارة مفخخة انفجرت قرب جامع البتول بحي الزبدية في مدينة حلب نفسها.
من جهة ثانية، ذكرت التقارير الميدانية مساء أمس أنه دارت اشتباكات عنيفة بين «داعش» من جهة، ومقاتلي الفصائل الإسلامية ومقاتلي الكتائب المقاتلة من جهة أخرى في بلدة عاجل بمحافظة حلب والفوج 46 بريف حلب الغربي. وتمكنت هذه القوات من السيطرة على عاجل وأجزاء واسعة من الفوج 46 الذي كان أهم معاقل «داعش» في ريف حلب الغربي.
وفي مناطق أخرى من سوريا، جددت قوات النظام غاراتها الجوية على مدينة تلبيسة في ريف حمص، بالتوازي مع اشتباكات عنيفة في أحياء بحمص بينها باب هود، وكذلك في بلدة الغنطو. وفي مخيم جنوب دمشق خرجت مظاهرات غاضبة توجهت لمقرات «الجيش الحر» و«جبهة النصرة» داخل المخيم وطالبهم المتظاهرون بالزحف باتجاه العاصمة دمشق وكسر الحصار عن مخيم اليرموك، كما أعلنوا «رفض استخدام المساعدات الغذائية التي يجري الحديث عنها لإذلال سكان المخيم وابتزازهم»، وحملوا النظام السوري والقيادة العامة مسؤولية الدمار والقتل والحصار. ووجهوا رسالة تنبيه إلى المعارضة المسلحة إما «بتحمل مسؤوليتها وكسر الحصار أو بالانسحاب من المنطقة وتركهم يفكون الحصار بأيديهم».
وتعرضت أحياء جنوب دمشق لقصف بالمدافع ترافق مع اشتباكات عنيفة في حي القدم، وشمل القصف بالبراميل المتفجرة عدة بلدات بريف دمشق بينها الزبداني وخان الشيح، في حين قتل شخص وأصيب آخرون إثر سقوط خمسة صواريخ أرض - أرض على بلدة البلالية، وفقا للجان التنسيق المحلية.
في المقابل، أسقط «الجيش الحر» مروحية للقوات النظامية في داريا بريف دمشق عندما كانت تلقي براميل متفجرة على المدينة. وأظهرت صور بثت على الإنترنت المروحية وهي تهوي بينما تشتعل فيها النيران. وكان الطيران الحربي السوري قد كثف أخيرا غاراته على داريا المحاصرة منذ أكثر من سنة، في وقت تدور فيه اشتباكات شبه يومية بأطرافها.
وفي جنوب البلاد شهد ريف محافظة درعا قصفا من قبل قوات النظام على مدن إنخل والشيخ مسكين وبصرى الشام وتسيل بالدبابات وراجمات الصواريخ، وقتل سبعة أشخاص على الأقل وجرح العشرات بينهم مدير مشفى ميداني في قصف بالطيران الحربي على حي طريق السد بدرعا المحطة. كذلك وقعت اشتباكات عنيفة في درعا بين «الجيش الحر» وقوات النظام في محيط المستشفى الوطني وسوق درعا، وفق ما قالت شبكة شام الإخبارية.
وعلى الصعيد الإغاثي، دعا المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريش أمس إلى «حل سياسي» للنزاع السوري الذي أدى إلى تهجير الملايين، وذلك قبل أيام من «جنيف 2»، وجاء كلام غوتيريش، وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية، خلال لقاء للدول المضيفة للاجئين السوريين أقيم في مخيم قرب مدينة أورفة (شانلي أورفا) في جنوب تركيا. وأضاف خلال اللقاء أنه «من المهم جدا إرسال رسالة واضحة جدا إلى المجتمع الدولي الذي سيجتمع الأسبوع المقبل في جنيف، مفادها أنه يجب بشكل قطعي وضع حد لحمام الدم والتوصل إلى حل سياسي».
وأضاف غوتيريش أن «ما يحتاج إليه السوريون هو السلام والقدرة على العودة لإعادة إعمار بلادهم» الغارقة في نزاع دام منذ منتصف مارس (آذار) 2011.
وتقدر الأمم المتحدة الموازنة المطلوبة للاهتمام باللاجئين السوريين الذين قارب عددهم ثلاثة ملايين شخص، إضافة إلى ملايين المهجرين داخل البلاد، بنحو 6.5 مليار دولار أميركي. وكانت الدول المانحة قد عقدت الأربعاء الماضي في الكويت ملتقى أعلنت فيه الالتزام بتقديمها ما مجموعه 2.4 مليار دولار لمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين.
وحول معاناة اللاجئين والنازحين حث غوتيريش دول العالم على فتح حدودها أمام اللاجئين السوريين الهاربين من أعمال العنف، قائلا: «هذا واجب المجتمع الدولي. لهذا نحن ندعو إلى فتح كل الحدود، وليس فقط تلك العائدة إلى الدول المجاورة». وأردف: «بالنسبة إلي، من غير المقبول أن يغرق اللاجئون السوريون في البحر الأبيض المتوسط أو يرحلون إلى دول أخرى».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.