التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

مُلقية بظلالها على ملفات خارجية ساخنة كإيران وكوريا الشمالية

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا
TT

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

يُتهم الديمقراطيون في الولايات المتحدة بأنهم، منذ اليوم الأول لفوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسباق الرئاسة عام 2016، وضعوا نصب أعينهم مهمة إنهاء عهده بأي طريقة ممكنة.
بالطبع اتهام قد يكون له ما يبرّره، لأنه من غير المعهود في تاريخ التداول السياسي للسلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن تشتعل المواجهة بين الحزبين الخصمين على عهد بالكاد انطلقت عجلته. فالديمقراطيون لم ينتظروا تنصيب ترمب، في 20 يناير (كانون الثاني) عام 2017. لفتح ملف ما عُرِف بـ«التدخل الروسي» في الانتخابات الأميركية، إذ فُتِح عملياً خلال حملة الانتخابات نفسها، مع تصاعد الحديث عن تدخل روسيا لمساعدة ترمب على الفوز على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وطلب ترمب علناً من موسكو أن تنشر ما لديها من «أوساخ» بحقها، في ملف بريدها الإلكتروني، الذي عاد أخيراً ليكون إحدى أبرز القضايا التي ناقشها ترمب في مكالمته مع الرئيس الأوكراني، أو ما بات يُعرَف بـ«الفضيحة الأوكرانية».
دونالد ترمب الذي خاض واحدة من أغرب المعارك الانتخابية في تاريخ الرئاسة الأميركية، أثار منذ بدء تهجمه، الذي اتخذ طابعاً شخصياً حتى ضد منافسيه الجمهوريين، حفيظة الطبقة السياسية الأميركية بمجملها. وأجبر عشرات، بل ومئات من كبار الساسة والدبلوماسيين والعسكريين والمسؤولين الأميركيين، وبينهم نسبة كبيرة من الجمهوريين، على توقيع عرائض تحذّر من انتخابه رئيساً.
ترمب الذي بقي مهجوساً بانتخابات 2016، كانت عينه ولا تزال على انتخابات 2020، التي بدأ مهرجاناته الانتخابية من أجلها منذ اليوم الأول لتوليه السلطة. وثابر على حشد أنصاره في تجمعات جالت الولايات الأميركية، سواء تلك التي تميل للجمهوريين أو للديمقراطيين.
ومع مباشرة ترمب تنفيذ أجندته السياسية، عبر إعلان مواقفه العدائية من دخول المهاجرين، خصوصاً من أميركا الوسطى، وتوقيعه أمراً رئاسياً لحظر دخول مواطني سبع دول، غالبيتها من المسلمين، إلى الولايات المتحدة، وسياساته الانعزالية، وتشكيكه بجدوى الأحلاف والاتفاقات الدولية، فإنه مهّد عملياً للحديث المبكر عن احتمال عزله في حال نجح مناوئوه الديمقراطيون في استعادة السيطرة على «الكونغرس»، أو على الأقل على مجلس النواب، كما حدث بالفعل بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.
حظ ترمب العاثر قد يكون خدم معارضيه، عندما أُجبر على إقالة مستشاره الأول للأمن القومي مايكل فلين، بعد 20 يوماً على تعيينه إثر انكشاف كذبه أمام المحققين الفيدراليين في ملف روسيا. وسرعان ما تسارعت بعدها الأحداث، وأدّت إلى تعيين رئيس «إف بي آي» السابق، روبرت مولر، محققاً خاصاً في هذا الملف.
أكثر من سنتين ونصف السنة استغرقها تحقيق مولر. لكن ترمب أفلت من المحاسبة بعدما عجز مولر عن تقديم أدلة راسخة عن تواطؤ مباشر مع روسيا، ما أفقد الديمقراطيين فرصة اعتبروها ذهبية لإنهاء عهده.
وخاض الديمقراطيون مناقشات ومواجهات حادة منذ اليوم الأول لحصولهم على الغالبية في مجلس النواب، عام 2018، وخصوصاً مع رئيسة المجلس، نانسي بيلوسي، للاتفاق على عزل ترمب. وللعلم، اضطرت بيلوسي لخوض مساومات مضنية لضمان تأييد النواب الديمقراطيين لانتخابها رئيسة للمجلس، ولا سيما الشباب ومَن يُطلق عليهم لقب التقدميين، أمثال ألكسندريا أوكاسيو - كورتيز، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، التي تعهَّدت في خطاب تسلمها منصبها بعزل ترمب.
بيلوسي لعبت دوراً رئيسياً في وقف الدعوات لعزل الرئيس، خصوصاً أن نتائج تحقيقات مولر كانت لا تزال بعيدة. لكن مع صدور تقريره وإشارته بشكل واضح إلى محاولات ترمب العديدة لعرقلة التحقيق، وإلى دور روسيا، عاد الحديث عن ضرورة البدء بإجراءات العزل للتصاعد بين النواب الديمقراطيين. وخاضت بيلوسي مناقشات صعبة لقلة اقتناعها بوجود أدلة دامغة، وتخوفها من انعكاس ذلك على انتخابات 2020، وسط استطلاعات رأي كثيرة كانت تشير إلى معارضة غالبية الأميركيين عزل الرئيس.

بيلوسي تنحاز للعزل
لكن يوم 25 يوليو (تموز) الماضي، وخلال مكالمة هاتفية لترمب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، طلب منه مساعدته في فتح تحقيق بحق نائب الرئيس الديمقراطي السابق جوزيف بايدن، لم يعتقد ترمب أن تلك المكالمة قد تكون تحت رقابة «طبيعية» من قبل أمنيين يمنحهم القانون حماية عن الإبلاغ عما يمكن أن يعتبروه مخالفة أمنية أو دستورية. ويوم 23 سبتمبر (أيلول) أعلنت بيلوسي فتح تحقيق رسمي بهدف عزل الرئيس المشتبه بانتهاكه الدستور، عبر السعي للحصول على مساعدة دولة أجنبية لإيذاء خصمه الديمقراطي.
بيلوسي رأت أن «تصرفات رئاسة ترمب كشفت عن الحقائق الشائنة لخيانة الرئيس لقسمه، وخيانته لأمننا القومي، وخيانته لنزاهة انتخاباتنا». وأضافت: «لذلك أعلن اليوم أن مجلس النواب يفتح تحقيقاً رسمياً لعزل الرئيس... فما من أحد فوق القانون».
وفي غضون أيام، ارتفع عدد الأميركيين الذي يؤيدون إدانة ترمب، ليصل إلى 55 في المائة، مقابل 45 في المائة، وفقاً لآخر استطلاع أجرته شبكة «سي بي إس»، وحتى استطلاع شبكة «فوكس» المفضلة لدى ترمب، أظهر أن 52 في المائة من الأميركيين «مرهقون» بسبب ترمب، ويتطلعون إلى رحيله، مقابل 37 في المائة ما زالوا ينظرون بإيجابية إلى عهده.
حاجة ترمب الجامحة للحصول على ما قد يعينه في انتخابات 2020، خصوصاً أمام خصم يمكن أن يشكل له تهديداً حقيقياً مثل بايدن، سواء في أوساط الطبقة السياسية التقليدية، أو لدى كبار المتمولين وجماعة «وول ستريت»، أو في أوساط القاعدة الشعبية البيضاء، أوقعه في خطأ قد يكون مكلفاً جداً له، وأعاد علاقته المتوترة أصلاً مع «مجتمع» الاستخبارات إلى المربع الأول.

ترمب والأجهزة الأمنية
جدير بالذكر أن تحقيقات مولر اعتمدت أصلاً على تقارير الاستخبارات الأميركية التي أجمعت أجهزتها الثلاثة الكبرى، «سي آي إيه» و«إف بي آي» و«إس إن إيه»، على تدخّل روسيا، ووضعت ترمب في دائرة التشكيكين، السياسي والأمني في أهليته كرئيس لأميركا. وحول «الفضيحة الأوكرانية» كتب المُخبِر - الذي قيل إنه أحد ضباط «السي آي إيه» - تقريراً من 9 صفحات، يتهم فيه الرئيس بأنه أساء استخدام صلاحياته بطريقة سافرة، خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأوكراني، ورفعه إلى رئيس وكالات الاستخبارات الوطنية بالوكالة، جوزيف ماغواير، الذي رفعه بدوره في أواخر أغسطس (آب) الماضي إلى وزير العدل ويليام بار كجريمة محتملة، إلا أن بار (وهو جمهوري) خلص إلى أن السلوك لم يكن جرمياً.
حقاً، أظهر نص المكالمة الذي سمح ترمب بنشره يوم الأربعاء في 25 سبتمبر الماضي، أنه طلب بالفعل من زيلينسكي العمل مع المدعي العام الأميركي للتحقيق في سلوك بايدن، وعرض مقابلته في البيت الأبيض، بعدما وعده بإجراء مثل هذا التحقيق. كذلك أظهر النص أنه طلب من الحكومة الأوكرانية التعاون مع محاميه الخاص رودي جولياني ووزير العدل بار في التحقيق بالخادم الإلكتروني الذي قيل إنه موجود في أوكرانيا واخترقته روسيا للحصول على معلومات عن بريد كلينتون الإلكتروني، واللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. وبحسب النص، قال ترمب: «أود أن أطلب من المدعي العام أن يتصل بك أو بجماعتك وأرغب في أن نصل إلى النهايات»، ويضيف لاحقاً: «هناك الكثير من الحديث عن ابن بايدن (هنتر بايدن)، وأن بايدن أوقف المحاكمة، وأن كثيراً من الناس يرغبون في معرفة ذلك، لذا فإن كل ما يمكنك القيام به مع النائب العام سيكون رائعاً. أعلن بايدن بفخر أنه أوقف النيابة العامة، إذا كان بإمكانك النظر في ذلك، فسيكون الأمر فظيعاً بالنسبة لي».
هنا نشير إلى أن هنتر بايدن عمل في شركة أوكرانية حُقق فيها بتهم الفساد، لكن التحقيقات لم تجد أدلة ضده. وإبان الفترة التي أعقبت الثورة الأوكرانية، وحين كانت أوكرانيا بحاجة إلى مساعدات من الولايات المتحدة وأوروبا ومؤسسات أخرى، طلبت حكومات هذه الدول، ومن بينها إدارة الرئيس باراك أوباما، من الحكومة الأوكرانية إجراء إصلاحات إدارية وسياسية، شملت التخلص من المدعي العام آنذاك المعروف بفساده.
وقام جوزيف بايدن بنقل هذا الموقف لأوكرانيا، وأظهرت التحقيقات القضائية أن بايدن الأب وابنه هنتر لم يرتكبا أي جرم أو انتهاك لأي قانون أوكراني أو أميركي.

أزمة سياسية كبرى
هكذا تحولت القضية إلى أزمة سياسية حقيقية، ليس فقط للرئيس ترمب، بل وللحزب الجمهوري، الذي سيطر الصمت الفعلي على رموزه في الدفاع عن الرئيس، رغم الأصوات الخجولة التي تصدر بين الحين والآخر من أشد مناصريه ولاءً، وعلى رأسهم السيناتور ليندسي غراهام.
حتى دفاع وزير الخارجية مايك بومبيو وانتقاداته الحادة التي صدرت أخيراً ضد لجان التحقيق الثلاث، التي طلبت منه تسليمها وثائق تتعلق بالتحقيق الذي أطلقه مجلس النواب رسمياً، لم ينجح في الحد من تصاعد عدد المؤيدين للمضي في قرار عزل الرئيس. ومع اعتراف بومبيو بأنه كان حاضراً خلال المكالمة الهاتفية، فإنه ضُمّ إلى قائمة المتهمين بمحاولة التستر على الرئيس، التي تشمل أيضاً وزير العدل بار، ومحامي ترمب الشخصي جولياني.
بومبيو شكك في أن تكون صلاحيات اللجان النيابية الثلاث تخوّلها استدعاء دبلوماسيين أو طلب الحصول على وثائق منهم. وكانت لجنة التحقيق استدعت بومبيو لتقديم وثائق مرتبطة بالتواصل مع أوكرانيا، وهي تسعى إلى الاستماع إلى خمسة دبلوماسيين، بينهم سفيرة الولايات المتحدة لدى أوكرانيا، ماريا يوفانوفيتش، بالإضافة إلى كورت فولكر، الموفد الخاص إلى أوكرانيا.
غير أن بومبيو أعلن أن الدبلوماسيين لن يستجيبوا لطلب المثول أمام لجان الخارجية والاستخبارات والرقابة على السلطة التنفيذية، الأسبوع المقبل. وأشار، في رسالة إلى الكونغرس، إلى أن الإدارة جاهزة للجوء إلى القضاء، متهماً اللجان بمحاولة ترهيب والإساءة إلى مهنيين متميّزين في وزارة الخارجية.
وبدوره، اتهم جولياني رؤساء اللجان الثلاث بإطلاق «أحكام مسبقة» في القضية. وقال رداً على استدعائه إنه «يثير تساؤلات كبيرة فيما يتعلّق بشرعيته ودستوريته وقانونيته»، ولمح إلى أنه قد لا يمتثل للاستدعاء. هذا، وتطالب اللجان جولياني، وهو رئيس سابق لبلدية نيويورك، بتقديم وثائق مرتبطة بـ«جهود كلفه بها ترمب لممارسة ضغوط على الرئيس الأوكراني».

ترمب يصعد هجومه
حتى الآن، مواقف الإدارة تشير إلى أنها تعد للمواجهة، ثم إن ترمب وإدارته صعّدوا الهجوم على النائب الديمقراطي آدم شيف، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الذي يقود التحقيق لعزله، وطالب بتوقيفه. وقال الرئيس في تغريدة على «تويتر» إن على شيف الاستقالة لأنه «لفّق بياناً على لسان رئيس الولايات المتحدة، وقرأه أمام (الكونغرس)». وحذر في تغريدة أخرى من أن ما يجري هو «انقلاب يهدف إلى الاستيلاء على سلطة الشعب الأميركي».
ومن جانبه، حذر شيف كلاً من البيت الأبيض من محاولة المماطلة في التحقيقات، والوزير بومبيو من محاولة التدخل لمنع الشهود من المثول أمام اللجنة، وأكد أن تلك المحاولات ستُعتبر إعاقة لعمل الكونغرس ودليلاً على أن الادعاءات التي وردت في شكوى المُخبِر صحيحة.
والآن، رغم أن حظوظ إقالة ترمب لا تزال ضعيفة، نظراً إلى أن قرار العزل في يد مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، لكن نجاح الديمقراطيين في إثبات خرقه للدستور والتصويت على عزله، قد يكون كافياً، ليس فقط لخسارته انتخابات 2020، بل وإمكانية خسارة الجمهوريين مجلسي الشيوخ والنواب معاً للانتخابات العامة أيضاً.

صورة أميركا ستهتزّ
في أي حال، ترمب الذي يتهم بإدارة البلاد كشركة خاصة، يعتمد على جهاز إداري غير مكتمل حتى الآن ولا يستطيع مساءلته، فخلال أقل من ثلاث سنوات عين ترمب أربعة مستشارين للأمن القومي، ووزيري دفاع ووزيري خارجية. ومرّت أشهر كثيرة بقيت فيها مناصب بارزة، أمنية وسياسية، شاغرة يديرها وكلاء مؤقتون، كالحال الآن مع منصب مدير الاستخبارات الوطنية.
ودولياً، يعتقد كثيرون من المراقبين أن إخضاع ترمب للمحاكمة، سيزيد من وتيرة «الانسحاب» الأميركي من العالم، ولا سيما من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ومع أن ترمب جاهر بذلك حتى قبل «فضيحة أوكرانيا»، قد تؤدي محاكمته إلى انحسار نفوذ واشنطن المنشغلة بقضاياها الداخلية.
ويتخوف البعض من أن ينعكس ذلك على ملفات ساخنة، منها إيران وكوريا الشمالية، واحتمال لجوء ترمب إلى تسويات سريعة معهما، أو تخليه عن مبادرات سياسية، كالتوسط لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
أيضاً، يعتقد البعض أن فشل وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعقد لقاء بين ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك، يعود في جانب منه إلى إدراك الأخير المأزق الذي دخله الرئيس الأميركي بعد إطلاق التحقيقات لعزله، وتأجيل طهران تقديم التنازلات مقابل رفع العقوبات عنها.
وأكد روحاني، قبل أيام، أن طهران تدرس مقترحات جدية للعودة إلى المفاوضات، بيد أن الرهان على احتمال أن يعمد ترمب إلى فتح نزاعات خارجية، واستخدام القوة للتغطية على قضية عزله، يدحضه تراجعه عن تهديداته في اللحظة الأخيرة، بسبب معارضته للحرب، وخوفاً من نتائجها على قاعدته الشعبية التي كان وعدها بإنهاء التورط في حروب لا تنتهي.
ولكن يبقى أن الكشف عن مضمون اتصالات «رئيس أقوى دولة في العالم» برئيس أوكرانيا، يشكل سابقة خطيرة تجعل قادة العالم يتخوفون من تكرارها. ويطرح البعض تساؤلات عن مدى قدرة الولايات المتحدة على التصدي للأزمات الطارئة في عالم يمرّ بظروف خطيرة، مع انغماس إدارتها في أزمة داخلية كبرى، ما قد يؤدي إلى إضعاف صورتها وصورة رئيسها المهدد بالمحاكمة.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟