إيران تعلن إحباط محاولة اغتيال سليماني وسط ضغوط لمفاوضات إقليمية

استخبارات «الحرس» تزعم اعتقال خلية من ثلاثة أشخاص خططت لاستهدافه في مسقط رأسه

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني لقائد فيلق «القدس» قاسم سليماني الأسبوع الماضي
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني لقائد فيلق «القدس» قاسم سليماني الأسبوع الماضي
TT

إيران تعلن إحباط محاولة اغتيال سليماني وسط ضغوط لمفاوضات إقليمية

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني لقائد فيلق «القدس» قاسم سليماني الأسبوع الماضي
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني لقائد فيلق «القدس» قاسم سليماني الأسبوع الماضي

بعد أيام قليلة من إزاحة الستار عن دور قاسم سليماني قائد فيلق «القدس» الذراع الخارجي لـ«الحرس الثوري» في حرب تموز 2006 بين حزب الله اللبناني وإيران، أعلن قائد استخبارات «الحرس الثوري» حسين طائب عن إحباط محاولة لاغتيال سليماني الشهر الماضي أثناء وجوده في مدينة كرمان وسط إيران مشيرا إلى توقيف ثلاثة أشخاص على صلة بخطة العلميات وذلك غداة تأكيد المرشد الإيراني علي خامنئي على توسيع النظرة «العابرة للحدود والعمق الاستراتيجي» بعد تسعة أيام من بيان أوروبي يطالب إيران بالتفاوض على البرنامج النووي والصاروخي وقضايا الأمن الإقليمي.
وأبلغ طائب أمس كبار قادة «الحرس الثوري» في المؤتمر السنوي لتلك القوات، أن جهاز استخبارات «الحرس الثوري» الموازي لوزارة الأمن الإيرانية، اعتقل ثلاثة أشخاص على صلة بالخطة «التي أعدت منذ سنوات» لاستهداف سليماني، المسؤول عن العمليات الخارجية، «أثناء وجوده في حسينية والده بمدينة كرمان بين يومي التاسع والعاشر» من الشهر الماضي وذلك عبر زرع متفجرات «تحت الحسينية عبر حفر قناة»، وزعم أن الخطة كانت تشمل «شراء مكان في جوار الحسينية» التي يوجد فيها سليماني سنويا لإحياء مراسم عاشوراء. وقال أيضا إن «الخلية» دخلت إلى إيران بين 20 يناير (كانون الثاني) و10 فبراير (شباط) الماضي، مشيرا إلى «تجهيز 350 إلى 500 كيلوغرام من المتفجرات». وذهب أبعد من ذلك قائلاً: «أرادوا بهذا العمل الخبيث إثارة حرب طائفية وأن يقولوا إنها قضية ثأر داخلي». ونقل عن المعتقلين قولهم: «أردنا اغتيال سليماني لإحداث تدهور كبير في الأوضاع الداخلية والرأي العام».
ويقود قاسم سليماني و«فيلق القدس» منذ 2011 ائتلافا من الميليشيات الموالية لإيران في سوريا والعراق، لكنها تنفي أن يكون وجودها عسكريا وتصفه بـ«المهام الاستشارية». وقال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن قواته تقدم خدمات «استشارية وفكرية» للحوثيين في اليمن. وتتستر إيران على التكلفة البشرية والمادية رغم الإعلان عن مقتل المئات من منتسبي قوات «الحرس الثوري» والباسيج وعدد من قوات الجيش في سوريا.
وليست المرة الأولى التي تعلن عن خطة لاغتيال قیادي بارز في «الحرس الثوري» لكن أغلبها ارتبط باسم سليماني في الداخل أو خارج إيران.
ويعد «فيلق القدس» الجهاز الأكثر نفوذا بين أجهزة «الحرس الثوري» ومنافسا لجهاز استخبارات «الحرس» على مستوى الصلاحيات. كما أنه يتمتع بميزانية مفتوحة لتمويل عملياته في الخارج وتمويل الجماعات التي يشرف سليماني على غرفة عملياتها في مختلف مناطق الشرق الأوسط.
وهذه أول عملية يكشف عنها رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» عقب إعادة هيكلة الجهاز في 18 مايو (أيار) الماضي بأوامر من المرشد علي خامنئي، الذي أبقى المتشدد حسين طائب في منصبه. وجاء قرار إعادة الهيكلة بعد تعيين اللواء المتشدد حسين سلامي قائدا جديدا لـ«لحرس» الإيراني بدلا من اللواء محمد علي جعفري وذلك بعد أقل من شهر على تصنيف «الحرس الثوري» بكل مكوناته على قائمة المجموعات الإرهابية في الولايات المتحدة. وشملت إعادة الهيكلة توسيع نطاق عمليات جهاز الاستخبارات في الخارج وهو ما يشكل عاملا إضافيا للتنافس بينه وبين «فيلق القدس». هذه المرة الأولى التي يكلف بها جهاز استخبارات «الحرس الثوري» عقب إنشائه في 2009 على إثر خلافات وتراجع الثقة بأداء وزارة الاستخبارات أثناء احتجاجات الحركة الخضراء، فيما تعود نشأة فيلق «القدس» إلى عام 1990 بهدف تدريب الجماعات المسلحة والمتطرفة المتربطة بإيران فضلا عن العمليات الخارجية، لكن دور فيلق «القدس» أخذ بالتنامي والخروج من مرحلة السرية بعدما كلف خامنئي سليماني في 1999.
وكانت تقارير وسائل إعلام مقربة من «حزب الله» اللبناني قد كشفت في سبتمبر (أيلول) 2018 عن تعرض قاسم سليماني لمحاولة اغتيال في العراق.
في يناير 2018 أفادت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل الضوء الأخضر لاغتيال سليماني باعتباره «تهديدا لمصالح البلدين في المنطقة».
وقبل ذلك بثلاث السنوات كانت تقارير قد ذكرت أن الولايات المتحدة عارضت خطة إسرائيلية لاستهداف سليماني في ريف دمشق. وفقا لتلك التقارير أن الأميركيين أطلعوا الإيرانيين على الخطة الإسرائيلية ما أدى إلى خلافات بين الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية والأميركية.
نهاية يناير 2019 كشف مقال لقائد العمليات الخاصة المشتركة السابق في العراق، الجنرال ستانلي مكريستال، بمجلة فورين بوليسي أن القوات الأميركية رصدت دخول رتل عسكري يحمل قاسم سليماني من إيران إلى أربيل شمالي العراق، في يناير 2007. مشيرا إلى أن القوا الأميركية لم تقرر في تلك الليلة مهاجمة سليماني، رغم تورطه في انتشار العبوات الناسفة التي أودت بحياة بعض أفراد القوات الأميركية في جميع أنحاء العراق.
واتهم طائب «أجهزة استخبارات عربية وإسرائيلية» بالوقوف وراء الخلية المزعومة التي خططت لاغتيال سليماني في مدينة كرمان، مسقط رأسه.
قبل إعلان طائب بيومين، بث التلفزيون الإيراني أول مقابلة مطولة مع سليماني منذ توليه قيادة «فيلق القدس» في 1999. وأجرى موقع خامنئي الرسمي مقابلة مع سليماني والأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بمناسبة صدور أول عدد من مجلة «المسير» التي تصدر من القسم الإعلامي في مكتب خامنئي. وحملت المجلة في عددها الأول عنوان «معادلة نصر» للدلالة على ما عدّه موقع خامنئي تأثير «حرب 2006» على «الهندسة الجديدة للمنطقة». وكشف سليماني لأول مرة أنه كان قائداً ميدانياً في حرب يوليو (تموز) 2006 بين «حزب الله» اللبناني وإسرائيل، وهو النزاع الذي أوقع 1200 قتيل في الجانب اللبناني و160 في الجانب الإسرائيلي.
وفي وقت لاحق، حض المرشد الإيراني علي خامنئي الأربعاء قادة «الحرس الثوري» على توسيع العمليات «العابرة للحدود» الإيرانية، واعتبرها على عاتق «الحرس الثوري». وأوصى في الوقت نفسه قادة الحرس بالحفاظ على ما سماه «النظرة الواسعة إلى جغرافيا المقاومة» محذرا من «القناعة» و«الانحصار بين أربعة جدران»، قبل أن يذم من رددوا هتاف «لا غزة ولا لبنان» وهو الشعار الذي شق طريقه إلى الشارع الإيراني في احتجاجات «الحركة الخضراء» الإصلاحية في صيف 2009.
وربط قادة «الحرس الثوري» في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، بين العمليات الخارجية وما يعتبرونه «تمهيدا لحكومة المهدي المنتظر» ما يشير إلى دوافع آيديولوجية إلى جانب ما يردده قادة «الحرس الثوري» بشأن ضمان «المصالح القومية في المنطقة».
وحاولت وسائل إعلام إيرانية خلال السنوات الماضية تقديم سليماني بعيدا عن الطابع الآيديولوجي باعتباره «رمزا للقوة الإيرانية» بما فيها وسائل إعلام ناطقة باللغة الفارسية خارج إيران ولا تخضع لسيطرة الدولة الإيرانية.
الاثنين، نسبت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» استطلاع رأي لمؤسسة جامعية لم تذكرها بالاسم حول الشخصيات الأكثر شعبية في إيران. بحسب وكالة «فارس» تصدر سليماني بـ«بفارق شاسع» قائمة الشخصيات السياسية الأكثر شعبية في إيران خلال العام الماضي. واحتل إبراهيم رئيسي رئيس القضاء وأحد المرشحين لخلافة المرشد الحالي الرتبة الثانية «بعدما حقق تقدما سريعا خلال الشهور القليلة الماضية». وقالت الوكالة بأن وزير الخارجية محمد جواد ظريف «رغم التراجع الملحوظ حافظ على مكانه بين الشخصيات الثلاثة الأولى» وأضافت أن «معطيات استطلاع الرأي أظهرت انخفاضا شديدا في شعبية كل من الرئيس حسن روحاني ورئيس البرلمان علي لاريجاني والزعيم الإصلاحي والرئيس الأسبق محمد خاتمي».
ويبدو، التركيز على تداول اسم سليماني على مدى الأسبوع الماضي، احتفاء غير معلن بمرور 20 عاماً على توليه قيادة «فيلق القدس» بأمر من خامنئي، وبذلك هو أكثر قيادي عسكري يبقى في منصبه على مدى 3 عقود من حكم المرشد الحالي. وارتبط اسم سليماني بإمكانية ترشحه للرئاسة الإيرانية، أو توليه منصباً سياسياً. لكن لم يتضح ما إذا كان هدف الحملة مرتبطاً بتهيئة سليماني للعب دور أكبر في التوازنات السياسية الداخلية.
وسبق تصدر اسم سليماني على مدى الأيام القليلة الماضية، هجوم خامنئي على الدول الأوروبية التي تريد الحفاظ على الاتفاق النووي. وكانت الدول الأوروبية وجهت على هامش الجمعية العامة في الأمم المتحدة تحذيرا إلى إيران بالانسحاب من الاتفاق النووي. وقبل التحذير قالت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا في موقف مماثل للولايات المتحدة بأن إيران تتحمل المسؤولية عن هجمات أرامكو في 14 سبتمبر الماضي وشددت على ضرورة موافقة طهران على مفاوضات جديدة مع القوى العالمية تشمل البرنامج النووي وتطوير الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي، المرتبط باستراتيجية سليماني.



خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.