الجدل يتجدد حول «تجريم الإجهاض» في المغرب

بعد إدانة صحافية بسببه

صحافيون على مدخل المحكمة التي أدانت الصحافية هاجر الريسوني بتهمة الإجهاض في الرباط يوم الاثنين (أ.ف.ب)
صحافيون على مدخل المحكمة التي أدانت الصحافية هاجر الريسوني بتهمة الإجهاض في الرباط يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

الجدل يتجدد حول «تجريم الإجهاض» في المغرب

صحافيون على مدخل المحكمة التي أدانت الصحافية هاجر الريسوني بتهمة الإجهاض في الرباط يوم الاثنين (أ.ف.ب)
صحافيون على مدخل المحكمة التي أدانت الصحافية هاجر الريسوني بتهمة الإجهاض في الرباط يوم الاثنين (أ.ف.ب)

عاد مطلب إلغاء قانون تجريم الإجهاض في المغرب إلى الواجهة مجدداً، بعدما أدانت المحكمة الابتدائية بالرباط الصحافية هاجر الريسوني بالسجن النافذ مدة سنة، بالتهمة التي ظلت تتمسك بنفي ارتكابها، حيث تعالت الأصوات في وسائل التواصل الاجتماعي مطالبةً بإلغاء القانون الذي يرى بعض المغاربة أنه أضحى «متجاوزاً».
وبدأت تلوح في الأفق بوادر معركة حامية الوطيس تحت قبة البرلمان بين المعسكرين المختلفين حول الموضوع، في إعادة لمشهد الانقسام الذي عرفته الساحة السياسية سنة 2015 حول الإجهاض، بين إسلاميي «العدالة والتنمية» والهيئات القريبة منهم الرافضين لتحريره من جهة، و«التيار الحداثي» بمختلف مكوناته الذي يصر على رفع تجريم الإجهاض بشكل نهائي من جهة أخرى، ما استدعى تدخل المؤسسة الملكية لحسم الخلاف.
وأمر العاهل المغربي الملك محمد السادس في مارس (آذار) 2015، بتشكيل لجنة ضمت وزير العدل والحريات آنذاك مصطفى الرميد، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بالإضافة إلى رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان آنذاك إدريس اليزمي، بالانكباب على درس موضوع الإجهاض، بالتنسيق والتعاون مع المجلس العلمي الأعلى. واشتغلت اللجنة لمدة شهرين وخلصت إلى السماح بالإجهاض في حالات ثلاث هي: «عندما يشكّل الحمل خطراً على حياة الأم أو على صحتها، والحمل الناتج عن اغتصاب أو زنى المحارم، وفي حال التشوهات الخلقية الخطيرة والأمراض الصعبة التي قد يصاب بها الجنين».
وصادقت الحكومة السابقة برئاسة عبد الإله ابن كيران، في مايو (أيار) 2016، على مشروع قانون حول تقنين ظاهرة الإجهاض بالمغرب، وأحالته إلى البرلمان، وما زال ينتظر المناقشة في لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب وإدخال التعديلات عليه، تمهيداً لعرضه للتصويت أمام البرلمان قبل اعتماده النهائي.
وقال النائب عبد اللطيف وهبي، المنتمي لحزب «الأصالة والمعاصرة» (المعارض) إن فريق حزبه بمجلس النواب لديه تعديل سيطالب بإدخاله على قانون الإجهاض. وأضاف: «لدينا تعديل في القانون لإلغاء جريمة الإجهاض من القانون». وأكد وهبي في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أن الوضع الذي يعيشه المغرب اليوم «يفرض أن نلغي قانون تجريم الإجهاض»، معتبراً أن الحكم الصادر في حق الصحافية هاجر الريسوني «غير مقبول».
رأي القيادي في حزب «الأصالة والمعاصرة»، يختلف معه بشكل جذري، عبد العزيز أفتاتي، عضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» متزعم التحالف الحكومي بالبلاد، الذي يرى أن قضية الصحافية الريسوني لا علاقة لها بالإجهاض وما يثار حوله في الآونة الأخيرة، مؤكداً أنها «تعرضت لاعتداء سافر ومؤلم يستوجب الإنصاف». وشدد أفتاتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «لا يمكن أن نسمح بمزيد من استغلال الفتيات المستضعفات اللائي ينتمين إلى الفئات الهشة والمهمشة في المجتمع المغربي»، مشيراً إلى أن هذه الفئة هي التي ستؤدي «ثمن رفع تجريم الإجهاض وسيزيد استغلالهن أكثر وأكثر».
وزاد أفتاتي بنبرة لا تخلو من التحدي: «المشكل ليس فقط في القانون، بل مرتبط بالقانون والثقافة والأوضاع الاجتماعية، وعلى المطالبين بإلغاء تجريم الإجهاض أن يذهبوا لإقناع المغاربة البسطاء به، وإذا غيّر المجتمع قناعاته وبنيته نتبعه».
وأفاد أفتاتي بأن حزب «العدالة والتنمية» لا يمكنه أن «يشرعن لاستغلال المستضعفين. نحن لم نأتِ من المريخ، ونعرف ماذا يعتمل في المجتمع، ونعرف الطبقات المستغِلة والطبقات المستغَلة». وأبرز أن حزبه جاء لمواجهة «المترَفين لا ليسهّل لهم استغلال المستضعفين من الفئات الهشة».
من جهته، يرى المحلل السياسي المغربي محمد شقير، أن الحكم الصادر في حق الصحافية الريسوني أعاد تكريس الجدل حول الإجهاض وأكد أن هناك مطالب بضرورة إعادة النظر في القانون المؤطِّر له. وأوضح شقير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن سياق الدفاع عن حرية المرأة بالمغرب عاش مراحل مختلفة، مبرزاً أن المرحلة الراهنة «تجعلنا أمام محطة يمكن أن يتم فيها البحث عن قانون جديد». وأفاد شقير بأن المغرب يعيش «مخاضاً سياسياً وفكرياً وثقافياً حول مسألة الإجهاض يمكن أن تكون له تبعات في المستقبل القريب من خلال عرض قانونه في البرلمان للمناقشة والجدل الدائر حوله والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه»، موضحاً أن التوافق بين القوى السياسية بشأنه «من الصعب جداً أن يحصل، لأن هذه القضايا غالباً ما يتم تسييسها».
وزاد: «هناك وضع داخل المغرب يحتّم الحسم في هذه المسألة، لأن مسألة التطور الذي عرفته التركيبة الاجتماعية وتأخر سن الزواج عند المرأة يؤكد بالفعل أن القضية مطروحة على صانع القرار السياسي الذي من الضروري أن يحسمها من الناحية القانونية والاجتماعية»، لافتاً إلى أن «الجدل سيبقى مستمراً والقضية مطروحة بإلحاح ويتطلب الحسم فيها»، حسب رأيه.
أما الدكتور شفيق الشرايبي، رئيس جمعية «محاربة الإجهاض السري» فيقول: «شخصياً أرى أن الحكم الذي صدر في حق الصحافية والطبيب ومساعديه قاسٍ جداً. كما أنني لاحظت في الفترة الأخيرة تعامل السلطات بشيء من الصرامة غير المعهودة مع حالات الإجهاض، إذ بلغ عدد المتابَعين قضائياً بسبب ممارسة الإجهاض خلال السنة الماضية 73 شخصاً بينهم أطباء ومرضى». وحول مشروع القانون الموضوع لدى البرلمان يقول الشرايبي: «لو طُبق هذا القانون في المفهوم الضيّق للحالات التي حددها فإنه سيحل ما بين 10 و15% من حالات الإجهاض. لكن في رأيي يمكن أن تجد هذه المشكلة حلاً في القانون الجنائي المغربي الحالي الذي ينص في الفصل 453 منه على السماح بالإجهاض عندما تكون صحة الأم في خطر، وذلك شريطة أخذ مفهوم الصحة بمعناه الواسع الذي حددته المنظمة العالمية للصحة، والذي يشمل الصحة العقلية والبدنية والاجتماعية للمرأة».
من جانبه، أكد عبد الرزاق بوغنبور، رئيس «العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان»، أهمية تقنين الحق في الإجهاض، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تجريم الإجهاض وتجريم الممارسين له ولو كانوا أطباء مختصين لن يؤدي إلا إلى ارتفاع حالات الإجهاض السري بكل مخاطره، ناهيك بارتفاع عدد الرضع والأطفال المتخلَّى عنهم، حيث يشير بعض الإحصائيات إلى أن نحو 30 رضيعاً يتم التخلي عنهم يومياً. وأضاف بوغنبور أن «النساء يلجأن في حالة حمل غير مرغوب فيه إلى الإجهاض السري الذي يحصد أرواح عدد مهم منهن، حيث تشير الإحصائيات المقدَّمة من طرف الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري إلى أن العدد يتراوح بين 800 و1000 حالة يومياً مما يسهم بنسبة 4.2% في وفيات الأمهات، الأمر الذي يجعل تجريم الإجهاض وما يترتب عليه من مضاعفات إشكالاً صحياً كبيراً لدى النساء».
ودعا بوغنبور إلى فتح نقاش جديد حول هذه الظاهرة على مستويات عدة، مشيراً إلى ضرورة سد الفراغ القانوني، وإخضاع ممارسة الإجهاض للتأطير الطبي تحت سلطة القانون. وقال: «في غياب القانون يسود الإجهاض السري خارج مراقبة الطبيب المختص مع كل ما يمثله ذلك من مخاطر». كما دعا بوغنبور أيضاً إلى بحث الجوانب الأخرى المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية للنساء عموماً والفتيات على وجه الخصوص، مشيراً إلى أن تحسين ظروف وجودة تعليم الفتيات وسكنهن من شأنه أن يسهم في الحد من ممارسة الإجهاض خارج الإشراف الطبي.
على صعيد آخر، قررت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في مدينة فاس (وسط المغرب)، أمس، رفض البت في الدفوع الشكلية التي قدمها دفاع عبد العلي حامي الدين، القيادي في حزب «العدالة والتنمية»، متزعم التحالف الحكومي، الذي يواجه تهمة المساهمة في القتل العمد للطالب اليساري محمد آيت الجيد بنعيسى في تسعينات القرن الماضي. وأعلن رئيس المحكمة القرار بعد أسبوع من دخول القضية مرحلة التداول بشأن الدفوع الشكلية التي طالبت فيها هيئة دفاع حامي الدين ببطلان الدعوى العمومية لقاضي التحقيق، وأكد ضم هذه الدفوع إلى جوهر الملف، في رسالة مخيّبة للمتهم ودفاعه.
وحددت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في مدينة فاس 3 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، موعداً لبدء النظر في مضمون الملف، الذي عدّ دفاع حامي الدين إعادة فتحه «خطوة سياسية وسابقة تمس استقلالية السلطة القضائية بالبلاد».
ويأتي القرار بعد إصدار غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في فاس، قبل أسبوعين، حكماً بالسجن النافذ بحق 4 أعضاء من «العدالة والتنمية» على خلفية قضية مقتل آيت الجيد، في تسعينات القرن الماضي، إثر مواجهات دامية بين طلبة يساريين وإسلاميين بجامعة «سيدي محمد بن عبد الله» في فاس.
وقضت المحكمة بالسجن 3 سنوات بحق كل من توفيق كادي وعبد الواحد كريول، و3 أشهر بحق كلٍّ من عجيل عبد الكبير وقاسم عبد الكبير، بعدما كانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكماً بالبراءة، قبل أن تتم إعادة فتح الملف.
وسبق لهيئة الإنصاف والمصالحة أن أقرت بتعويض مالي لفائدة حامي الدين بعد أن ثبت لها تعرضه لاعتقال تعسفي من المستشفى الذي كان يرقد فيه بفاس بسبب إصابته بجروح في الرأس خلال الأحداث التي أدت إلى مقتل آيت الجيد.
وتعود وقائع القضية إلى سنة 1993 حينما تعرض الطالب اليساري للقتل قرب كلية العلوم القانونية والاقتصادية بفاس، إبان الصراع الآيديولوجي الدامي الذي كانت تعرفه الجامعة المغربية بين الحركات اليسارية والإسلامية.
وأُدين حامي الدين بالمشاركة في المشاجرة التي أدت إلى مقتل آيت الجيد، رغم أن حامي الدين ينفي ذلك، ويرى نفسه «ضحية». ووُجِّهت تهمة المشاركة في القتل إلى طالب من «جماعة العدل والإحسان» الإسلامية شبه المحظورة، يدعى عمر محب، اعتُقل عام 2006 وحُكم عليه بـ10 سنوات سجناً نافذاً، فيما تقول جماعته إنه «بريء ومحاكمته سياسية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.