تركيا تعلن «خريطة طريق متواضعة» للبرنامج الاقتصادي «المتعثر»

تضمنت خفضاً للأهداف المعلنة عقب أزمة الليرة

وزير الخزانة والمالية التركي برات البيراق خلال مؤتمره الصحافي في أنقرة أمس (رويترز)
وزير الخزانة والمالية التركي برات البيراق خلال مؤتمره الصحافي في أنقرة أمس (رويترز)
TT

تركيا تعلن «خريطة طريق متواضعة» للبرنامج الاقتصادي «المتعثر»

وزير الخزانة والمالية التركي برات البيراق خلال مؤتمره الصحافي في أنقرة أمس (رويترز)
وزير الخزانة والمالية التركي برات البيراق خلال مؤتمره الصحافي في أنقرة أمس (رويترز)

أعلن وزير الخزانة والمالية التركي، برات البيراق، ما سماه بـ«ملامح خريطة الطريق الجديدة للبرنامج الاقتصادي» متوسط الأجل المستهدف تحقيقه حتى عام 2022، تحت شعار «التغيير قد بدأ»، والتي شهدت تخفيضاً للأهداف التي أعلنتها الحكومة في البرنامج ذاته الذي كان البيراق أطلقه في 19 سبتمبر (أيلول) 2018.
وقال البيراق، في مؤتمر صحافي أمس (الاثنين)، إن خطته تستهدف نسبة 12 في المائة لمعدل التضخم السنوي بنهاية العام الحالي، بدلاً من 15.1 في المائة حالياً، مشيراً إلى أن أهداف التضخم للسنوات الثلاث المقبلة، ستكون 12 و8.5 و6 و4.9 في المائة للأعوام 2019 إلى 2022 على التوالي.
وبالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، ذكر البيراق أن الخطة تستهدف نسبة نمو 0.5 في المائة في العام الحالي، ونسبة 5 في المائة في كل من الأعوام الثلاثة التالية. أما البطالة، فتخطط الحكومة التركية لخفضها لتصل بنهاية العام الحالي إلى 12.9 في المائة، ثم إلى 11.8 و10.6 و9.8 في المائة في الأعوام الثلاثة المقبلة على التوالي.
وقفز معدل البطالة في تركيا إلى 13 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، بزيادة 2.8 في المائة مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي، مدفوعاً بأثر أزمة الليرة على النشاط الاقتصادي في البلاد. ويعدّ هذا المعدل الأعلى منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002.
ورأى البيراق أن هناك احتمالاً قوياً أن يحقق اقتصاد بلاده نمواً إيجابياً بنهاية العام الحالي، قائلاً إنه «رغم توقعات انكماش الاقتصاد التركي، بعد تقلبات قيمة الليرة التركية في أغسطس (آب) 2018، فإن هناك احتمالات قوية أن يحقق الاقتصاد نمواً إيجابياً العام الحالي».
وأضاف أن عامي 2019 و2020، يعتبران فترة توازن بالنسبة للاقتصاد التركي، وأن بلاده استطاعت النجاح في الفترة التي شهدت فيها الأسواق العالمية تخبطات، لافتاً إلى متانة البنية التحتية لاقتصاد بلاده، وقدرته على استعادة توازنه بسرعة بعد الهجمات التي تعرض لها. مشيراً إلى أن وزارته ستحافظ على المكتسبات التي تحققت في فترة التوازن.
كانت تركيا كشفت عن توقعات متشائمة في برنامجها الاقتصادي متوسط الأجل الذي أعلن في 19 سبتمبر 2018، وتضمن خفض توقعات النمو وزيادة توقعات البطالة والتضخم. وتوقعت الحكومة عند إعلان البرنامج، الذي جاء على خلفية أزمة حادة لليرة التركية فقدت خلالها 42 في المائة من قيمتها، أن يتجاوز معدل البطالة في البلاد 12 في المائة في العام الحالي، ورفع البيراق أمس هذه التوقعات إلى 12.9 في المائة.
وأظهرت بيانات العرض التوضيحي، الذي قدمه البيراق، تراجع النمو إلى 3.8 في المائة في 2018، مقابل أكثر من 7 في المائة العام 2017، وتوقع أن يكون معدل النمو في 2019 بنسبة 2.3 في المائة، وهو ما خفضه كثيراً في خريطة الطريق أمس إلى 0.5 في المائة.
في الوقت ذاته، قفز عجز التجارة الخارجية لتركيا بنسبة 1.2 في المائة على أساس سنوي في أغسطس الماضي إلى 2.5 مليار دولار. وكشف بيان لهيئة الإحصاء التركية، أمس، عن طفرة كبيرة في الواردات مقارنة بالصادرات؛ ما يشير إلى استمرار تدهور مؤشرات الاقتصاد التركي.
وأشار البيان إلى أن صادرات تركيا بلغت 12.52 مليار دولار، في حين قفزت الواردات إلى 15.02 مليار دولار بارتفاع 1.5 في المائة في أغسطس الماضي مقارنة مع الشهر ذاته العام الماضي. وانكمش الاقتصاد التركي 1.5 في المائة في الربع الثاني من العام الحالي، وهو ثالث انكماش فصلي على التوالي على أساس سنوي.
والأسبوع الماضي ذكر تقرير لوفد من خبراء صندوق النقد الدولي زار تركيا، أن اقتصادها لا يزال عرضة لمخاطر خارجية ومحلية، ومن الصعب تحقيق نمو قوي ومستدام إذا لم تنفذ الحكومة مزيداً من الإصلاحات.
وانتقدت مؤسسات ووكالات التصنيف الدولية البرنامج الاقتصادي للحكومة التركية، مشيرة إلى أنه كان بمثابة استدعاء لخطط قديمة فشلت الحكومة في تنفيذها، فضلاً عن استمرار عجزها عن تحقيق تقدم عبر البرنامج الجديد.
ورسمياً، بلغ عدد العاطلين عن العمل في السوق التركية، في يونيو الماضي، 4 ملايين و253 ألف شخص، بزيادة بلغت نحو 938 ألف شخص مقارنة مع يونيو 2018. وتؤكد المعارضة التركية، أن الرقم الحقيقي هو ضعف الرقم المعلن من هيئة الإحصاء الرسمية.
ويشكل تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر أحد مصادر قلق الحكومة التركية، فبينما بلغ 22 مليار دولار عام 2007، هبط إلى 13 مليار دولار العام الماضي، كما تسببت القفزة في التضخم وأسعار الفائدة بعدما فقدت الليرة 30 في المائة من قيمتها العام الماضي، إلى جانب تراجع الطلب المحلي بشدة، في دخول الاقتصاد مرحلة الركود للمرة الأولى منذ 10 أعوام.
وقال صندوق النقد، في بيان، بعد زيارة فريق من خبراء الصندوق إلى تركيا: «الهدوء الحالي (في أسواق المال التركية) يبدو هشاً. لا تزال الاحتياطيات منخفضة في حين لا يزال الدين الأجنبي للقطاع الخاص واحتياجات التمويل الخارجي مرتفعين».
ومع إعلان أكثر من 15 ألف شركة إفلاسها، لعجزها عن سداد مديونياتها والقروض التي حصلت عليها من البنوك، بعد أزمة الليرة، بات القطاع المصرفي في تركيا أكبر مالك للمصانع والشركات والوحدات السكنية المتعثرة.
وتواصل البنوك التركية الحجز على ممتلكات المواطنين المدينين في ظل الأزمة التي تعصف بالاقتصاد التركي، وتجبر الشركات على إعلان إفلاسها.
وبحسب بيانات هيئة تنظيم ومراقبة القطاع المصرفي، بلغت ديون القطاع الخاص المتعثرة لصالح البنوك 110 مليارات ليرة (نحو 20 مليار دولار)، في حين خاطبت الحكومة البنوك لوضع 46 مليار ليرة ضمن الديون المعدومة بنهاية العام الحالي (2019)، وتدبير مخصصات كافية لتغطية هذه الديون، ويخص أغلب هذه الديون شركات إنشاءات وطاقة قريبة من الحكومة. وبلغت ديون قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء للبنوك نحو 47 مليار دولار، في حين تبلغ الديون التي تحتاج إلى إعادة هيكلة نحو 13 مليار دولار.



ارتفاع طفيف للسوق السعودية بدعم من التأمين والمواد الأساسية

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع طفيف للسوق السعودية بدعم من التأمين والمواد الأساسية

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية «تاسي» جلسة الأحد، بارتفاع طفيف نسبته 0.03 في المائة، عند 11272 نقطة، بتأثير من قطاع التأمين والمواد الأساسية، وبلغت قيمة التداولات 4.27 مليار ريال (1.1 مليار دولار).

وارتفع سهما «بترو رابغ» و«البحري» بنسبة 1 و1.5 في المائة، إلى 10.9 و32.6 ريال على التوالي.

وتصدر سهم «أميانتيت» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 10 في المائة، إلى 15.63 ريال. كما ارتفع سهما «سابك» و«معادن» بنسبة 0.84 و0.46 في المائة، إلى 60.05 و65.7 ريال على التوالي.

وفي قطاع التأمين، سجل سهما «التعاونية» و«بوبا العربية» ارتفاعاً بنسبة 1 و2 في المائة، إلى 127.3 و174.1 ريال على التوالي. وصعد سهم «المراعي» بنسبة 1.2 في المائة إلى 44.48 ريال، بعد إعلان الشركة عن النتائج المالية للربع الأول من عام 2029.

في المقابل، تراجع سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 0.22 في المائة إلى 27.54 ريال.

وانخفض سهم «أكوا»، بنسبة 1 في المائة تقريباً، عند 168 ريالاً، يذكر أن أعلنت الأسبوع الماضي تقييد مؤقت لإنتاج الطاقة في مشروعين من مشاريعها الشمسية. وكان سهم «إعمار» الأكثر انخفاضاً بنسبة 7.6 في المائة، إلى 10.88 ريال.


زخم المحتوى المحلي بالسعودية: إنفاق وفرص استثمارية تتجاوز 352 مليار دولار

جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
TT

زخم المحتوى المحلي بالسعودية: إنفاق وفرص استثمارية تتجاوز 352 مليار دولار

جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)

شهدت جهود تعزيز المحتوى المحلي في السعودية خلال الفترة من 2019 إلى 2023 قفزة نوعية، انعكست في تسجيل إنفاق تراكمي على مشتريات الشركات بلغ نحو 683 مليار ريال (182.1 مليار دولار)، في حين أسهم «مجلس تنسيق المحتوى المحلي»، الذي يجمع عدداً من الجهات الحكومية والخاصة، في تنفيذ 10 مبادرات استراتيجية، إلى جانب تطوير نحو 461 فرصة استثمارية نوعية، بإجمالي قيمة تجاوز 640 مليار ريال (170.6 مليار دولار).

وتعكس هذه الأرقام تسارع وتيرة تمكين القطاع الخاص وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، بما يدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي ويرسخ مكانة الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، أعلنت «هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية» عن تحديث استراتيجية «مجلس تنسيق المحتوى المحلي»، التي تمتد 5 سنوات مقبلة؛ «وذلك بهدف ترسيخ دور (المجلس)؛ بوصفه مظلة وطنية تضم الجهات الرائدة من كبرى الشركات الوطنية والجهات الحكومية ذات العلاقة، في تنمية المحتوى المحلي».

وتأتي الاستراتيجية المحدثة «لتعزيز التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، وتطوير سياسات فاعلة تسهم في رفع الوعي وتنمية الاقتصاد الوطني، مع اتساع نطاق قطاعات الشركات الأعضاء، ليشمل قطاعات حيوية، مثل النفط والغاز، والكهرباء، والكيماويات، والتعدين، والقطاع العقاري والاتصالات والتقنية، والنقل والمرافق... وغيرها، بما يعكس شمولية استراتيجية (المجلس) لتحقيق متطلبات التنمية المستدامة».

التحولات الاقتصادية

ويأتي هذا التحديث في إطار مواكبة التحولات الاقتصادية وتعزيز كفاءة منظومة المحتوى المحلي، حيث شمل «تحديدَ رؤية ومنهجية واعدتين تتوافقان مع تطلعات المرحلة المقبلة، واستحداثَ أهداف ومؤشرات لقياس الأثر، وعدداً من المبادرات التي ستسهم في تحقيق مستهدفات (المجلس) الاستراتيجية، إلى جانب تطوير الهيكلة بإضافة لجان تخصصية تُعنى بـ4 محاور تعزز جهود المحتوى المحلي، مثل رفع كفاءة وفاعلية السياسات، وتطوير سلاسل الإمداد، والقدرات، ورفع الوعي».

وترأس الهيئة «مجلس تنسيق المحتوى المحلي» بعضوية كل من: وزارة الطاقة، ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، واتحاد الغرف التجارية السعودية، و«شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو)»، و«شركة الصناعات الأساسية السعودية (سابك)»، و«الشركة السعودية للطاقة»، و«شركة التعدين العربية السعودية (معادن)»، و«مجموعة إس تي سي»، و«مجموعة الخطوط السعودية».

كما شهدت «الاستراتيجية المحدثة» انضمام عدد من الأعضاء إلى «المجلس»؛ تمثل في: «شركة الطيران المدني السعودي القابضة (مطارات القابضة)»، و«شركة المياه الوطنية»، و«شركة نيوم»، و«مجموعة روشن»، و«الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار)».

بالإضافة إلى انضمام عدد من الشركات على مستوى اللجان التخصصية، مثل: «صلة»، و«الشركة الوطنية للشراء الموحد (نوبكو)»، و«شركة آلات للتقنيات»، و«سير» الوطنية للسيارات، و«المراعي»، و«الفنار»، و«البحري»، و«نسما وشركاهم»، و«الشركة السعودية للنقل الجماعي (سابتكو)».

مبادرات استراتيجية

وبين الرئيس التنفيذي لـ«الهيئة»، عبد الرحمن بن السماري، أنه منذ تأسيس «المجلس» في عام 2019، أسهم في «توحيد الجهود المتمثلة في تنمية المحتوى المحلي، وتعزيز وعي ونضج شركات القطاع الخاص، إلى جانب التوسع في سلاسل الإمداد الوطنية وتعزيز قدراتها التنافسية»، مشيراً إلى أن حجم الإنفاق التراكمي لإسهام المحتوى المحلي في مشتريات الشركات الأعضاء، «بلغ نحو 683 مليار ريال، منذ عام 2019 حتى 2023».

وأضاف السماري أن «المجلس»، خلال الفترة ذاتها، «أسهم في تنفيذ 10 مبادرات استراتيجية، وتطوير نحو 461 فرصة استثمارية نوعية بقيمة تتجاوز 640 مليار ريال، مما يعكس حجم الفرص والإمكانات، من خلال التعاون والعمل مع الأعضاء لتسخير المقومات الوطنية؛ لتعظيم نمو المحتوى المحلي في الاقتصاد الوطني بما يتماشى و(رؤية 2030)».


لماذا تُعد البتروكيميائيات «ترمومتراً» للنشاط الصناعي العالمي؟

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
TT

لماذا تُعد البتروكيميائيات «ترمومتراً» للنشاط الصناعي العالمي؟

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)

بعد الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت بتروكيميائيات في بعض دول الخليج، يواجه العالم واقعاً إضافياً جديداً يهدد بتعطيل سلاسل الإمداد من منبعها. فالنيران التي اندلعت في بعض المرافق في دول المنطقة ستخلّف تصدعات في ثقة الأسواق؛ إذ يمثل هذا التصعيد استهدافاً مباشراً للبنية التحتية التحويلية التي تغذي آلاف المصانع حول العالم.

قد لا يدرك الكثيرون أن برميل النفط الذي يخرج من باطن الأرض لا يكتفي بتشغيل المحركات فحسب، بل هو المادة الخام التي تصنع تفاصيل حياتنا المعاصرة. ويلعب قطاع البتروكيميائيات دور الجسر الذي يربط بين موارد الطاقة الأولية وآلاف المنتجات النهائية، من عبوات الغذاء والأجهزة الطبية إلى أجزاء السيارات والطائرات. بمعنى آخر، يعد هذا القطاع «ترمومتراً» حقيقياً للنشاط الصناعي العالمي؛ وبمجرد أن يهتز، تهتز معه سلاسل الإمداد في مختلف القارات.

هذه الصناعة تعتمد في جوهرها على تحويل مشتقات النفط والغاز الطبيعي، والمعروفة بـ«اللقيم» (مثل الإيثان والنافتا)، عبر عمليات كيميائية معقدة تُعرف بـ«التكسير»، إلى مواد أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين. هذه المواد هي لبنات بناء تُستخدم في تصنيع كل ما يحيط بنا. ومن هنا، تكتسب الهجمات الأخيرة خطورتها؛ فهي لا تستهدف مجرد مصانع، بل تضرب «المادة الخام» التي يقوم عليها الهيكل الصناعي العالمي.

كذلك، تتميز البتروكيميائيات بكونها صناعة «عابرة للحدود» بامتياز؛ حيث تُنتج المواد الأساسية في مناطق وفرة اللقيم مثل الخليج وأميركا لتُشحن إلى مراكز التصنيع الكبرى في آسيا وأوروبا. وهنا تكمن الحساسية المفرطة للقطاع تجاه التوترات الجيوسياسية؛ فأي تهديد للممرات المائية، وتحديداً مضيق هرمز، لا يرفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب فحسب، بل يضع الشركات أمام معضلة العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. وهو ما يتسبب في ارتفاع جنوني في أسعار مدخلات صناعات حيوية مثل البناء، والتغليف، والزراعة.

خريطة القوى العالمية

تتركز صناعة البتروكيميائيات عالمياً في أقطاب رئيسية:

  • الصين: المتربعة على العرش بوصفها أكبر منتج ومستهلك عالمي؛ حيث تقود النمو العالمي بفضل توسعاتها الهائلة التي تمثل حالياً 60 في المائة من إضافات الطاقة الإنتاجية للإيثيلين عالمياً.
  • السعودية: الرائدة بلا منازع في الشرق الأوسط؛ تساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي إنتاج الخليج، وبطاقة إنتاجية تتجاوز 118 مليون طن. وتعد خامس أكبر منتج للمواد الكيميائية عالمياً.
  • الولايات المتحدة: اللاعب المهيمن في المنتجات عالية القيمة، والمعتمد على «غاز الإردواز» المحلي وتكنولوجيا متطورة، مما يمنحها حصانة نسبية وميزة تنافسية كبرى في التصدير.
  • الهند: «العملاق القادم» الذي يسعى للاكتفاء الذاتي؛ ويُتوقع أن يصبح ثاني أكبر مستهلك للبولي إيثيلين عالمياً مع توسع ضخم في بنيتها التحتية الصناعية.
  • ألمانيا: تقود الصناعة الأوروبية، مع تركيز مكثف على الكيماويات المتخصصة والمواد عالية الأداء والمستدامة.
  • اليابان وكوريا الجنوبية: قوى صناعية كبرى تركز على الكيماويات الدقيقة والبلاستيك الهندسي المرتبط بصناعات التقنية المتقدمة والسيارات، وهي الأكثر تأثراً بأي نقص في «اللقيم» المستورد.
  • إيران وقطر والكويت: لاعبون محوريون في الشرق الأوسط يمتلكون قدرات إنتاجية ضخمة وصادرات حيوية تأثرت بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية الأخيرة.
  • الإمارات: مصدر صاعد بقوة مع زيادة مستمرة في الاستثمارات البتروكيميائية، خصوصاً في قطاع الصناعات التحويلية.
  • تايوان: مركز تصنيع رئيسي واستراتيجي للبوليمرات ولقيم البتروكيميائيات في منطقة جنوب شرقي آسيا.

قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، كانت تقارير مطلع عام 2026 ترسم مساراً حذراً لتعافي سوق البتروكيميائيات العالمي بعدما كان يرزح تحت ضغوط، ليصل حجمه إلى نحو 743 مليار دولار. غير أن الهجمات الأخيرة حوّلت سيناريوهات النمو المتوقعة إلى خطط طوارئ، ووضعت الدول المستوردة في مواجهة مباشرة مع خطر توقف الإنتاج الصناعي.

صهاريج تخزين البتروكيميائيات في محطة إنبريدغ إدمونتون في كندا (رويترز)

القوى المتضررة

تعد القارة الآسيوية الخاسر الأكبر من أي اضطراب في بتروكيميائيات الخليج، نظراً لاعتمادها الهائل على اللقيم القادم عبر مضيق هرمز:

  • اليابان وكوريا الجنوبية: تبرز هاتان الدولتان بوصفهما أكثر القوى الصناعية هشاشة أمام هذه الصدمة؛ حيث تستورد اليابان نحو 42 في المائة من حاجتها من النافتا من منطقة الخليج. وقد بدأت شركات البتروكيميائيات الكورية بالفعل في خفض معدلات تشغيل مصانعها بنسبة تصل إلى 50 في المائة نتيجة نقص الإمدادات.
  • الهند: تواجه تهديداً مزدوجاً يمس أمنها الغذائي؛ إذ تعتمد بشكل حيوي على الأسمدة الخليجية (اليوريا والأمونيا)، ويمثل تعطل هذه الإمدادات ضغطاً هائلاً على قطاعها الزراعي وتكاليف الغذاء.
  • أوروبا التي تعاني أصلاً من تكاليف طاقة مرتفعة، ستواجه الآن قفزة في أسعار المواد الخام، مما قد يؤدي إلى إغلاق المزيد من المصانع التي لم تعد قادرة على المنافسة السعرية.

...والمستفيدة

في المقابل، تخلق هذه الأزمة فرصاً لقوى أخرى لتعزيز نفوذها في السوق العالمية:

  • الصين: رغم تأثرها بارتفاع أسعار الطاقة فإن توسعاتها الضخمة في القدرة الإنتاجية (التي تمثل 60 في المائة من إضافات الإيثيلين العالمية) تمنحها القدرة على سد الفجوة التي خلفها تعطل إمدادات الخليج، مما قد يمكن بكين من إحكام قبضتها على سلاسل إمداد البلاستيك العالمية.
  • الولايات المتحدة: يبرز المنتجون الأميركيون بوصفهم «رابحاً استراتيجياً»؛ فصناعة البتروكيميائيات هناك تعتمد على «غاز الإردواز» المحلي، وهي معزولة تماماً عن اضطرابات مضيق هرمز، مما يسمح لها بزيادة صادراتها واقتناص حصص سوقية جديدة في أوروبا وآسيا بأسعار تنافسية.
  • روسيا وبيلاروسيا: تتحركان لملء الفراغ في سوق الأسمدة العالمي، مستفيدتين من تعثر صادرات «الأمونيا» و«اليوريا» من الخليج.