احتجاجات اقتصادية تعم المناطق اللبنانية

الجيش يفتح طرقاً قطعها متظاهرون... ومناوشات في محيط مقر الحكومة

جانب من المواجهات بين المتظاهرين والأمن في محيط السراي الحكومي ببيروت أمس (أ.ب)
جانب من المواجهات بين المتظاهرين والأمن في محيط السراي الحكومي ببيروت أمس (أ.ب)
TT

احتجاجات اقتصادية تعم المناطق اللبنانية

جانب من المواجهات بين المتظاهرين والأمن في محيط السراي الحكومي ببيروت أمس (أ.ب)
جانب من المواجهات بين المتظاهرين والأمن في محيط السراي الحكومي ببيروت أمس (أ.ب)

انحسرت المظاهرات الشعبية في لبنان، مساء أمس لتختتم يوماً طويلاً توسعت خلاله من العاصمة إلى مناطق أخرى في الشمال والجنوب والبقاع، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية والأزمات الاقتصادية والمالية المتفاقمة، وسط مخاوف تتعلق باستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية.
وتجمع مئات المتظاهرين وسط بيروت، أمس، تعبيراً عن امتعاضهم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعصف بالبلاد بشكل متزايد. وجرت مناوشات محدودة أمام مقر الحكومة حين حاول متظاهرون تخطي حواجز تابعة لشرطة مكافحة الشغب التي صدهم عناصرها بالدروع وبالهراوات أحياناً. كما أحرق متظاهرون إطارات سيارات لقطع شوارع العاصمة الرئيسية. ورددوا هتافات وحملوا لافتات طالبت بإسقاط الحكومة والنظام. وحمّل محتجون في وسط بيروت مسؤولين الفساد المستشري في البلد.
واتسعت المظاهرات بعد الظهر لتشمل مناطق لبنانية عدة، وصلت إلى البقاع حيث تجمع البعض قرب بريتال وقطع آخرون طريق رياق - بعلبك. أما في الجنوب فقطع المتظاهرون طرقاً رئيسية. كما خرج المحتجون في طرابلس ومناطق أخرى في الشمال، وحاول المتظاهرون قطع الطريق في ساحة النور في طرابلس قبل أن يمنعهم الجيش ويعيد فتحها.
وانتقدت وزيرة الداخلية ريا الحسن «أعمال الشغب». وقالت في تغريدة على «تويتر»: «أتفهّم تذمر الناس من الوضع الاقتصادي والمالي الصعب، ومن المؤكد أنني مع ‫حرية التظاهر والتعبير، لكنني لا أفهم صور ‫الحرق والتكسير والتمزيق والشتم التي تشوّه أي تحرك مطلبي». وأضافت: «كوزيرة داخلية، أثني على الأجهزة الأمنية في هذا النهار الطويل المتعب وجهود عناصرها التي لم تسمح لأشخاص بأخذ المظاهرات إلى مواقع أخرى بعيدة عن غايتها». وشددت على أنها لا تقبل بأن يتطاول أي عنصر أمني على مواطن.
وأثار توسع المظاهرات التي شهدت في طرابلس إحراق صور لمسؤولين، أسئلة عن جهات خفية داعمة لتلك التحركات الاحتجاجية، بينها «حزب الله»، في ضوء العقوبات المتزايدة عليه من الولايات المتحدة، وهو ما استبعدته مصادر قريبة من «تيار المستقبل»، مشددة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «نظام العقوبات لن يتغير باحتجاجات ومن دونها، والحزب يدرك ذلك».
وقالت المصادر إنه «من الواضح أن الاحتجاجات لم تكن منظمة»، لافتة إلى أن «التحشيد الذي تم عبر مواقع التواصل من المنطقي أن يحشد هذا العدد الذي شارك في المظاهرة». وإذ أشارت إلى أن وقوف أحزاب أو تيارات وراء التظاهر من شأنه أن يدفع بعدد أكبر من المحتجين إلى التظاهر، لم تنفِ أن الوضع اقتصادي سيئ، وهو دافع للتظاهر.
وعما إذا كان هناك تحريض من «حزب الله» على الاحتجاجات بعد تصعيد أميركي بالعقوبات على الحزب وتوعد بتشديدها، رأت المصادر أن «منطق الأمور يؤكد أن نظام العقوبات على الحزب لن يتغير، والضغط يأتي من قبل واشنطن ولن يتغير نظام العقوبات في حال الضغط على الحكومة اللبنانية». وأكدت أن إسقاط الحكومة «لن يغير الكثير بالنسبة للعقوبات على الحزب، بل على العكس سيضره أكثر».
وحاول سياسيون ووزراء طمأنة اللبنانيين إلى الوضع الاقتصادي، إذ غرد وزير الاتصالات محمد شقير عبر حسابه في «تويتر» قائلاً: «تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان، ووجع الناس، كل الناس، يدفعنا اليوم أكثر من أي وقت مضى لمزيد من العمل والجدية والحرفية لتخطي الأزمات الراهنة. الحلول ليست مستحيلة، لكن علينا جميعاً تحمل مسؤولياتنا والعمل من دون هدر للفرص والأوقات والتلهي بالمناكفات».
وتجمع نحو 500 محتج يرفعون الأعلام اللبنانية وهم يهتفون «ثورة، ثورة» في ساحة الشهداء الواقعة وسط بيروت قبل أن يتوجهوا إلى البرلمان ومقر الحكومة. وهتف المحتجون أمام البرلمان «السرايا والمجلس، حرامية حرامية» و«الشعب يريد إسقاط النظام». وواصل المحتجون محاولاتهم الدخول إلى السراي الحكومي واجتياز الحواجز والأسلاك الشائكة، بينما تمركزت قوات مكافحة الشغب في الموقع، وأثيرت مخاوف من تجدد المواجهات التي سبق واندلعت في احتجاجات سابقة.
وانسحب عدد من المشاركين بعد التحرك نحو السراي الحكومي، لكن آخرين أقدموا على قطع عدد من الطرق في محيطه، وأشعلوا الإطارات المطاطية. وانتشر المئات من عناصر مكافحة الشغب لضبط التحركات الاحتجاجية في أكثر من منطقة وسط العاصمة. وقامت مجموعات من المتظاهرين تجول على دراجات نارية في زقاق البلاط وكركول الدروز وشارع مار إلياس، بأعمال شغب، محاولة قطع الطريق أمام ثانوية الحريري في البطريركية عبر وضع مستوعبات النفايات في وسط الطريق.
وقطع المتظاهرون السير عند مستديرة الكولا كما أفيد عن مواجهات أمام جامع محمد الأمين وسط بيروت، وحصلت عملية كر وفر بين القوى الأمنية والمحتجين قرب المرفأ في الصيفي. واستطاعت القوى الأمنية إعادة فتح معظم الطرق في بيروت بعد الظهر.
وفي الشمال، ارتفعت حدة التصعيد، وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن «شباناً قطعوا أوتوستراد طرابلس - بيروت»، كما شهدت ساحة عبد الحميد كرامي، وسط مدينة طرابلس، اعتصاماً عمد خلاله المشاركون إلى حرق شعارات سياسية كانت قد رفعت في وقت سابق في الساحة، وكذلك إضرام النار في عدد من الإطارات. ورددوا هتافات تطالب بإسقاط الحكومة، كما عمد بعض الشبان إلى نزع صور ورايات حزبية من ساحة النور. وألقيت كلمات نددت بـ«الحرمان المزمن للمدينة»، مطالبة بـ«رحيل العهد والحكومة والعمل سريعاً على تحسين الأوضاع المعيشية وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين ومحاسبة الفاسدين». وأعلنت استمرار الاعتصام «اليوم وغداً وفي الأيام المقبلة حتى تحقيق كل المطالب».
وفي العبدة في الشمال حيث قطعت الطريق الدولية، طالب المحتجون بـ«عدم تحميل الناس المزيد من الأعباء، ووقف الهدر والفساد، وتأمين فرص عمل للشباب»، إضافة إلى مطالب محلية بينها فتح الجامعة اللبنانية في العبدة، وإعادة فتح مطار القليعات، بينما عمد بعضهم إلى إضرام النار في مستوعبات النفايات، ووضعوها في منتصف الطريق. وشهد الاقتصاد اللبناني خلال السنوات الأخيرة تراجعاً حاداً، مسجلاً نمواً بالكاد بلغ 0.2 في المائة في 2018، بحسب صندوق النقد الدولي. وأقر البرلمان في يوليو (تموز) الماضي ميزانية تقشفية لعام 2019 سعياً للحد من العجز العام.
وارتفع الدين العام إلى 86 مليار دولار، أي أكثر من 150 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي، وهي ثالث أعلى نسبة في العالم بعد اليابان واليونان. وازدادت المخاوف في الأيام الأخيرة من احتمال مراجعة سعر الصرف الثابت لليرة الذي حدده مصرف لبنان منذ عقدين بـ1500 ليرة للدولار.
وأوردت وسائل الإعلام أن المصارف ومكاتب الصرافة حدت من بيع الدولار خشية تراجع احتياطي العملات الأجنبية. وبات من شبه المستحيل سحب مبالغ بالدولار من آلات الصرف الآلي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.