دييغو سيميوني: شخصيتي لا تعرف المستحيل

المدير الفني لأتلتيكو مدريد يؤكد أن أبرز صفاته الإصرار والعزيمة

سيميوني أنهى هيمنة ريـال مدريد وبرشلونة على البطولات الإسبانية
سيميوني أنهى هيمنة ريـال مدريد وبرشلونة على البطولات الإسبانية
TT

دييغو سيميوني: شخصيتي لا تعرف المستحيل

سيميوني أنهى هيمنة ريـال مدريد وبرشلونة على البطولات الإسبانية
سيميوني أنهى هيمنة ريـال مدريد وبرشلونة على البطولات الإسبانية

غمس نجلي الأصغر، جوليانو، الكرواسان في الحليب، وأكل قطعة منه ثم نظر إلى وقال: «لكن يا أبي، إذا قمت بعمل جيد هناك فهذا يعني أنك لن تعود إلى هنا ثانية». ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً حتى الآن، لأنه اليوم الذي استقبلت فيه المكالمة الهاتفية التي غيرت كل شيء في حياتي. وكانت هذه المكالمة من مسؤولي نادي أتليتكو مدريد، الذين قالوا إنهم يريدون أن يتحدثوا معي لأنهم يريدون أن أتولى قيادة الفريق.
كنت في ذلك الوقت في مدينة «مار ديل بلاتا» الساحلية في الأرجنتين لقضاء بضعة أيام مع جوليانو، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك ثماني سنوات فقط، وكنا نجلس في مقهى وأحتسي أنا القهوة في حين كان هو يشرب الحليب، وقلت له: «انظر، هناك فرصة لتولي القيادة الفنية لنادي أتليتكو مدريد، ولا أعرف ماذا أفعل». فكر جوليانو في الأمر لبرهة، ثم قال: «هل ستذهب وتكون مديرا فنيا لفالكاو؟ وهل ستلعب ضد ميسي؟ وهل ستلعب ضد رونالدو؟» كان الطفل يقول كل ذلك لي، وأنا أرد عليه قائلا: نعم. لكنه صمت قليلا ثم قال: «يا أبي، لو قمت بعمل جيد هناك، فلن تعود إلى هنا أبدا».
وفي الحقيقة، كان لهذا الأمر مميزات وعيوب، فمن جهة كانت هذه فرصة جيدة لأن أقدم عملا جيدا، لكن من جهة أخرى كان من الصعب للغاية أن أفكر في أن يكبر أولادي بعيدا عني. لقد كنت في السابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين من عمري عندما قررت أن أكون مديرا فنيا. كنت أعود إلى المنزل بعد نهاية التدريبات في لاتسيو، وأمسك بعض الأوراق وأتخيل أنني أتحدث إلى اللاعبين في حصة تدريبية. لقد كنت أتصرف مثل الأطفال الذين يتخيلون بعض الأشياء ويقومون بها وهم ويلعبون. لقد كنت أقوم بنفس الشيء وأنا شخص بالغ، وأتخيل أنني مدير فني. لقد تخيلت أنني أقود فريقا وأنني أقود جزءا من التدريبات، وتخيلت المباراة القادمة وخططت لكل ما أحتاجه في تلك المباراة!
وبنهاية ذلك اليوم، كنت محاطاً بالكثير من الأوراق، وكل ورقة منها عليها بعض الرسومات أو الملاحظات التي دونتها. لقد كنت أحب تدوين أي شيء يخطر في بالي، كما أن القيام بكل هذه الأشياء قد ولد الكثير من الحماس في نفسي. إن أكبر شغف لأي مدير فني هو أن يعمل على تحسين وتطوير لاعبيه. ورغم أن الجميع يرغب في الطبع في الحصول على البطولات والألقاب، إلا أنني أعتقد أن أفضل «بطولة» للمدير الفني هي رؤية لاعبين مثل كوكي ولوكاس هيرنانديز وأنخيل كوريا – الذين بدأوا الطريق من بدايته وجاءوا من الدوريات الأدنى وأصبحوا لاعبين محترفين على مستوى عالٍ.
وعندما حان الوقت للتوقف عن اللعب والبدء في العمل كمدير فني، عدت إلى الأرجنتين؛ حيث أنهيت مسيرتي الكروية مع نادي راسينغ كلوب. وفي المرة الأولى التي عرضوا علي فيها العمل كمدير فني للنادي، رفضت العرض، وحدث نفس الأمر في المرة الثانية. لكنني وافقت على القيام بهذه المهمة عندما عرضوا علي قيادة الفريق للمرة الثالثة.
لقد كان الفريق في حالة يرثى لها، وكنت أعرف ذلك جيدا. لكنني كنت أعرف اللاعبين أيضاً، لأنني كنت ألعب معهم وكنت أعرف جيدا أنه يمكننا القيام بعمل جيد. وبدأت العمل على الفور، ويمكنني أن أقول إن الجلوس على مقاعد المدربين لأول مرة هو أصعب شيء يمكن أن يمر به أي مدير فني. وبالنسبة لي، فقد استغرق الأمر بعض الوقت لكي أتكيف مع الوضع الجديد.
وللأسف، خسرنا أول ثلاث مباريات، ولم نسجل أي هدف، وكان الناس في راسينغ كلوب متوترين للغاية. وكان النادي يعاني من الكثير من المشكلات، لكن المرور بهذه التجارب جعلنا أكثر قوة، وأعطانا المزيد من الطمأنينة بشأن ما نقوم به. إن أبرز صفتين في شخصيتي هما الإصرار والعزيمة، وعندما أريد القيام بشيء فإنني لا أتوقف مطلقا عن السعي لتحقيقه فشخصيتي لا تعرف المستحيل.
ويعيدني هذا مرة أخرى إلى نادي أتلتيكو مدريد، فعندما رحلت عن النادي عام 2005 لم أكن أشارك كثيرا مع الفريق، وكنت أعرف جيدا أنني لم أقدم المستوى المتوقع هناك لأنني لم أتمكن من إقناع المدير الفني بقدراتي كما ينبغي، نتيجة للكثير من الأمور، من بينها الحديث آنذاك عن تقدمي في السن وتأثير ذلك على الصحافيين والجمهور وكل ما هو محيط بي.
لكن منذ اللحظة التي رحلت فيها عن مدريد، بدأت أستعد لعودتي مرة أخرى. كنت أعرف أنني سوف أنهي مسيرتي الكروية في الأرجنتين وأنني سأبدأ العمل في مجال التدريب هناك بعد ذلك. لكنني، بطريقة ما، كنت أعرف أيضاً أن الفرصة ستأتي لتولي قيادة أتلتيكو مدريد عندما يمر النادي بفترة صعبة، لذلك كنت أستعد لتلك اللحظة.
وعندما حدث ذلك، لم أفكر كثيراً فيما سأقوله في لقائي الأول مع اللاعبين. في الحقيقة، لم أكن أبداً ذلك الشخص الذي يقوم بإعداد كافة التفاصيل المتعلقة بما سيقوله للاعبين، وأحاول دائما أن أكون تلقائيا وعفويا، وأن أتكلم بما أشعر به. وكنت أعرف أن لدي ميزة كبيرة وهي أنني قد لعبت في هذا النادي لمدة خمس سنوات ونصف، وبالتالي كنت أعرف كل شيء يحدث داخل جدران النادي، فقد كنت أعرف الكثير من اللاعبين والمسؤولين والعاملين ورئيس النادي، ومقاعد ملعب «فيسنتي كالديرون»، وبعض الأشخاص الذين يجلسون عليها. وبالتالي، فإن معرفة كل هذه الأمور منحتني الفرصة للتوجه مباشرة نحو ما يريدون.
لقد كان الجميع في أتليتكو مدريد يريدون بناء فريق قادر على المنافسة على البطولات والألقاب، فريق قوي من الناحية الدفاعية ويلعب على الهجمات المرتدة ويكون مصدر إزعاج للأندية الكبيرة. وبالتالي، ركزت على تحقيق هذه الأهداف. وعندما وصلت إلى مدريد، لم يكن النادي يمر بفترة جيدة؛ حيث كان يحتل المركز العاشر في جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز، كما ودع كأس ملك إسبانيا بعد الخسارة أمام فريق الباسيتي، لكنني كنت أؤمن تماما بأنه يمكن لهذه المجموعة من اللاعبين أن تحقق ما يريده النادي. وكانت هناك علاقة قوية للغاية بين الجمهور واللاعبين، وبالتالي كان يجب استغلال هذه العلاقة في تحسين نتائج وعروض الفريق.
وكانت نقطة البداية الحقيقية بعد خمسة أشهر من وصولي لهذا النادي؛ حيث حصلنا على لقب الدوري الأوروبي، وهو ما كان بداية لمرحلة جديدة ومهمة في تاريخ النادي، وكان ذلك بمثابة تتويج لجهودنا والتزامنا خلال الفترة السابقة. وقد ساعدنا ذلك على أن نرى الحقائق بوضوح من حولنا. ومن دون أدنى شك، كان الفوز بلقب الدوري الأوروبي هو نقطة البداية والانطلاق لهذه المجموعة من اللاعبين، الذين آمنوا منذ البداية بقدرتهم على القتال ضد الفرق الكبيرة. إن الفوز بلقب الدوري الإسباني الممتاز على حساب ريـال مدريد وبرشلونة يعد أمرا شبه مستحيل. وعلى مدار هذا العقد من الزمان، كان هذان الفريقان يضمان كوكبة من اللاعبين البارزين.
لكن من خلال العمل الجاد والاستمرارية والمثابرة، وكذلك اللاعبين الكبار - لأنه من دون لاعبين كبار لا يمكنك تحقيق ما حققناه - نجحنا في تحويل المستحيل إلى ممكن. لكن كيف حققنا ذلك؟ من خلال العمل الدؤوب بشكل يومي والإيمان بقدرتنا على تحقيق ما نسعى للقيام به. وفي ثاني موسم كامل لي مع الفريق، كانت الفرصة سانحة لنا للمنافسة على اللقب، لأن أحد هذين الفريقين العملاقين، وهو ريـال مدريد، كان قد انحرف قليلا عن المسار الصحيح، وبالتالي كان يتعين علينا أن نتفوق على العملاق الآخر المتبقي وهو برشلونة.
وفي اليوم الأخير من ذلك الموسم، ذهبنا لمواجهة برشلونة على ملعب «كامب نو» ونحن بحاجة لنقطة واحدة فقط من أجل الفوز بلقب الدوري. لقد كان يتعين علينا أن نفرض أسلوبنا داخل الملعب، وهو الشيء الذي يكاد يكون مستحيلا أمام العملاق الكتالوني على ملعبه ووسط جمهوره. وبعد صافرة النهاية، بدأت أنا ومساعدي، جيرمان بورغوس، في الضحك. لقد كنا نعلم أنه بإمكاننا الفوز باللقب، لكن عندما تأكد ذلك وأصبح أمرا واقعا، كان أول شيء شعرت به هو السعادة الغامرة. لكن بعد ذلك انتابني مزيج كامل من المشاعر والأحاسيس.
ومن المؤكد أن هذا الموسم سيظل خالدا في تاريخ كرة القدم الإسبانية. لكن في عالم كرة القدم، من المستحيل أن تتوقف وتفكر وتستمتع بما حدث، لأنه حتى عندما تخلد إلى النوم يكون هناك شخص آخر يعمل بكل قوة. وفي بعض الأحيان نتساءل عما إذا كان من الممكن أن نعمل لمدة 24 ساعة في اليوم، بحث يعمل أحدنا هنا والآخر في مكان آخر، لأن كرة القدم صعبة للغاية وتتطلب الكثير من العمل المتواصل.
في الحقيقة، ليس لدينا نفس الخيارات المتاحة أمام الأندية العملاقة. لذلك، علينا أن نحاول أن نكون مبدعين، مع مراعاة ما نحتاجه لجعل الفريق أفضل واللاعبين الذين يجب تطوير قدراتهم من أجل تحسين أداء الفريق ككل. ونحن نعمل عاما بعد عام على إضافة عناصر القوة للفريق، وهذا يعني أنه يتعين علينا أن نعمل بشكل متواصل وأن نتجنب الإخفاقات فيما يتعلق بالتعاقد مع اللاعبين الجدد.
وفي الحقيقة، يعد هذا أمرا صعبا ومرهقا للغاية، وأنا أدعو الله دائما أن يمنحني القوة التي تجعلني أتحلى بالهدوء والقدرة على أن أقول ما أشعر به. وهذا أصعب شيء يجب الحفاظ عليه، لأنه من يوم إلى آخر قد تخور قواك ولا تعود قادرا على تقديم المزيد.
ويمكنك أن ترى أن مسيرتي كلاعب تؤثر بشكل كبير على الطريقة التي أعمل بها كمدير فني. ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من الأشياء التي اكتسبتها من اللعب في إيطاليا وإسبانيا والتي تجعل الكثيرين يقولون إنني مدير فني ألعب بطريقة دفاعية. لكن الحقيقة هي أن هناك اختلافا كبيرا بين اللعب والتدريب. فعندما تكون لاعبا فإنك لا تفكر سوى في نفسك فقط، بصرف النظر عن معرفة احتياجات الفريق. لكن عندما تكون مديرا فنيا فيتعين عليك أن تهتم بكل صغيرة وكبيرة تحدث داخل الفريق، ويتعين عليك أن تجعل كل شيء جيداً وأن تفكر في كيفية مواجهة نقاط القوة لدى منافسيك وأن تستغل نقاط القوة لديك.
وقبل كل شيء، يجب أن تكون قوياً لأنك ستواجه، طوال الموسم، الكثير من الأوقات التي يتعين عليك خلالها أن تجد الكلمات المناسبة في الوقت المناسب حتى يمكنك تحفيز اللاعبين دائما لكي يواصلوا العمل بنفس القوة. ولكي تتمكن من إيجاد هذه الكلمات يتعين عليك أن تكون متفتح العقل وأن تستمع كثيرا لآراء الآخرين وأن تسأل كثيرا أيضا. وبعد ذلك، فإنني أفعل ما أعتقد أنه الأفضل للجميع.
ولا يختلف الأمر عما فعلته في ذلك المقهى في مدينة «مار ديل بلاتا» عندما قلت لنجلي جوليانو: «لا أعرف ماذا أفعل». وبعد مرور سبع سنوات، يجب أن أقول إن أتليتكو مدريد قد أصبح هو كل حياتي، خاصة أنني عملت مع هذا النادي لمدة 13 عاما، كلاعب وكمدير فني، وقد تمكنت خلال هذه الفترة من تحويل شبه المستحيل إلى حقيقة على أرض الواقع.
ولا شك في أن عملية إعادة البناء التي يمر بها أتلتيكو مدريد في الوقت الراهن ليست سهلة على الإطلاق، خاصة بعد رحيل الكثير من النجوم مثل أنطوان غريزمان ودييغو جودين. بالطبع لم يكن الأمر سهلا في ظل هذه التغييرات الكثيرة، النادي يعمل من أجل الحصول على اللاعبين الذين نحتاجهم في هذا المشروع الجديد. ويعد اللاعب البرتغالي جواو فيليكس أحد الوافدين الجدد على أتلتيكو مدريد في فترة الانتقالات الصيفية الحالية، كما يعد الصفقة الأغلى في تاريخ النادي الإسباني. جواو مثله مثل جميع اللاعبين الشباب الآخرين، إنه يعمل بأفضل طريقة ممكنة، ويمكنه، ببعض التوفيق، أن يكون أكثر تطورا في المستقبل. يتميز بطريقة لعب جيدة، لقد استمتعت بمشاهدته منذ مجيئه، لديه رؤية جيدة، وتحكم جيد، سنساعده على النمو والتطور ليصبح لاعبا أفضل وأقوى.


مقالات ذات صلة

الدنماركي كريستنسن مدافع برشلونة يتعرض لإصابة جديدة

رياضة عالمية أندرياس كريستنسن (أ.ب)

الدنماركي كريستنسن مدافع برشلونة يتعرض لإصابة جديدة

تعرض الدنماركي أندرياس كريستنسن، مدافع برشلونة، لإصابة جديدة خلال مباراة فريقه أمام مضيفه إشبيلية أمس السبت، ليغادر الملعب في الدقيقة 58 متأثراً بإصابة في ساقه.

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية  هانزي فليك (إ.ب.أ)

مدرب برشلونة يثني على رافينيا بعد «هاتريك» إشبيلية

أشاد الألماني هانزي فليك المدير الفني لبرشلونة بالبرازيلي رافينيا بعد تألقه وقيادته الفريق للفوز على إشبيلية 3 - 1.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية كيليان مبابي (رويترز)

مشجعون لريال مدريد يطالبون مبابي بالاعتذار بسبب قميص دعم سبتة

طالبت مجموعة من مشجعي ريال مدريد باعتذار علني من الفرنسي كيليان مبابي واثنين من زملائه في الفريق بعد طي قميص الإحماء المخصص لدعم مدينة سبتة قبل مواجهة إلتشي.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية رافينيا (أ.ف.ب)

رافينيا: لاعبو برشلونة متعطشون لتسجيل مزيد من الأهداف

بعد أن حقق فريق برشلونة الإسباني أكبر انتصار له في الدوري هذا الموسم، قال رافينيا إنه وزملاءه متعطشون لتسجيل الأهداف، وإنهم سيواصلون العمل من أجل تحقيق ذلك...

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية كيليان مبابي (رويترز)

مبابي: أتضامن كلياً مع سبتة وسكانها

أكد الفرنسي كيليان مبابي، مهاجم ريال مدريد الإسباني، أنه «يتضامن مع سبتة» وسكانها، وذلك في أعقاب لَفِّه قميص الإحماء قبل مباراة فريقه أمام إلتشي...

«الشرق الأوسط» (لندن )

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.