المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

«ديوان الحماسة» لأبي تمام يبقى الأهم في تاريخ الاختيار الشعري العربي

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
TT

المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ

شكلت كتب المختارات طريقة ومنهجاً في التأليف، فقد أخذت تلك الطريقة مساحة كبيرة في النقد العربي القديم، وشكلت ظاهرة لافتة في حركة الشعر العربي، فأولى المدونات الشعرية هي عبارة عن مختارات شعرية لـ130 قصيدة، وهي المفضليات، التي تُعدُّ أقدم مجموعة في اختيار الشعر العربي، ومن بعدها ظهرت الأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب، وقد فتحت تلك المختارات نافذة للنقدية العربية في تقسيم الشعراء إلى طبقات من الفحول وغير الفحول، وحسب معايير النقد القديم.
ولكن كما أظن تبقى مختارات أبي تمام (ديوان الحماسة) أحد أهم المختارات في تاريخ الاختيار الشعري العربي، حيث كان منسوب الوعي في أعلى مستوياته، هذا إذا علمنا أنَّ الاختيار قطعة من القلب كما يقولون، لذلك جاءت مختارات أبي تمام مبوّبة وموزعة حسب الأغراض، فضلاً عن ابتكاره أغراضاً جديدة، لم تكن معهودة في الشعر العربي، ولكن ثقافة أبي تمام سمحت له أنْ يضع جملة من الأشعار، في باب سماه «باب مذمة النساء» ومن ثم توالت المختارات بهذا الاسم؛ اسم «ديوان الحماسة»، فظهرت «حماسة الشجريين، والحماسة البصرية، وديوان الحماسة للمرزوقي، وللبحتري، وديوان الحماسة للتبريزي».
ومن ثم حدثت شبه قطيعة في فكرة المختارات، حتى وصلنا إلى بداية القرن العشرين، حيث اجتهد الشعراء في أن يكونوا على شكل مجاميع منظمة، تطرح أفكارها وتوجهاتها، فظهر لنا كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، وهو يمثل أول مختارات معاصرة تتضمن طروحات فكرية وتنظيرية وفيها مجمل رؤية هذه المجموعة للشعر مع نصوصهم التي اختاروها والتي زعموا أنها تمثل توجههم الشعري المتوافق مع تنظيرهم النقدي، الذي انصب في نقد الشعراء الذين سبقوهم، وبالتحديد أحمد شوقي وأدب المنفلوطي ودعوا فيه إلى التجديد الشعري، الذي طردوا من ساحته شعر المناسبات والإخوانيات، ومن ثم ظهرت جماعة «أبوللو» الذين اجتمعوا في مجلة، ولم تجمعهم مختارات أو ديوان مشترك.
ولكن بظهور هاتين الحركتين بدأ التوجه نحو التجمعات الشعرية في أنْ تكون عصبة قوية، تقف بوجه السابق، أياً كان ذلك السابق، فأحمد شوقي وقف بوجهه العقاد، والعقاد وقف بوجهه أحمد عبد المعطي حجازي، والآن شعراء قصيدة النثر الشباب في مصر وقفوا بوجه حجازي. وهكذا تدور عجلة التحوَّلات الفكرية والثقافية، في بث أنساقها في كل مرحلة من المراحل، وحين نعود إلى المختارات يجب أنْ نتوقف عند ديوان الشعر العربي لأدونيس الذي يمثل وجهة نظر الحداثة إزاء الشعر العربي، الذي نقاه وخلَّصه من كل ارتباطاته الوظيفية، والغرضية، فاختار لنا شعراً صافياً للشعر وحده، أمَّا المختارات المعاصرة، التي سخنت كثيراً في الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى هذه اللحظة، حيث حاول «حزب البعث» في بداية قبضته على السلطة، أنْ يدعم مجموعة من الشعراء، فظهرت قصائد مختارة من شعراء مجلة «الطليعة العربية» عام 1977 لـ47 شاعراً، من جيل الخمسينات، والستينات، والسبعينات الذين يُعدّون في بداية مشوارهم الشعري في ذلك الوقت، كخزعل الماجدي ومرشد الزبيدي وغزاي درع الطائي وفرج ياسين وساجدة الموسوي وآخرين ليس لهم حضور شعري بارز، ولكن هذه الأنطولوجيا محددة بغرض واحد وواضح؛ وهو التبشير بشعراء القومية العربية، وبأنَّ هؤلاء الشعراء من أجيال مختلفة، وأشكال شعرية متناوبة بين العمود التقليدي، والتفعيلة، يمثلون وجه الوطن العربي المقبل، لذلك طعَّموا هذه المختارات بشعراء عرب مثل سليمان العيسى وخليل الخوري، وما تبقى هم الشعراء العراقيون، الذين احتوت معظم قصائدهم المختارة جانباً واحداً؛ وهو التفاؤل لمستقبل الأمة العربية، وتجاوز الأزمات وبالأخص أيام النكسة، لذلك لم نجد أي شاعر شيوعي، أو من ميول ماركسية، أو حتى مستقل، لذلك فهذه المختارات التي ركزت على الستينيين حذفت منها فاضل العزاوي وفوزي كريم ومن قبلهم سعدي يوسف ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد والبياتي وعشرات آخرين، لم يُذكروا في هذه المختارات، لسبب آيديولوجي، لذلك مثلت تلك المختارات وجهة نظر الحكومة، أو السلطة الثقافية المتحكمة بالشأن الثقافي في تلك المرحلة.
ولذلك كان هذا الكتاب منصباً على معظم الجيل الستيني، الذي لم تبشر تلك المختارات بأي حركة أدبية أو فنية، لغلبة الطابع الثوري فيها والآيديولوجي، وكانت هذه المختارات من إعداد الشاعر والناقد الدكتور علي جعفر العلاق، وبعد مرور ما يقارب 10 سنوات، ظهر كتاب للناقد الدكتور حاتم الصكر «مواجهات الصوت القادم» 1986، وهو دراسة نقدية عن تجربة الجيل السبعيني، مع بعض الثمانينيين مع مختارات من نصوصهم، وكانت هذه المختارات لا تمثل توجهاً مؤدلجاً، فهي ليست قريبة من السلطة كما أنها ليست معارضة لها، لكنها أخذت التوجه الفني للشعراء، وانحيازهم للحداثة دون غيرها، ومن ثم توالت فكرة المختارات، أو الدواوين المشتركة، فقد كتب عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» وكانت مقتصرة على شعراء قصيدة النثر، علماً أنَّ عنوان المختارات يوجب عليهم أنْ يلمَّوا بمجمل الشعر العراقي، لكنهم ينطلقون من فكرة مصادرة أي شكل غير قصيدة النثر، وطرده خارج الشعرية العراقية بل والعربية.
كما أصدر بيت الشعر الفلسطيني مختارات لمجموعة من الشعراء العراقيين تحت اسم «أنساغ القلب» وكانت تضم كلاً من أحمد الشيخ علي، وخضير الزيدي، وعماد جبار، وكاظم النصار، وكريم شغيدل، وماجد حدام، وكان ذلك عام 2001. ولم يحتوِ الديوان على مقدمة للشعراء إنما كانت مقدمة ترحيبية للشاعر المتوكل طه بوصفه رئيساً لبيت الشعر الفلسطيني في تلك المدة، فلا شيء يدل على أنهم حركة شعرية، بل كانت مجرد نصوص، وكلها من قصيدة النثر أيضاً ما عدا عماد جبار كانت نصوصه من التفعيلة. وقبل ذلك أصدر 3 شعراء جمعتهم الجامعة المستنصرية ديواناً صغيراً مشتركاً، وبطباعة بسيطة جداً جداً سموه «شعراء الألف الثالث» وقد أصدروه عام 1999، وهم كل من عباس عبد معلة، ونوفل هادي الحمداني، ورسول خضر الزبون، وقد كانت هذه المجموعة أو الديوان محاولة لإثبات الوجود، إلا أنَّه لم يحظَ بحضور نقدي، ولا متابعة جيدة، علماً أنَّ عنوانه يُفصح عن اقتحام شعراء جدد لقرن جديد، إلا أن النصوص لم تسعف كثيراً قوة الرغبة التي يحملها الأصدقاء في ذلك الوقت، وكم كنتُ أتمنى لو كتب الأصدقاء مقدمة لديوانهم المشترك، تجمع مجمل أفكارهم عن الشعر، خصوصاً أننا كنَّا على أعتاب نهاية قرن، وبداية قرن جديد، فلو كتبوا مقدمة لكانت مفصلاً مهماً، حتى لو لم تُسعف النصوص، كما حدث مع مقدمة ديوان نازك الملائكة «شظايا ورماد»، حيث نعود دائماً إلى المقدمة، دون أنْ نلتفت كثيراً للشعر.
بعد ذلك أصدر مجموعة من شعراء الموصل ديواناً مشتركاً عام 2002 اسمه «نقوش على وجنة البيبون»، وهم كل من عبد الله البدراني، وجاسم محمد جاسم، وحميد عبد الوهاب، وعبد المنعم الأمير، وعمر عناز، ولم يكن أفضل حالاً من «شعراء الألف الثالث»، حيث رداءة الطباعة، وهي عبارة عن استنساخ بغلاف بسيط جداً، وقد كتب الشاعر كرم الأعرجي مقدمة شعرية لهؤلاء الشباب لم تفصح عن توجه أو حركة شعرية جديدة، لكنْ ما يميز هذه المجموعة المشتركة أنهم اقتصروا على الشعر الموزون والعمودي منه على وجه التحديد كأنهم ردة فعل لبعض المختارات لشعراء قصيدة النثر، وهذا ما صنعه بسام صالح مهدي حين كتب كتابه «حركة قصيدة الشعر» 2005 متضمناً أفكار جماعة قصيدة الشعر وبيانهم الشعري مع نصوصهم التي تغلب عليها العمود ذو النزعة التجديدية. بعد ذلك صدر كثير من الدواوين المشتركة، ومعظمها من بيت الشعر في اتحاد أدباء العراق؛ ففي 2007 صدرت مجموعة مشتركة لشاعرين؛ هما الراحل حبيب النورس والشاعر عماد كاظم عبد الله، بعنوان «شاهدان ومئذنة». وفي عام 2010 صدرت أيضاً مجموعة مشتركة بين الشاعرين رضا السيد جعفر والشاعر نادر عمَّا نوئيل، وقبلها صدرت في 2009 عن نادي الشعر بمناسبة اليوبيل الذهبي لاتحاد الأدباء، مجموعة مشتركة لـ17 شاعراً «أكثر من قمر لليلة واحدة»، وكانت هذه المجموعة معظمها من الشعر الموزون، والملاحظ على مطبوعات الاتحاد من الدواوين المشتركة أنَّها لم تكن تبشر بحركات شعرية، أو توجهات جديدة، فقد خلت كل تلك الدواوين من مقدمات نقدية، أو تنظيرية، لذلك هي تحشّد الشعراء فقط، وتحاول أنْ تُرضي أكثر من جهة، وتوجه، وطرف، وهذه مسألة طبيعية، لطبيعة عمل المؤسسات الثقافية، التي لا تريد أنْ تدخل في سجالات مع المثقفين.
وفي عام 2018، صدرت مجموعة مشتركة لشعراء عراقيين بعنوان «تلويحة لأحلام مؤجلة» وتحمل عنواناً فرعياً «شعرية عراقية جديدة»، وقد كانت من إعداد وتقديم الشاعر حسام السراي، وقد ضمت كلاً من الشعراء أحمد عزَّاوي، وحسام السراي، وزاهر موسى، وصادق مجبل، وصفاء خلف، وعلي محمود خضير، وعمر الجفال، ومؤيد الخفاجي، وميثم الحربي، وفي تصوري كانت هذه المجموعة المشتركة واحدة من أكثر المجاميع، أو المختارات الأكثر نضجاً في عموم المختارات للشعر في العراق، حيث كُتبتْ لها مقدمة طويلة أشبه بالبيان الشعري، الذي ينبئ بتصورٍ واضحٍ عن الوضع السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وعن المرحلة التي أنجبت هذه المجموعة من الشعراء، ذوي الأعمار المتقاربة نسبياً، وكل هؤلاء الشعراء دعاهم حسام السراي ليكونوا في هذه المختارات، حيث يقول في المقدمة: «عنّي شخصياً تشرفتُ بقبول أصدقائي وزملائي للمشاركة في هذا المشروع، وجمعتُ إسهاماتهم فيه، وكتبتُ هذه المقدمة التي لم تفلت من وقفة عند الشأن العام، إذن هذه المختارات كانت موجهة للذين يُشبهون حسام السراي، لأنَّه لا يوجد أي مختلف عنهم، في هذا السياق، وحتَّى عدد من هؤلاء الشعراء من يكتب العمود والتفعيلة، إلا أنه اشترك بقصائد نثر فقط، ما يعني أنَّ توجه هذه المختارات نحو قصيدة النثر، وربما العنوان الفرعي «نحو شعرية عراقية جديدة» هو الذي حدد البوصلة، رغم أنَّهم لم يحددوا لنا ما خصائص هذه الشعرية العراقية الجديدة، وكيف انبثقت؟ وما ملامحها؟ ولماذا اقتصرت على 9 شعراء فقط دون غيرهم؟ علماً أنَّ لهم عشرات آخرين من جيلهم الذي اشتدَّ عودُه الشعري بعد 2003، كما أنَّ إحدى الصفات التي اتسمت بها هذه المختارات هي المساحة النقدية والشهادات الشعرية التي أدلى بها الشعراء، كل حسب وجهة نظره للشعر، وأسباب كتابته، ونظرته لما يدور حوله، إلا أنَّ ما يُلاحظ على معظم تلك التجارب، هو تركيزهم على التحولات السياسية في البلد، والتحولات الاجتماعية، وجملة المشاكل التي مرَّ بها العراق، من حروب متكررة، وحصار خانق، واحتلال، وحرب أهلية، ومفخخات، وميليشيات، وإرهاب، ولكننا لم نقرأ لهؤلاء الشعراء أي إشارة إلى مرجعياتهم الثقافية، ولم يكتبوا بشهاداتهم الشعرية عن خزينهم المعرفي والثقافي، الذي أسهم باندلاع شعريتهم غير أسباب الحرب والاحتلال، ولكن مع هذا كله تبقى تلك التلويحة إحدى أنضج المختارات الشعرية التي تبشر بجيل شعري متفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي.



كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

واصل فيلم «إذما»، بطولة أحمد داود وسلمى أبو ضيف، صعوده في شباك التذاكر المصري ليحافظ على المركز الثاني بالإيرادات اليومية، منذ انتهاء إجازة عيد الأضحى، التي تذيل الفيلم خلالها شباك التذاكر بالمركز الأخير.

الفيلم الذي كتبه، ويخرجه محمد صادق، في أولى تجاربه الإخراجية، ومأخوذ عن رواية حملت الاسم نفسه، أصبح بالمركز الثاني بعد فيلم «سفن دوجز»، المحتفظ بالمركز الأول، ليتفوق على فيلمي «الكلام على إيه؟» لمصطفى غريب وأحمد حاتم، و«أسد» لمحمد رمضان، الذي يتذيل شباك التذاكر في الوقت الحالي.

ووصلت إيرادات «إذما» لأكثر من 20 مليون جنيه (الدولار يساوي 51.8 جنيه في البنوك) منذ طرحه قبل نحو أسبوعين، مع متوسط إيراد يومي متصاعد يفوق مليوني جنيه، بعدما سجلت إيراداته مبالغ أقل خلال أيام العيد التي جمعت فيها باقي الأفلام المطروحة إيرادات أعلى.

واشتكى عدد من صناع الفيلم خلال العيد من عدم إتاحة بعض الصالات السينمائية الكبرى حفلات مسائية لعرض الفيلم، وهي الحفلات التي تكون أكثر إقبالاً عادة، مع التأكيد على أن جميع الحفلات التي عرض فيها الفيلم كانت كاملة العدد تقريباً.

وقام بطل الفيلم أحمد داود بجولة ترويجية للفيلم بعدد من الصالات السينمائية بعد انتهاء إجازة العيد، وشاهد الفيلم مع الجمهور، في وقت كثّف فيه الدعاية عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي للفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (حساب داود على «فيسبوك»)

تدور أحداث «إذما» حول قصة «عيسى الشواف»، الذي يواجه أزمة منتصف العمر، ويدخل في مواجهة مستميتة مع الحياة التي هزمته، وهي مواجهة تقوده لإعادة اكتشاف الذات، واستعادة الشغف الذي فقده بعد زيجة غير موفقة، فيما يرتبط عنوان الفيلم «إذما» بجملة شرطية «إذا ما»، وهي ترتبط بحدثين على غرار «إذا ما يحلم يجدني» التي ترد على لسان أبطاله.

وأرجع الناقد الفني أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، زيادة إيرادات الفيلم إلى اختلاف طبيعة الجمهور بعد انتهاء موسم العيد، الذي يرى أن المنافسة خلاله لا تعكس بالضرورة القيمة الفنية للأعمال المعروضة، مشيراً إلى أن فترة الأعياد والإجازات تتحكم فيها بشكل كبير الحملات الدعائية الضخمة والأفلام الجماهيرية ذات الإنتاجات الكبيرة.

مقارنة غير عادلة

وأضاف أن مقارنة «إذما» بالأفلام الأخرى التي طُرحت خلال الموسم تعد غير عادلة، نظراً لاختلاف طبيعة المشروع وحجمه، مشيراً إلى أن الفيلم يقدم حالة سينمائية مختلفة ومغايرة عن السائد، ويعتمد على قصة تستند إلى رواية ناجحة حققت انتشاراً واسعاً بين القراء.

وأكد أن أحد أهم عناصر قوة الفيلم يتمثل في احترامه لعقل المشاهد واعتماده على محتوى درامي وإنساني قادر على جذب الجمهور بعيداً عن عناصر الإبهار التقليدية، وهو ما يفسر حالة الاهتمام المتزايدة به بعد انتهاء زحام موسم العيد، لافتاً إلى أن هذا الأمر تكرر بالفعل مع أفلام أخرى في مواسم سابقة.

سلمى وداود وجيسيكا وحمزة دياب أبطال الفيلم في عرض فيلم «إذما» (حساب أحمد داود على «فيسبوك»)

وهو ما يؤكده الناقد محمد عبد الخالق، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الحكم الحقيقي على أي عمل سينمائي لا يكون خلال الأيام الأولى من عرضه، وإنما بقدرته على الاستمرار وجذب الجمهور بعد انتهاء زخم البدايات، مشيراً إلى أن مواسم الأعياد تشهد عادة إقبالاً كبيراً على الأفلام الأضخم إنتاجاً والأكثر اعتماداً على عناصر الإبهار والنجوم، لكن الاختبار الأهم يأتي لاحقاً عندما يبدأ الجمهور في البحث عن عوامل أخرى تتعلق بجودة العمل نفسه.

وأضاف أن «إذما» نجح في إثبات حضوره، رغم طرحه إلى جانب اثنين من أكبر الإنتاجات السينمائية هذا الموسم؛ «سفن دوجز» و«أسد»، مع امتلاكه عدداً من العناصر التي تدعم فرصه جماهيرياً، في مقدمتها النص المقتبس عن رواية للكاتب محمد صادق، أحد أكثر الروائيين انتشاراً بين الأجيال الشابة، ومناقشته قضية اجتماعية رومانسية قريبة من الجمهور، وهو نوع من الأعمال يجد المشاهدون أنفسهم فيه بسهولة مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم.


عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
TT

عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)

تعرض الفنان المصري عبد العزيز مخيون (80 عاماً) لوعكة صحية تمثلت في إصابته بالتهاب رئوي وضيق حاد في التنفس، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية.

وقال أحد أقارب مخيون في تصريحات إن «حالة الفنان المصري الصحية في تحسن مستمر، ويوجد حالياً بغرفة عادية وليست مركزة». يأتي ذلك بعد تعرضه خلال شهر يناير «كانون الثاني» الماضي، لأزمة صحية، بالتزامن مع ارتباطه بتصوير دوره في مسلسل «إفراج»، وعقب تجاوزه لمحنته المرضية، عبَّر مخيون من خلال حسابه على موقع «فيسبوك»، عن امتنانه لكل من اهتم بحالته الصحية، أبرزهم نقيب الممثلين أشرف زكي، وعمرو سعد.

وشكر عبد العزيز مخيون جمهوره، قائلاً: «لقد غمرتني رسائلكم الدافئة بفيض من الحب، وهي أغلى ما أملك في مسيرتي الفنية، وإني إذ أعتز بكل كلمة كتبت لي، أعتذر بشدة عن عدم قدرتي على الرد على المكالمات الهاتفية في الوقت الراهن، مقدراً تفهمكم ودعواتكم الصادقة».

وحسب نقاد، فإن عبد العزيز مخيون تميز بتجسيد الشخصيات الصعبة والمركبة، وقدم كثيراً من الألوان الفنية منها الاجتماعي، والكوميدي، والصعيدي، والشعبي، والوطني، إلى جانب تميزه في تجسيد شخصيات السيرة الذاتية، خصوصاً شخصية «موسيقار الأجيال»، محمد عبد الوهاب بعدما قدمها في مسلسل «أم كلثوم»، وأشادت بأدائه السيدة عفت محمد عبد الوهاب، وقالت في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط هو أفضل من جسد شخصية والدها، رغم عدم تواصله مع الأسرة لمعرفة صفات وسمات وأسلوب حياته عن قرب».

بدوره، أكد الناقد الفني المصري محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون من الفنانين الذين أثْروا تاريخ السينما والدراما التلفزيونية بمصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «استطاع مخيون بالتزامه صناعة تاريخ فني محترم، وقدم مجموعة من الأدوار القيمة، من بينها تجسيده لشخصية محمد عبد الوهاب في مسلسل «أم كلثوم»، بشهادة السيدة نهلة القدسي أرملة محمد عبد الوهاب، والتي طلبت من الكاتب محفوظ عبد الرحمن كتابة مسلسل عن حياة عبد الوهاب، وبطولة مخيون».

مخيون في لقطة من مسلسل «توبة» (الشركة المنتجة)

وأكد محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون، أجاد في أدوار مهمة ومؤثرة على مدار أكثر من 50 عاماً، وكان نداً للعمالقة الكبار مثل أحمد زكي في «الهروب»، ونور الشريف في «بئر الخيانة»، ورغم عدم تصدره للبطولة المطلقة فإنه لم يقدم أي دور هامشي، بل إن وجوده ينتج عنه مردود جماهيري لافت، من خلال أدائه السهل الممتنع.

وأشار شوقي إلى أن التعاطف الجماهيري اللافت معه عبر «السوشيال ميديا»، والدعاء له بالشفاء يعد في حد ذاته تكريماً لفنان أحبوه، وارتبطوا بأعماله. وفي تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد عبد العزيز مخيون، أن مشاركته بكثافة في أعمال الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، كان بسبب كتاباته وفكره؛ حيث يشعر بأنهما يعبران عنه وعما بداخله، لافتاً إلى أن عكاشة كان مهموماً بالطبقات المختلفة من المجتمع، وظهر ذلك جلياً على الشاشة.

وشارك عبد العزيز مخيون على مدار مشواره في الدراما التلفزيونية بشكل لافت، وكان أحدثها مسلسلي «سوا سوا»، و«إفراج»، اللذين عُرضا في موسم دراما رمضان الماضي، إلى جانب أعماله الفنية الشهيرة التي دُونت في مسيرته المهنية مثل «الشهد والدموع»، و«ليالي الحلمية»، و«زيزينيا»، و«أم كلثوم»، و«أوراق مصرية»، و«جمهورية زفتى»، و«السندريلا»، و«شيخ العرب همام»، و«يونس ولد فضة»، و«الجماعة»، و«جزيرة غمام»، وأفلام من بينها «الكرنك»، و«إسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية»، و«الجوع»، و«الهروب»، و«امرأة آيلة للسقوط»، إلى جانب الكثير من الأعمال المسرحية والإذاعية.

الفنان المصري عبد العزيز مخيون (الشرق الأوسط)

ويؤكد الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن الفنان عبد العزيز مخيون صاحب مشوار فني راقٍ، عرفه الجمهور على مدى سنوات طويلة كفنان ملتزم صادق في أدائه، صاحب علامات في الدراما والسينما والمسرح، وموهبة متفردة، لا يشبه إلا نفسه.

وأضاف محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «مخيون واحد من المهمومين بالوطن والناس، لم ينفصل يوماً عن جمهوره وحياتهم، ومن الطبيعي أن يلاقي خبر مرضه هذا القلق من الجمهور الذي يعرف جيداً حقيقة كل فنان، ومخطئ من يظن أن الناس لا تعرف، ولا تميز بين الغث والسمين.


«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
TT

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، فإن هناك أدلة ملموسة على استمرار هذا التأثير في الفن المعاصر، إذ يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص المستوحاة من المعتقدات الثقافية التقليدية، مع إضافة لمسة حداثية تعكس العصر الذي نعيشه.

ومن خلال استكشاف هذه المواضيع والزخارف الأسطورية، يُبدع تشكيليون أعمالاً قابلة للتأويل عبر أزمنة مختلفة، داعين المشاهد إلى التأمل. وفي هذا السياق، يطرح معرض الفنان التشكيلي علي سعيد، المقام في غاليري «آرت توكس» بالقاهرة تحت عنوان «وما زلنا – عود على البدء»، تجربة بصرية مغايرة تجمع بين البعد الشخصي والامتداد الأسطوري.

حيث يتحول الفن لديه إلى وسيلة للتأمل في المعنى الإنساني والبحث عن جوهر الوجود، مستنداً إلى معرفة عميقة بالتقنيات الكلاسيكية ودقة تنفيذها.

عالم بصري تتقاطع داخله الرموز والأسطورة والذاكرة الإنسانية (الشرق الأوسط)

يقول الفنان علي سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «الأساطير هي روايات تقليدية تتناقلها الأجيال، حاملةً معها تأكيداً ضمنياً على الهوية الجماعية لجماعة ثقافية معينة، وهي متعددة الوظائف، مثل إيصال التعاليم الأخلاقية والحفاظ على التراث الثقافي؛ وربما لذلك لا تزال أساطير العالم القديم تلامس وجدان الفنانين والجمهور على حد سواء، مقدمة رؤى مغايرة ومتعمقة في التجربة الإنسانية».

وعبر هذه العوالم المشبعة بالنفَس الأسطوري، يأخذنا سعيد في رحلة تتقاطع فيها الذاكرة الإنسانية مع الميثولوجيا، مستحضراً شغف الإنسان الأزلي بفكرة البقاء، ليغوص في طبقات التاريخ المنسية، متتبعاً أثر الحكايات التي شغلت البشر عبر العصور حول حلم الخلود والهروب من العدم، حيث تتقاطع مصائر الأبطال القادمين من حضارات وأمكنة متباعدة عند السر نفسه: «تُعد العلاقة بين الفن والميثولوجيا علاقة ثرية ومتعددة الأوجه، زاخرة بالرمزية والاستعارة والروايات التي شكلت المخيلة الجماعية». على حد تعبيره.

استحضار الأسطورة في لوحات علي سعيد يفتح باب التأويل على مصراعيه (الشرق الأوسط)

ومن هذا الخيط الأسطوري يستمد الفنان مفرداته من مرجعيات ثقافية متعددة، ليبني عالماً تشكيلياً خاصاً تتقاطع داخله الأزمنة والرموز، فتعود شخصيات تاريخية وملحمية مثل «جلجامش» و«إيزيس» و«أوزيريس» و«بلقيس» للظهور ضمن فضاءات سريالية تبدو منفصلة عن الزمن.

ومن خلال الجمع بين صرامة الرسم الكلاسيكي المستلهم من فنون عصر النهضة وبين التكوينات الرمزية الحالمة، ينسج علي سعيد سرديات تشكيلية غامرة.

وتحمل هذه الأعمال طبقات رمزية تسمح بتأويلات متعددة؛ ما يتيح لكل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخلها، بينما تتردد عبرها أسئلة الوجود والصمود والرغبة الإنسانية الدائمة في مقاومة الزمن وتجاوزه.

يقول سعيد: «تتحدث الأساطير عن الحب والموت وتقلبات القدر والحزن والكراهية والانتقام والتعطش للسلطة والرغبة، إنها تلامس التجربة الإنسانية في جوهرها وعمقها؛ فتدفعنا إلى الشعور بالمعاناة نفسها، والحزن نفسه عبر العصور، نحن نناضل من أجل الحياة والسعادة، ونتعاطف مع من فقدوها أو لم يمتلكوها قط».

شخصيات ملحمية تعود من الذاكرة القديمة إلى فضاءات بصرية معاصرة (الشرق الأوسط)

وفي هذه الملحمة البصرية، تحضر المرأة في أعمال علي سعيد بوصفها محوراً بصرياً وإنسانياً متعدد الوجوه، فتتنقل داخل لوحاته بين عوالم وأساطير وحالات شعورية متباينة.

واللافت أنه في حين أن معظم الأساطير القديمة متجذرة بعمق في تقاليد ذكورية معادية للنساء، فإن الفنان علي سعيد الذي ينتصر دوماً للمرأة يحتفي بوجودها في أعماله ذات الطابع الأسطوري.

وهو ما يوضحه قائلاً: «لأن الأمر يختلف في الأساطير المصرية؛ التي جعلت للمرأة مكانة متميزة؛ حيث لعبت العديد من الإلهات البارزات أدواراً مهمة في حياة الناس اليومية».

ويتابع: «ومن بين هؤلاء الإلهات، احتلت إيزيس مكانة بالغة الأهمية، إذ اعتبرت الكيان الأسمى، وبالإضافة إلى ذلك، تمتعت حتحور، إلهة الموسيقى، ونيث، إلهة الحرب، بقوة هائلة، وكانتا قادرتين على القيام بأفعال بناءة وتدميرية على حد سواء».

من هنا تطل الأنثى في لوحاته كشخصيات مفعمة بالقوة والرمزية، تعكس تناقضات المرأة وتحولاتها بين السكينة والتمرد، وبين الرهافة والعنفوان، مثلما تستدعي معاني الوقار والصمود وسط أجواء الحرب والاضطرابات.

ويكتسب معرض «عود على بدء» طابعاً متحفياً واضحاً، إذ تبدو الأعمال وكأنها تنتمي إلى زمن آخر بعيد، تدعو المتلقي إلى التأمل الطويل والعودة إليها مراراً بالشغف ذاته دون أن تفقد دهشتها الأولى.

كاشفة خلال ذلك عن خبرة تقنية راسخة في التعامل مع خامة الزيت؛ حيث تتجلى دقة البناء وبطء التكوين والصبر في صياغة التفاصيل، فيما تكتسب اللوحات ملمساً عتيقاً وإحساساً زمنياً يوحي بأنها عبرت سنوات طويلة من الحكايات والذاكرة.

المرأة أيقونة قوة ووقار وتمرد في أعمال علي سعيد (الشرق الأوسط)

وهو ما يفسره سعيد بقوله: «أبحث دائماً عن عمل يحمل إحساس الزمن، كأن اللوحة عاشت حياة كاملة قبل أن تصل إلى المتلقي، فما يشغلني ليس الشكل وحده، بل تلك الروح الخفية القادرة على خلق صلة حميمة مع المشاهد، حتى إن جاءت من مسافة بعيدة... فالروح في عوالمي تتواصل بقرب شديد عن بعد».

وتنفتح لوحاته على عالم من الرموز والإشارات الفكرية التي ينسجها الفنان داخل تكوينات هادئة ومتوازنة، قبل أن يفاجئ عين المشاهد بكسر محسوب ومدروس لهذا الانسجام.

ويظهر ذلك عبر ومضات لونية كثيفة وصارخة تمنح اللوحة توتراً بصرياً خاصاً، ومع استكشاف طبقات اللوحة، تتكشف لدى المتلقي أبعاد جديدة من المعنى والفهم، تربطه بالقصص القديمة، لتعبّر الأعمال التي تبلغ نحو 60 عملاً عن مراحل وتجارب متعددة له، ويأتي ذلك بالتوازي مع ميل واضح إلى التجريب والانفتاح لديه على مساحات التجريد؛ بما يخلق حواراً ثرياً ومستمراً بين الماضي والحاضر.