المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

«ديوان الحماسة» لأبي تمام يبقى الأهم في تاريخ الاختيار الشعري العربي

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
TT

المختارات الشعرية... ولادة حركات أم مزاج شخصي؟

أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ
أحمد شوقي - عباس محمود العقاد - عبد الوهاب البياتي - يوسف الصائغ

شكلت كتب المختارات طريقة ومنهجاً في التأليف، فقد أخذت تلك الطريقة مساحة كبيرة في النقد العربي القديم، وشكلت ظاهرة لافتة في حركة الشعر العربي، فأولى المدونات الشعرية هي عبارة عن مختارات شعرية لـ130 قصيدة، وهي المفضليات، التي تُعدُّ أقدم مجموعة في اختيار الشعر العربي، ومن بعدها ظهرت الأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب، وقد فتحت تلك المختارات نافذة للنقدية العربية في تقسيم الشعراء إلى طبقات من الفحول وغير الفحول، وحسب معايير النقد القديم.
ولكن كما أظن تبقى مختارات أبي تمام (ديوان الحماسة) أحد أهم المختارات في تاريخ الاختيار الشعري العربي، حيث كان منسوب الوعي في أعلى مستوياته، هذا إذا علمنا أنَّ الاختيار قطعة من القلب كما يقولون، لذلك جاءت مختارات أبي تمام مبوّبة وموزعة حسب الأغراض، فضلاً عن ابتكاره أغراضاً جديدة، لم تكن معهودة في الشعر العربي، ولكن ثقافة أبي تمام سمحت له أنْ يضع جملة من الأشعار، في باب سماه «باب مذمة النساء» ومن ثم توالت المختارات بهذا الاسم؛ اسم «ديوان الحماسة»، فظهرت «حماسة الشجريين، والحماسة البصرية، وديوان الحماسة للمرزوقي، وللبحتري، وديوان الحماسة للتبريزي».
ومن ثم حدثت شبه قطيعة في فكرة المختارات، حتى وصلنا إلى بداية القرن العشرين، حيث اجتهد الشعراء في أن يكونوا على شكل مجاميع منظمة، تطرح أفكارها وتوجهاتها، فظهر لنا كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، وهو يمثل أول مختارات معاصرة تتضمن طروحات فكرية وتنظيرية وفيها مجمل رؤية هذه المجموعة للشعر مع نصوصهم التي اختاروها والتي زعموا أنها تمثل توجههم الشعري المتوافق مع تنظيرهم النقدي، الذي انصب في نقد الشعراء الذين سبقوهم، وبالتحديد أحمد شوقي وأدب المنفلوطي ودعوا فيه إلى التجديد الشعري، الذي طردوا من ساحته شعر المناسبات والإخوانيات، ومن ثم ظهرت جماعة «أبوللو» الذين اجتمعوا في مجلة، ولم تجمعهم مختارات أو ديوان مشترك.
ولكن بظهور هاتين الحركتين بدأ التوجه نحو التجمعات الشعرية في أنْ تكون عصبة قوية، تقف بوجه السابق، أياً كان ذلك السابق، فأحمد شوقي وقف بوجهه العقاد، والعقاد وقف بوجهه أحمد عبد المعطي حجازي، والآن شعراء قصيدة النثر الشباب في مصر وقفوا بوجه حجازي. وهكذا تدور عجلة التحوَّلات الفكرية والثقافية، في بث أنساقها في كل مرحلة من المراحل، وحين نعود إلى المختارات يجب أنْ نتوقف عند ديوان الشعر العربي لأدونيس الذي يمثل وجهة نظر الحداثة إزاء الشعر العربي، الذي نقاه وخلَّصه من كل ارتباطاته الوظيفية، والغرضية، فاختار لنا شعراً صافياً للشعر وحده، أمَّا المختارات المعاصرة، التي سخنت كثيراً في الربع الأخير من القرن العشرين، وصولاً إلى هذه اللحظة، حيث حاول «حزب البعث» في بداية قبضته على السلطة، أنْ يدعم مجموعة من الشعراء، فظهرت قصائد مختارة من شعراء مجلة «الطليعة العربية» عام 1977 لـ47 شاعراً، من جيل الخمسينات، والستينات، والسبعينات الذين يُعدّون في بداية مشوارهم الشعري في ذلك الوقت، كخزعل الماجدي ومرشد الزبيدي وغزاي درع الطائي وفرج ياسين وساجدة الموسوي وآخرين ليس لهم حضور شعري بارز، ولكن هذه الأنطولوجيا محددة بغرض واحد وواضح؛ وهو التبشير بشعراء القومية العربية، وبأنَّ هؤلاء الشعراء من أجيال مختلفة، وأشكال شعرية متناوبة بين العمود التقليدي، والتفعيلة، يمثلون وجه الوطن العربي المقبل، لذلك طعَّموا هذه المختارات بشعراء عرب مثل سليمان العيسى وخليل الخوري، وما تبقى هم الشعراء العراقيون، الذين احتوت معظم قصائدهم المختارة جانباً واحداً؛ وهو التفاؤل لمستقبل الأمة العربية، وتجاوز الأزمات وبالأخص أيام النكسة، لذلك لم نجد أي شاعر شيوعي، أو من ميول ماركسية، أو حتى مستقل، لذلك فهذه المختارات التي ركزت على الستينيين حذفت منها فاضل العزاوي وفوزي كريم ومن قبلهم سعدي يوسف ويوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد والبياتي وعشرات آخرين، لم يُذكروا في هذه المختارات، لسبب آيديولوجي، لذلك مثلت تلك المختارات وجهة نظر الحكومة، أو السلطة الثقافية المتحكمة بالشأن الثقافي في تلك المرحلة.
ولذلك كان هذا الكتاب منصباً على معظم الجيل الستيني، الذي لم تبشر تلك المختارات بأي حركة أدبية أو فنية، لغلبة الطابع الثوري فيها والآيديولوجي، وكانت هذه المختارات من إعداد الشاعر والناقد الدكتور علي جعفر العلاق، وبعد مرور ما يقارب 10 سنوات، ظهر كتاب للناقد الدكتور حاتم الصكر «مواجهات الصوت القادم» 1986، وهو دراسة نقدية عن تجربة الجيل السبعيني، مع بعض الثمانينيين مع مختارات من نصوصهم، وكانت هذه المختارات لا تمثل توجهاً مؤدلجاً، فهي ليست قريبة من السلطة كما أنها ليست معارضة لها، لكنها أخذت التوجه الفني للشعراء، وانحيازهم للحداثة دون غيرها، ومن ثم توالت فكرة المختارات، أو الدواوين المشتركة، فقد كتب عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» وكانت مقتصرة على شعراء قصيدة النثر، علماً أنَّ عنوان المختارات يوجب عليهم أنْ يلمَّوا بمجمل الشعر العراقي، لكنهم ينطلقون من فكرة مصادرة أي شكل غير قصيدة النثر، وطرده خارج الشعرية العراقية بل والعربية.
كما أصدر بيت الشعر الفلسطيني مختارات لمجموعة من الشعراء العراقيين تحت اسم «أنساغ القلب» وكانت تضم كلاً من أحمد الشيخ علي، وخضير الزيدي، وعماد جبار، وكاظم النصار، وكريم شغيدل، وماجد حدام، وكان ذلك عام 2001. ولم يحتوِ الديوان على مقدمة للشعراء إنما كانت مقدمة ترحيبية للشاعر المتوكل طه بوصفه رئيساً لبيت الشعر الفلسطيني في تلك المدة، فلا شيء يدل على أنهم حركة شعرية، بل كانت مجرد نصوص، وكلها من قصيدة النثر أيضاً ما عدا عماد جبار كانت نصوصه من التفعيلة. وقبل ذلك أصدر 3 شعراء جمعتهم الجامعة المستنصرية ديواناً صغيراً مشتركاً، وبطباعة بسيطة جداً جداً سموه «شعراء الألف الثالث» وقد أصدروه عام 1999، وهم كل من عباس عبد معلة، ونوفل هادي الحمداني، ورسول خضر الزبون، وقد كانت هذه المجموعة أو الديوان محاولة لإثبات الوجود، إلا أنَّه لم يحظَ بحضور نقدي، ولا متابعة جيدة، علماً أنَّ عنوانه يُفصح عن اقتحام شعراء جدد لقرن جديد، إلا أن النصوص لم تسعف كثيراً قوة الرغبة التي يحملها الأصدقاء في ذلك الوقت، وكم كنتُ أتمنى لو كتب الأصدقاء مقدمة لديوانهم المشترك، تجمع مجمل أفكارهم عن الشعر، خصوصاً أننا كنَّا على أعتاب نهاية قرن، وبداية قرن جديد، فلو كتبوا مقدمة لكانت مفصلاً مهماً، حتى لو لم تُسعف النصوص، كما حدث مع مقدمة ديوان نازك الملائكة «شظايا ورماد»، حيث نعود دائماً إلى المقدمة، دون أنْ نلتفت كثيراً للشعر.
بعد ذلك أصدر مجموعة من شعراء الموصل ديواناً مشتركاً عام 2002 اسمه «نقوش على وجنة البيبون»، وهم كل من عبد الله البدراني، وجاسم محمد جاسم، وحميد عبد الوهاب، وعبد المنعم الأمير، وعمر عناز، ولم يكن أفضل حالاً من «شعراء الألف الثالث»، حيث رداءة الطباعة، وهي عبارة عن استنساخ بغلاف بسيط جداً، وقد كتب الشاعر كرم الأعرجي مقدمة شعرية لهؤلاء الشباب لم تفصح عن توجه أو حركة شعرية جديدة، لكنْ ما يميز هذه المجموعة المشتركة أنهم اقتصروا على الشعر الموزون والعمودي منه على وجه التحديد كأنهم ردة فعل لبعض المختارات لشعراء قصيدة النثر، وهذا ما صنعه بسام صالح مهدي حين كتب كتابه «حركة قصيدة الشعر» 2005 متضمناً أفكار جماعة قصيدة الشعر وبيانهم الشعري مع نصوصهم التي تغلب عليها العمود ذو النزعة التجديدية. بعد ذلك صدر كثير من الدواوين المشتركة، ومعظمها من بيت الشعر في اتحاد أدباء العراق؛ ففي 2007 صدرت مجموعة مشتركة لشاعرين؛ هما الراحل حبيب النورس والشاعر عماد كاظم عبد الله، بعنوان «شاهدان ومئذنة». وفي عام 2010 صدرت أيضاً مجموعة مشتركة بين الشاعرين رضا السيد جعفر والشاعر نادر عمَّا نوئيل، وقبلها صدرت في 2009 عن نادي الشعر بمناسبة اليوبيل الذهبي لاتحاد الأدباء، مجموعة مشتركة لـ17 شاعراً «أكثر من قمر لليلة واحدة»، وكانت هذه المجموعة معظمها من الشعر الموزون، والملاحظ على مطبوعات الاتحاد من الدواوين المشتركة أنَّها لم تكن تبشر بحركات شعرية، أو توجهات جديدة، فقد خلت كل تلك الدواوين من مقدمات نقدية، أو تنظيرية، لذلك هي تحشّد الشعراء فقط، وتحاول أنْ تُرضي أكثر من جهة، وتوجه، وطرف، وهذه مسألة طبيعية، لطبيعة عمل المؤسسات الثقافية، التي لا تريد أنْ تدخل في سجالات مع المثقفين.
وفي عام 2018، صدرت مجموعة مشتركة لشعراء عراقيين بعنوان «تلويحة لأحلام مؤجلة» وتحمل عنواناً فرعياً «شعرية عراقية جديدة»، وقد كانت من إعداد وتقديم الشاعر حسام السراي، وقد ضمت كلاً من الشعراء أحمد عزَّاوي، وحسام السراي، وزاهر موسى، وصادق مجبل، وصفاء خلف، وعلي محمود خضير، وعمر الجفال، ومؤيد الخفاجي، وميثم الحربي، وفي تصوري كانت هذه المجموعة المشتركة واحدة من أكثر المجاميع، أو المختارات الأكثر نضجاً في عموم المختارات للشعر في العراق، حيث كُتبتْ لها مقدمة طويلة أشبه بالبيان الشعري، الذي ينبئ بتصورٍ واضحٍ عن الوضع السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وعن المرحلة التي أنجبت هذه المجموعة من الشعراء، ذوي الأعمار المتقاربة نسبياً، وكل هؤلاء الشعراء دعاهم حسام السراي ليكونوا في هذه المختارات، حيث يقول في المقدمة: «عنّي شخصياً تشرفتُ بقبول أصدقائي وزملائي للمشاركة في هذا المشروع، وجمعتُ إسهاماتهم فيه، وكتبتُ هذه المقدمة التي لم تفلت من وقفة عند الشأن العام، إذن هذه المختارات كانت موجهة للذين يُشبهون حسام السراي، لأنَّه لا يوجد أي مختلف عنهم، في هذا السياق، وحتَّى عدد من هؤلاء الشعراء من يكتب العمود والتفعيلة، إلا أنه اشترك بقصائد نثر فقط، ما يعني أنَّ توجه هذه المختارات نحو قصيدة النثر، وربما العنوان الفرعي «نحو شعرية عراقية جديدة» هو الذي حدد البوصلة، رغم أنَّهم لم يحددوا لنا ما خصائص هذه الشعرية العراقية الجديدة، وكيف انبثقت؟ وما ملامحها؟ ولماذا اقتصرت على 9 شعراء فقط دون غيرهم؟ علماً أنَّ لهم عشرات آخرين من جيلهم الذي اشتدَّ عودُه الشعري بعد 2003، كما أنَّ إحدى الصفات التي اتسمت بها هذه المختارات هي المساحة النقدية والشهادات الشعرية التي أدلى بها الشعراء، كل حسب وجهة نظره للشعر، وأسباب كتابته، ونظرته لما يدور حوله، إلا أنَّ ما يُلاحظ على معظم تلك التجارب، هو تركيزهم على التحولات السياسية في البلد، والتحولات الاجتماعية، وجملة المشاكل التي مرَّ بها العراق، من حروب متكررة، وحصار خانق، واحتلال، وحرب أهلية، ومفخخات، وميليشيات، وإرهاب، ولكننا لم نقرأ لهؤلاء الشعراء أي إشارة إلى مرجعياتهم الثقافية، ولم يكتبوا بشهاداتهم الشعرية عن خزينهم المعرفي والثقافي، الذي أسهم باندلاع شعريتهم غير أسباب الحرب والاحتلال، ولكن مع هذا كله تبقى تلك التلويحة إحدى أنضج المختارات الشعرية التي تبشر بجيل شعري متفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي.



«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».