اعتراض سياسي «صامت» على كلام عون وباسيل

تجنباً لاشتباك سياسي في خضم الأزمة اللبنانية الراهنة

الرئيس اللبناني ميشال عون لدى إلقائه كلمة في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (أ ف ب)
الرئيس اللبناني ميشال عون لدى إلقائه كلمة في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (أ ف ب)
TT

اعتراض سياسي «صامت» على كلام عون وباسيل

الرئيس اللبناني ميشال عون لدى إلقائه كلمة في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (أ ف ب)
الرئيس اللبناني ميشال عون لدى إلقائه كلمة في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (أ ف ب)

قُوبل كلام رئيس الجمهورية ميشال عون، لدى سؤاله عن الأزمة المالية «أنا كنت في نيويورك اسألوا المعنيين، هناك مسؤول عن النقد هو حاكم مصرف لبنان، وهناك مسؤول عن المال هو وزير المال، وأنا لست على علم بما حصل خلال غيابي عن بيروت ووجودي في نيويورك»، باعتراض «صامت» من قبل أكثر من مسؤول يشغل مراكز حساسة وأساسية في الدولة. لكن مَن أراد تسجيل اعتراضه بعيداً عن الإعلام حرص على تجنيب البلد الانجرار إلى اشتباك سياسي أو الدخول في سجال ليس في محله الآن.
«الشرق الأوسط» علمت من مصادر نيابية ووزارية أن الاتصالات التي جرت بين عدد من المسؤولين ورؤساء المكوّنات السياسية أجمعت على أن البلد يغرق في أزمة كبيرة، وأن هناك ضرورة لتضافر الجهود للبحث عن حلول لها؛ خصوصاً، وأنها تستهدف الاستقرار النقدي والوضع الاقتصادي، وأنه لا جدوى من تقاذف المسؤولية وإقحام البلد في دوامة المهاترات والمزايدات الشعبوية.
وفي هذا السياق، استغربت المصادر نفسها قول رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، أن «هناك مؤامرة تحاك ضد البلد وأن لها وجهين محلي وخارجي». واعتبرت أن ما قاله باسيل في هذا الخصوص ينم عن محاولة للهروب إلى الأمام بدلاً من أن يبادر إلى المشاركة في ابتداع الحلول للأزمة، التي بدأت تتدحرج وقد تتحول إلى «كرة ثلج» ما لم يُصر إلى استيعابها؛ خصوصاً أن تياره السياسي يتمثّل في الحكومة بأكثر من ثلث الوزراء فيها.
وتساءلت المصادر عن الأسباب الكامنة وراء تملّص البعض من تحمّله المسؤولية، لأن الهيكل إذا سقط - لا سمح الله - سيسقط على رؤوس الجميع بلا استثناء، وقالت إن رئيس الحكومة سعد الحريري يتحمل مسؤوليته للبحث عن الحلول، وهو على تواصل دائم مع الوزير علي حسن خليل ورياض سلامة.
كذلك تساءلت عن سبب إصرار البعض، والمقصود هنا ليس رئيس الجمهورية، على تحميل خليل وسلامة مسؤولية مباشرة حيال الأزمة النقدية، وبالتالي، يتعامل معهما على أنهما يملكان مكاتب للصيرفة؟ فيما لم نعرف الأسباب التي ما زالت تؤخر تشكيل هيئة طوارئ اقتصادية كان وافق عليها، بناءً على اقتراح رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، جميع الذين شاركوا في اللقاء الاقتصادي الذي رعاه رئيس الجمهورية وصدر عنه مجموعة من التوصيات ما زالت حبراً على ورق. وهذا، مع أنه سبق لرئيس الحكومة أن أكد أثناء ترؤسه للاجتماع الوزاري المخصص للبحث في الإصلاحات الإدارية والمالية بأن «ما يهمنا تنفيذ ما نتفق عليه، وألا نكتفي بإصدار رزمة من الإصلاحات لا يمكن تطبيقها».
ولفتت المصادر نفسها إلى أن الأزمة النقدية «كانت متوقعة ولم تكن وليد ساعتها». وقالت إن البعض انصرف إلى التشويه على الأجواء التي سادت لقاء الحريري بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع أنه أدى إلى التحضير لإطلاق الضوء الأخضر للبدء في تنفيذ بعض ما صدر من مقررات عن مؤتمر «سيدر» لمساعدة لبنان للنهوض من أزماته المالية والاقتصادية. وأكدت أن انعقاد الهيئة الاستراتيجية لمتابعة تنفيذ مقررات «سيدر» يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) في باريس يشكل محطة الانطلاق لتنفيذ عدد من المشروعات التي تأمن لها التمويل.
أيضاً سألت المصادر كيف يوفق البعض بين من يريد للبنان أن يتجاوز أزماته المالية والنقدية وبين وضع العراقيل أمام تعيين نواب جدد لحاكم مصرف لبنان من شأنه أن يدفع في اتجاه استكمال مجلسه المركزي، خصوصاً أنه من دون استكمال تعيين هؤلاء يتعذر عليه الانعقاد ليكون في مقدوره اتخاذ القرارات المطلوبة لتوفير الحلول، ولو على مراحل لهذه الأزمات، خصوصاً أنه مضى 6 أشهر على انتهاء ولايتهم. وقالت إن مصرف لبنان في حاجة إلى اتخاذ قرارات، لكن تعذّر انعقاد مجلسه المركزي يحول دون اتخاذها، لأن لا صلاحية لحاكمية المركزي التفرد في إصدارها بالنيابة عن المجلس.
وكشفت المصادر الوزارية عن مخرج كان ابتدعه الوزير خليل لتأمين النصاب القانوني الذي يسمح للمجلس المركزي لمصرف لبنان بالانعقاد للنظر في الأزمة النقدية، وقالت إنه يقوم على تعيين نواب الحاكم على مرحلتين، لكن اقتراحه اصطدم برفض من الوزير باسيل. وأوضحت أن خليل اقترح تعيين نائبي الحاكم الشيعي والسنّي في مرحلة أولى باعتبار ألا خلاف على التمديد للمنتهية ولايتهما رائد شرف الدين ومحمد بعاصيري، على أن يصار لاحقاً إلى تذليل العقبات التي تحول دون الاتفاق على نائبي سلامة، الدرزي والأرمني.
بيد أن باسيل أحبط إمكانية السير بهذا الاقتراح الذي وافق عليه الرئيس الحريري، حسب تأكيد مصادر نيابية لـ«الشرق الأوسط»، مع أنه يؤمن النصاب القانوني الذي يسمح بانعقاد المجلس المركزي.
وعزت المصادر رفض باسيل إلى أنه يصر على أن يكون نائب الحاكم الأرمني من حصة «التيار الوطني» بدلاً من أن تبقى من حصة حليفه حزب «الطاشناق»، إضافة إلى أنه يرفض أن يكون الدرزي من حصة «الحزب التقدمي الاشتراكي»، رغم الحرص الذي أبداه ويبديه الأخير للاندفاع في اتجاه باسيل لحماية المصالحة في الجبل، وطي صفحة الخلاف لخفض منسوب الاحتقان الطائفي والمذهبي في هذه المنطقة. ثم إن باسيل يشترط أن يكون مفوض الحكومة لدى «المركزي» من حصته.
ولم يغب عن بال المصادر النيابية ما حصل من رد فعل في الجلسة التشريعية الأخيرة للبرلمان، عندما طلب الرئيس الحريري سحب المشروع الخاص بفتح اعتماد لتنفيذ بعض المشروعات، ومنها إنشاء سد في منطقة المتن الشمالي.
فالذي حصل انطوى على نفحة طائفية من قبل مجموعة من النواب المنتمين إلى «التيار الوطني الحر» (تيار عون) وحزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية»، بذريعة أنه يريد حرمان مناطق معينة من تنفيذ هذه المشروعات. وللعلم، يحق لرئيس الحكومة أن يطالب بسحبه للبحث في كيفية تأمين التمويل له من خلال الاقتراض بفائدة أقل من 13 في المائة على المبلغ الواجب استدانته لتمويل تنفيذها، إضافة أن لا جدوى من إنشاء السد في ضوء الدراسات التي أُجريت في خصوص الأرض الذي سيقام عليها، وأظهرت أن هناك صعوبة في تجميع المياه فيه بسبب كثرة التسريبات.
وعليه فإن المزايدات الشعبوية، من خلال لجوء البعض إلى غسل يديه وتقديم نفسه للرأي العام بأن المسؤولية في تفاقم الأزمات تقع على عاتق غيره، يبدو كأنه أراد أن يحجز لنفسه مقاعد في المنصّات المخصصة للمتفرجين، مع أنه يتسابق على حصد المغانم في التعيينات، ويصر على احتكار حصة المسيحيين فيها.
لذلك، فإن الأسبوع المقبل بدءاً من غد الاثنين سيخصص للبحث في المخارج لتجاوز أزمة السيولة في الدولار، من جهة، وفي تأمين الاعتمادات لاستيراد القمح والمشتقات النفطية، التي يفترض، كما تعهد الرئيس الحريري، أن ترى النور بعد غد الثلاثاء، وإنما بلسان حاكم مصرف لبنان الذي أعد مجموعة من التدابير التي ستؤدي إلى انفراج الأزمة.



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.