«المشهد السوري» من موسكو: الجيش والدولة في كل شبر... ثم انتخابات

أوساط روسية تؤكد أهمية «من يأتي» بدل التركيز على «من يرحل» من القصر

عسكريون يجهزون طائرة «سوخوي إس يو - 35» للإقلاع من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم بمحافظة اللاذقية أول من أمس (أ.ف.ب)
عسكريون يجهزون طائرة «سوخوي إس يو - 35» للإقلاع من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم بمحافظة اللاذقية أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

«المشهد السوري» من موسكو: الجيش والدولة في كل شبر... ثم انتخابات

عسكريون يجهزون طائرة «سوخوي إس يو - 35» للإقلاع من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم بمحافظة اللاذقية أول من أمس (أ.ف.ب)
عسكريون يجهزون طائرة «سوخوي إس يو - 35» للإقلاع من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم بمحافظة اللاذقية أول من أمس (أ.ف.ب)

لموسكو «منطقها» في سوريا. يمكن الاتفاق معه، أو الاختلاف معه. لكن لم يعد ممكناً تجاهله. بعد التدخل العسكري المباشر في سوريا، بات صعباً عدم الإصغاء إلى المقاربة الروسية على تعقيداتها وقواعدها.
في الصورة الواسعة لـ«الشرق الأوسط»، لم تكن موسكو من المرحبين بما يُعرف بـ«الربيع العربي». ذكّرها بـ«ثورات ملوّنة» وتغييرات في الفلك السوفياتي قبل عقدين. بالنسبة إليها ليس مهماً «من يرحل» من الحكام العرب بفعل الاحتجاجات أو التدخل الخارجي، بل «من يأتي» حاكماً. تستخدم تجربة حلّ الجيش العراقي بعد حرب 2003 لـ«التمسك بمؤسسة الجيش وانتشارها في جميع الأراضي». تتمسك بـ«شرعية الحاكم»، وأن يكون تغييره «عبر صناديق الاقتراع». تقول إنها متمسكة بـ«سيادة الدولة على كل أراضيها».
«ما حصل» بعد الإطاحة بصدام حسين نتيجة التدخل الأميركي و«من جاء» بعد تغيير معمر القذافي بتدخل غربي، سلاح روسي في المبارزات الدبلوماسية مع الدول الغربية بالنسبة إلى الموضوع السوري. منذ بداية 2011، لم تكن موسكو متحمسة للاحتجاجات، ولم تكن منخرطة في الحوار الدبلوماسي. الرئيس فلاديمير بوتين «لم يكن يعرف» الرئيس بشار الأسد الذي كان، في المقابل، معروفاً من القادة الغربيين وفي العواصم الأوروبية. بعد 5 سنوات من تسلمه الحكم، قام بأول زيارة إلى موسكو في 2005. كان قبل ذلك قد زار باريس ولندن ومدريد وروما وبرلين. كان الدبلوماسيون الروس في 2011 و2012 يتلمسون تطورات «الربيع العربي» في تونس ومصر وليبيا وغيرها. قام مسؤولون روس بزيارة دمشق، واستقبلت موسكو مسؤولين في المعارضة السورية، خصوصاً أن كثيراً منهم من خلفيات شيوعية ويسارية، (كانت قريبة من أفكار الاتحاد السوفياتي السابق).
منذ البداية، كانت موسكو تسأل محاوريها: «هل لدى الأسد مؤيدون؟ وماذا يحصل بعد رحيله؟». أحد هؤلاء أجاب في العام 2012 بأن 10 إلى 15 في المائة فقط من السوريين يؤيدون الأسد. وكانت موسكو ترد بالقول: «الحل ليس بالبندقية، بل بصندوق الاقتراع. الانتخابات. دعونا نركز على الانتخابات، مع ضمان أعلى معايير الشفافية، برقابة الأمم المتحدة». وتضيف: «لا بد من تشجيع السوريين على الحوار فيما بينهم، للوصول إلى آلية للانتخابات بقرارهم والمفاوضات بينهم».
في يونيو (حزيران) 2012، عُقد في جنيف اجتماع دولي إقليمي، برئاسة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، والمبعوث الأممي سابق كوفي أنان.
العبارة الرئيسة في «بيان جنيف» كانت الدعوة إلى تشكيل «هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة». لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، ظهر خلاف بين موسكو وواشنطن في تفسير البيان حول دور «الأيدي الملطخة بالدماء» في هذه «الهيئة». كان هذا واضحاً في موقف لافروف وكلينتون. وعندما «عاتبت» موسكو واشنطن في السنتين اللاحقتين عن أسباب المضي في تنفيذ «بيان جنيف»، كان الرد الأميركي: «إننا نختلف في تفسير بيان جنيف. نحن لا نقبل أن يكون للأسد دور في المرحلة الانتقالية، وأنتم متمسكون به».
الردّ الروسي كان وقتذاك: «ليس لدينا تفسير لبيان جنيف. لندع السوريين يجتمعون ويبحثون في تفسير البيان. أنتم ونحن ندعم ما يتفق عليه السوريون. دورنا تشجيع الحوار السوري - السوري». موسكو سمعت من حلفاء المعارضة أن «الأسد فقد الشرعية»، فعلّق مسؤولون روس: «القول إن الأسد فقد الشرعية يعني أن الدولة فقدت الشرعية، وتم فتح الباب للتدخلات الخارجية، ويعني أن زعيم (داعش) أبو بكر البغدادي كسب الشرعية».
«الأهم أن نعرف من يأتي قبل أن نعرف من يرحل». كانت هذه عبارة الروس خلال مسيرة «الربيع العربي» إلى أن وصلت إلى سوريا في منتصف العام 2015. القراءة الروسية كانت: «(داعش) على أبواب دمشق. سقوط النظام يعني صعود (داعش). لو ذهب الأسد، فإن البغدادي خليفته. البغدادي كان مستعداً لنقل عاصمته من الرقة إلى دمشق، ومدّ مناطق تنظيمه إلى بغداد وبيروت وبقية العواصم العربية».
«لم يكن هناك بديل من التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا لإنقاذ الدولة، ومنع سقوطها في أيدي (داعش)». في سبتمبر (أيلول) 2015، كان ذلك لـ«منع تكرار ما هو أسوأ من سيناريو العراق وليبيا»، بحسب وجهة النظر الروسية.
بالفعل، تدخلت موسكو عسكرياً، ودعمت «الجيش السوري» في استعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، واحدة بعد أخرى، وإزالة البنـى التحتية وهزيمة المجتمع المدني في مناطق المعارضة، طالما أن موسكو لديها «حساسية خاصة من هذه المنظمات»، في ضوء تجربة أوروبا الشرقية، ذلك «أننا نفضل العلاقة عبر الدولة ومؤسساتها، وليس عبر لاعبين غير رسميين». هنا، استطراداً، فإن «من يريد إخراج (حزب الله) وميليشيات إيران من سوريا، عليه أن يقوّي الجيش السوري كي ينتشر في كل الأراضي السورية».
بين 2015 و2019، رفعت مناطق السيطرة من 10 و15 في المائة إلى 62 في المائة من سوريا. رعت موسكو اتفاقات «خفض التصعيد» في غوطة دمشق وريف حمص وجنوب سوريا. كانت تعتبرها «حلولاً موقتة إلى حين عودة سيادة الدولة». وفي جنوب سوريا، طبّقت روسيا بتفاهمات مع أميركا وإسرائيل والأردن معادلاتها؛ «إبعاد إيران يتطلب، ويتم، بعودة الجيش». جرى إبعاد «القوات غير السورية» من الجنوب، وعادت «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف) برعاية وضمانة الجيش الروسي إلى الجولان. مبدئياً، عادت معادلة ما قبل 2011. تلاشت المجالس المحلية والمنظمات المدنية والفصائل و«عادت الدولة» وانتشر الجيش على حدود الأردن كما انتشرت قوات الشرطة الروسية في مناطق من الجنوب.
التصور الروسي العام هذا، ينطبق علـى إدلب وشرق الفرات. «لا بد من عودة سيادة الدولة والجيش إلى كل شبر من سوريا عاجلاً أم آجلاً». بالنسبة إلى إدلب، يعرف الروس أن لها «خصوصية كبيرة؛ فيها 3 ملايين مدني، فيهم نازحون، عشرات آلاف المقاتلين، آلاف الإرهابيين، هناك عمق تركي عابر للحدود، انتشار إيراني في أطرافها، قريبة من قاعدتي حميميم وطرطوس، وقريبة من القاعدة الطائفية للنظام».
عليه، فقد بقي اتفاق «خفض التصعيد» في إدلب الأطول عمراً. جرى تجديده بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في 17 سبتمبر الماضي. تضمن الاتفاق إقامة «منطقة عازلة» بين مناطق الحكومة والمعارضة بعمق 15 إلى 20 كلم، وسحب السلاح الثقيل، وإعادة تشغيل طريق «إم 4» بين اللاذقية وحلب، و«إم 5» بين حماة وحلب.
«كان هذا مقرراً أن يحصل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنه لم يحصل. بل بالعكس، فإن (هيئة تحرير الشام) التي كانت تسيطر على 20 في المائة من مناطق الاتفاق باتت تسيطر على 80 في المائة منها». هذا هو رأي الجانب الروسي، الذي أيّد موقف دمشق ببدء حملة عسكرية. انخرط الجيش الروسي مباشرة في المعارك شمال حماة قبل أسابيع، إلى أن استعادت حكومة دمشق مناطق تصل إلى خان شيخون.
أعطت موسكو مهلة ثانية لأنقرة لـ«تطبيق اتفاق سوتشي». حصل هذا في القمة الروسية – التركية – الإيرانية في أنقرة الشهر الماضي. لكن الهدف النهائي لموسكو لم يتغير؛ إعادة إدلب إلى «سيادة الدولة» مع القضاء على «الإرهابيين». حتى الصين، كما يبدو، تدعم الموقف الروسي بخصوص إدلب، وتحضّ موسكو على القضاء على نحو 800 عنصر أوغوري من «الجيش التركستاني الإسلامي» في شمال غربي سوريا. «الحذر موجود، والتأني متوفر، لكن الهدف لم ولن يتغير»، بحسب موسكو. هو لا يشمل «بقاء تركيا في سوريا، لأن روسيا لن تقبل بضمّ مناطق سوريا كما حصل في لواء إسكندرون».
ينطبق الأمر ذاته على شرق الفرات. «الوجود الأميركي غير شرعي. لم يأتِ بناء على تفويض دولي، ولم يأتِ بناء على طلب الحكومة الشرعية». مسؤولون أكراد كانوا طلبوا السلاح من موسكو لمحاربة «داعش»، فردّ الروس: «نعطي السلاح للدولة السورية، ويجب عليكم أن تحاربوا (داعش) بالتنسيق مع الجيش السوري». وتضمن الردّ استطراداً آخر: «شرق الفرات ليس كردستان العراق. البعض يريد علماً كردياً وحكومة كردية وجيشاً كردياً وبرلماناً كردياً وحدوداً لغرب كردستان، لكن هذا لن يتم. الأميركيون سيغادرون. الموضوع مرتبط بالوقت».
«ذهب الأكراد وحصلوا على السلاح من أميركا لقتال (داعش) بشروط تناسبهم». موسكو شجّعت دمشق على «الحوار» مع الأكراد. شجّعت الأكراد على «التفاوض» مع دمشق. الظروف غير ناضجة بعد. توقعات الطرفين مختلفة. موسكو قبلت اعتراض أنقرة على شخصيات في اللجنة الدستورية السورية، لأن المرشحين مرتبطون بـ«الوحدات» الكردية. ويسأل خبراء روس: «كيف يمكن لتركيا أن تتفق مع أميركا لإقامة منطقة أمنية شرق الفرات، من دون علم الحكومة الشرعية؟».
مآلات التصور العسكري في موسكو؛ عودة سيادة الدولة و«الجيش القوي» إلى كل سوريا في إدلب وشرق الفرات، كل شبر من سوريا. مفاوضات بين أنقرة ودمشق للوصول إلى صيغة معادلة من «اتفاق أضنة» يسمح للجيش التركي بملاحقة «الإرهابيين» بعمق يزيد على 5 كيلومترات. أما عودة اللاجئين، فيتم بالتنسيق مع دمشق، وتشجيع تمويل إعادة الإعمار والبنية التحتية، «من دون شروط سياسية غربية سوى دعم تنفيذ القرار 2254».
مآلات الحل السياسي السوري بالنسبة إلى روسيا؛ تطبيق القرار 2254 الذي يقوم على إطلاق عملية تؤدي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية برقابة دولية ومعايير الشفافية. كما كانت تطالب في 2012. البوابة إلى ذلك، هي اللجنة الدستورية. هي تشكلت بقرار الحكومة والمعارضة، بدعم «ضامني آستانة» الثلاثة. ما على السوريين إلا أن يجتمعوا ويتحاوروا للوصول إلى دستور جديد أو إصلاح دستور العام 2012. اللجنة ستعقد في جنيف في نهاية أكتوبر. «ليس هناك جدول زمني قسري، لكن بالإمكان تحقيق ذلك بسرعة، إذا توافرت الإرادة السياسية». قد يتم إنجاز الإصلاح الدستوري قبل موعد الانتخابات الرئاسية في 2021.
وقتذاك، تأمل موسكو أن تكون عرفت «من يأتي» في صناديق الاقتراع، بدلاً من تركيز الآخرين على «من يرحل» من القصر. القرار عبر الانتخابات برقابة دولية وشفافية عالية. القرار 2254 نصّ على مشاركة المخولين من اللاجئين والشتات السوري، وبدور للأمم المتحدة. لكن موسكو لم تنسَ أن «الغرب» لم يسمح بمشاركة 3 ملايين أوكراني موجودين في روسيا، في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية الأخيرة. إشارة روسية إضافية إلى «ترابط المصير» بين سوريا وأوكرانيا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.