خِيَم وحافلات متنقلة تتحول إلى قاعات تدريس للأطفال النازحين في ريف إدلب

29 مليون طفل وُلدوا في مناطق صراعات بينها سوريا خلال 2018

أطفال قرب حافلة متنقلة للتدريس في ريف إدلب (أ.ف.ب)
أطفال قرب حافلة متنقلة للتدريس في ريف إدلب (أ.ف.ب)
TT

خِيَم وحافلات متنقلة تتحول إلى قاعات تدريس للأطفال النازحين في ريف إدلب

أطفال قرب حافلة متنقلة للتدريس في ريف إدلب (أ.ف.ب)
أطفال قرب حافلة متنقلة للتدريس في ريف إدلب (أ.ف.ب)

بين أشجار الزيتون، يركض عدد من الأطفال وهم يحملون الكتب والحقائب ما أن يلمحوا حافلة ملونة تحولت لقاعة تدريس لعشرات الطلاب النازحين جراء التصعيد الأخير في شمال غربي سوريا، تتوقف في المكان، ذلك بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
وخرجت عشرات المدارس في محافظة إدلب ومحيطها، من الخدمة قبل بدء العام الدراسي. وقد تضرر بعضها من القصف وتحولت أخرى لمراكز إيواء لنازحين فروا جراء التصعيد العسكري لقوات النظام وحليفتها روسيا المستمر منذ نهاية أبريل (نيسان).
يشكل مخيم عشوائي جديد قرب قرية حزانو في ريف إدلب الشمالي محطة يومية لهذه الحافلة - المدرسة المتنقلة. أمامها، يقف فتيان وفتيات بشكل منظم ثم يصعدون الواحد تلو الآخر إليها بعدما يخلعون أحذيتهم.
داخل الحافلة المزينة برسوم متحركة وعليها شعار «العلم نور»، تتوزع طاولات برتقالية بينما تغطي أرضيتها سجادة كبيرة. يأخذ الأطفال أماكنهم قرب النوافذ التي علقت عليها ستائر وبالونات ملونة بانتظار بدء الدرس.
ويقول الفتى حسن عزكور (11 عاماً) النازح من ريف حماة الشمالي «حين نزحنا إلى هنا، لم يكن هناك من مدارس، أحضروا لنا الباصات. وإن ذهبت، نبقى من دون تعليم». ويضيف ببراءة وهو يرتدي قميصاً أصفر اللون «ثمّة مكيفات في الحافلات، ولذلك فهي أفضل ألف مرة من المدرسة».
والحافلة غير مخصصة لمراحل دراسية معينة، بل لأطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة والـ12 عاماً، يدرسون اللغة العربية والحساب وأحياناً اللغة الإنجليزية والعلوم، لضمان معرفتهم بالمبادئ الأولية علهم يلتحقون بالمدارس لاحقاً.
وكان من المفترض أن تفتح مدارس إدلب أبوابها في 21 سبتمبر (أيلول)، إلا أنه مع تخطي أعداد النازحين عتبة 400 ألف وفق الأمم المتحدة منذ بدء التصعيد، يبدو أن عشرات آلاف الأطفال سيحرمون من التعليم في العام الدراسي الحالي.
وللحؤول دون بقاء الأطفال من دون تعليم، ومع ارتفاع عدد الطلاب النازحين في المخيمات أو المدن أو حقول الزيتون، بادرت منظمة «سيريا ريليف» غير الحكومية، ومقرها بريطانيا، إلى تنفيذ مشروع الحافلات المتنقلة.
يوضح مسؤول التعليم في مشروع الحافلات فريد باكير أن المبادرة «مخصصة للأطفال الذين نزحوا مؤخراً ولم يتمكنوا من الوصول إلى المدارس بسبب بعدها عن أماكن نزوحهم، إذ أنها عبارة عن حقول زيتون وليست مراكز مدن أو قرى».
وتتنقل حافلتان حالياً بين بضعة مخيمات عشوائية جديدة في ريف إدلب الشمالي. ومنذ مايو (أيار) الماضي، استفاد أكثر من ألف طفل من هذا المشروع.
وحذرت منظمة «سايف ذي شيلدرن» الشهر الحالي من أن آلاف الأطفال يواجهون خطر عدم الالتحاق بالعام الدراسي الجديد، خصوصاً أن 87 منشأة دراسية تضررت أو تأثرت جراء القصف. وتحولت 205 مدارس مراكز إيواء للنازحين.
ولا تزال 635 مدرسة فقط من أصل 1193 قيد الخدمة، وفق المنظمة التي أشارت إلى أن تلك المدارس المتبقية قادرة على استيعاب «300 ألف من أصل 650 ألف طفل» في سنّ الدراسة.
وتؤوي إدلب ومحيطها، التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذاً، نحو ثلاثة ملايين نسمة، نصفهم تقريباً من النازحين.
ومنذ نهاية أبريل، قتل نحو ألف مدني جراء التصعيد وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
على لوح أبيض صغير، يشرح الأستاذ درس الحساب، وبعد الانتهاء، تبدأ التسلية. ينهمك الطلاب بالرسم والتلوين، ثم يستمعون إلى الأغاني، يرددونها ويصفقون معها.
ومع انتهاء الدروس، يعود الأطفال أدراجهم، فيما تغادر الحافلة على أن تعاود المجيء صباح اليوم التالي.
يعرب راغب حسون وهو أب لثلاثة أطفال، عن ارتياحه لهذا المشروع ويعتبره «بادرة جميلة»، لكنه ليس بديلاً عن المدارس.
ويقول الوالد، الذي نزح أكثر من مرة خلال عامين ونصف العام، «نريد أكثر، نريد خيماً للأطفال تصبح مدارس دائمة. لا نريد أن يأتي الباص كل يوم أو يومين، نريد مدرسة على الأراضي التي نعيش فيها».
لا يتمنى حسون المستحيل، فما يريده يطبق في مخيمات أخرى مثل خيمتي الدراسة في مخيم شرق مدينة الدانا في ريف إدلب الشمالي.
تتسع الخيمة الواحدة لعدد يتراوح بين ثلاثين وخمسين تلميذاً كحد أقصى، إلا أن العدد تخطى مؤخراً 375 نتيجة موجة النزوح الأخيرة، وفق ما يقول مسؤول المخيم حمود الصياح لوكالة الصحافة الفرنسية.
ولتوفير التعليم لهذا العدد الكبير، جرى اعتماد دوامين يومياً في الخيمتين، واحدة مخصصة للإناث وأخرى للفتيان.
ويوضح الصياح «أصبح الضغط كبيراً، والوضع التعليمي سيئا». وأضاف «لا نستطيع أن نقدم لهم المياه ولا الحمامات ولا الإضاءة ولا حتى ساحة» للاستراحة.
رغم ذلك، لم يجد أحمد الأسود سبيلاً لتعليم ابنه البالغ خمس سنوات إلا الخيمة.
ويقول «تجد الطلاب من عمر 12 و15 عاماً مع آخرين أعمارهم سبع وثماني سنوات»، مضيفاً «يجب أن يكون هناك مدارس أوسع».
تكتظ إحدى الخيام بأكثر من ثمانين تلميذاً، يرددون بصوت واحد أحرف الأبجدية. منهم من جلس على المقاعد وآخرون افترشوا الأرض ومنهم من بقي واقفاً على قدميه. ويحمل معظمهم حقائب زرقاء عليها شعار منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، ويشكو عبد الرزاق الحسن (عشر سنوات) من الاكتظاظ. ويقول الطفل الأسمر البشرة والذي ارتدى قميصاً أزرق اللون «لا أستوعب (الدرس) بسبب العدد الكبير»، مضيفاً «إذا تكلم كل منهم كلمة واحدة يصدر صوت قوي، لا أنا أسمع ولا هم يسمعون ولا الأستاذ يسمعنا».
ولهذا الطفل أمنية واحدة تتمثّل في «مدرسة أكبر، وعدد طلاب أقلّ في كل قاعة». أقصى ما يريده أن «نجلس على المقاعد بشكل مريح لنفهم على المعلمين ويفهموا علينا».
إلى ذلك، ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أمس الجمعة أن أكثر من 29 مليون طفل وُلدوا في مناطق صراعات خلال عام 2018.
وأوضحت المنظمة أن طفلا على الأقل من بين كل خمسة أطفال رُضّع في العالم بدأوا حياتهم في بيئات شديدة الخطورة ومليئة بالتوتر، بما في ذلك دول مثل أفغانستان والصومال وجنوب السودان وسوريا واليمن.
وقالت هنريتا فور، المديرة التنفيذية لـ«يونيسيف» في بيان صحافي: «تفتقر ملايين الأسر للأطعمة المغذية والمياه الصالحة للشرب ومرافق الصرف الصحي أو بيئة آمنة وصحية للنمو والترابط».
وأضافت: «إلى جانب المخاطر الفورية والواضحة، فإن الآثار بعيدة المدى لمثل هذه البداية في الحياة ربما تكون كارثية».
ويمكن أن تؤثر مثل هذه التجارب الممتدة أو التي تتكرر فيها الصدمات النفسية على تعليم الأطفال وسلوكياتهم وصحتهم البدنية والعقلية.
وحسب البيان، فقد شاهد أحد عمال اليونيسيف في اليمن أطفالا يعانون من سوء تغذية وصدمات نفسية شديدة لدرجة أنهم ينفصلون وجدانيا عن العالم والأشخاص المحيطين بهم، مما يجعلهم يعانون من الفراغ ويستحيل عليهم التفاعل مع أسرهم.
وقالت المنظمة إن الآباء في المناطق المتضررة من النزاع «يحتاجون بشدة إلى مزيد من الدعم لمساعدتهم وأطفالهم على مواجهة الدمار الذي يواجهونه».



وكيل حضرموت لـ«الشرق الأوسط»: «درع الوطن» تتقدم... وهروب «الانتقالي» السريع ترك فراغاً أمنياً

عدد من أبناء محافظة المهرة شرق اليمن خلال تأييدهم القرارات الرئاسية اليمنية (سبأ)
عدد من أبناء محافظة المهرة شرق اليمن خلال تأييدهم القرارات الرئاسية اليمنية (سبأ)
TT

وكيل حضرموت لـ«الشرق الأوسط»: «درع الوطن» تتقدم... وهروب «الانتقالي» السريع ترك فراغاً أمنياً

عدد من أبناء محافظة المهرة شرق اليمن خلال تأييدهم القرارات الرئاسية اليمنية (سبأ)
عدد من أبناء محافظة المهرة شرق اليمن خلال تأييدهم القرارات الرئاسية اليمنية (سبأ)

كشف مسؤول يمني في السلطة المحلية بحضرموت أن قوات درع الوطن أمّنت بشكل كامل معسكر «اللواء 37 مدرع» في الخشعة، ووصلت إلى مدينة القطن، في طريقها إلى مدينة سيئون الاستراتيجية.

وقال عبد الهادي التميمي، وكيل محافظة حضرموت المساعد لشؤون الوادي والصحراء، لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات «الانتقالي» المنسحبة تركت فراغاً أمنياً في العديد من المواقع العسكرية، وتعمل السلطات المحلية بتعاون الأهالي على معالجة وملء هذا الفراغ.

كما أفاد التميمي الموجود في حضرموت أن قوات من حلف قبائل وحماية حضرموت تستعد للتوجه إلى منطقة الساحل، وتحديداً المكلا، لمساعدة قوات النخبة الحضرمية في حفظ الأمن ومنع حصول مواجهات مع قوات «الانتقالي» التي تنسحب من مواقعها.

وقدّم وكيل حضرموت الشكر للمملكة العربية السعودية، لنصرتهم اليمن، وحضرموت على وجه التحديد، التي عاشت أوقاتاً عصيبة.

وأضاف: «نرحب بإخواننا في (درع الوطن)، ونحيي دعم الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وولي العهد ووزير الدفاع، لدعمهم اليمن ونصرة حضرموت التي عاشت أياماً عصيبة بسبب غزو جحافل ميليشيات (الانتقالي) لوادي وصحراء حضرموت، التي كانت بعيدة عن الصراعات، التي مرت باليمن، وسلمت منها لحكمة أهلها، لكن في هذه المرة جاءوا غدراً واستطاعوا السيطرة على المنطقة العسكرية الأولى وعاثوا فيها فساداً».

وأوضح وكيل حضرموت أن قوات درع الوطن تحركت فجر الجمعة، بعد أن فشلت كل جهود التهدئة ومحاولة إقناع الإخوة في قيادة مجلس الانتقالي بالانسحاب، وقال: «مع الأسف، كثير من القوات الموجودة لـ(الانتقالي) لم تذعن لطلب الانسحاب وترك السلاح، والعودة من حيث جاءوا، فحصلت اشتباكات بإسناد من الطيران السعودي، وتمت السيطرة على القاعدة الكبرى، وهي معسكر اللواء 37 مدرع».

وأشار التميمي إلى أن قوات درع الوطن تقدمت بعدها إلى مدينة القطن، وفي طريقها إلى سيئون، مبيناً أن العديد من المناطق التي كانت بها قوات «الانتقالي» تعرضت للقصف، ما أدّى إلى هروبها، ومن أبرزها المنطقة العسكرية الأولى.

عدد من أبناء محافظة المهرة شرق اليمن خلال تأييدهم القرارات الرئاسية اليمنية (سبأ)

ولفت وكيل حضرموت إلى أن انسحاب قوات «الانتقالي» السريع ترك فراغاً أمنياً في معسكرات مثل السويري. وأضاف: «هناك أيضاً تحرك آخر في هضبة حضرموت من حلف قبائل حضرموت، بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش وقوات من حماية حضرموت، وانضم إليهم العديد من الضباط والقيادات الحضرمية بعد السيطرة على معسكر غيل بن يمين، ونحن نتجهز للذهاب إلى ساحل حضرموت لتعزيز النخبة الحضرمية هناك حتى لا تتعرض لهجوم من القوة المنسحبة».

وأكّد عبد الهادي التميمي أن السلطة المحلية عمّمت على عموم المديريات للتعامل مع الأحداث الجارية بأن تشكل كل مديرية لجنة طوارئ للتعامل مع الموقف، وتؤمن المناطق الحيوية التي تحتاج إلى تأمين، حتى وصول قوات درع الوطن.

إلى ذلك، استقبلت مستشفيات سيئون 8 حالات مصابة، وحالة وفاة واحدة، نتيجة الأحداث العسكرية التي شهدتها حضرموت اليوم، بحسب مصادر محلية.

وبحسب مصادر، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن 6 حالات وصلت مستشفى الهجرين، فيما حالتان كانتا في منطقة بضة بوادي دوعن.

المنطقة العسكرية الثانية، من جهتها، أصدرت بياناً أكّدت فيه أن المعسكرات والمواقع العسكرية التابعة لها ستبقى تحت مسؤوليتها الكاملة، واصفة نفسها بأنها جزء من المؤسسة العسكرية.

وكان قائد المنطقة العسكرية الثانية أعلن ولاءه لقوات المجلس الانتقالي، فيما البيان يشير إلى تحول في الموقف.

وأكّدت المنطقة العسكرية الثانية أن «قوات النخبة الحضرمية تقوم بواجبها الوطني والأمني منذ تأسيسها»، متعهدة بالالتزام «الكامل بحماية ساحل حضرموت وأبنائه، والحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة».


الرئاسة اليمنية تصوّب وجهتها نحو عدن بعد حضرموت

ضربات جوية في حضرموت ضد متمردي المجلس الانتقالي الجنوبي (رويترز)
ضربات جوية في حضرموت ضد متمردي المجلس الانتقالي الجنوبي (رويترز)
TT

الرئاسة اليمنية تصوّب وجهتها نحو عدن بعد حضرموت

ضربات جوية في حضرموت ضد متمردي المجلس الانتقالي الجنوبي (رويترز)
ضربات جوية في حضرموت ضد متمردي المجلس الانتقالي الجنوبي (رويترز)

انتقلت بوصلة التحرك الرئاسي في اليمن من حضرموت إلى عدن، مع تأكيد رئاسة الجمهورية أن عملية استعادة المعسكرات والمواقع العسكرية تمثّل قراراً سيادياً غير قابل للتراجع، في وقت حذّرت فيه من فرض الأمر الواقع بالقوة، ومن تداعيات استمرار إغلاق مطار عدن الدولي، وعدّته خرقاً جسيماً للدستور والقانون.

وقال مصدر مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية إن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، أقرّ مواصلة تنفيذ عملية استعادة المعسكرات في حضرموت ضمن إطار القرارات السيادية، وبالتنسيق مع قيادة تحالف دعم الشرعية، مع التشديد على تحييد السلاح، وحماية المدنيين، ومنع أي انزلاق أمني أو أعمال انتقامية قد تمسّ الاستقرار المحلي أو المركز القانوني للدولة.

وأوضح المصدر أن قيادة الدولة شددت على أن تسلّم المعسكرات يجب أن يتم وفق أهداف واضحة، أبرزها إنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة، وصون الممتلكات العامة والخاصة، واحترام حقوق الإنسان، مع الرد الحازم على أي انتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وفي موازاة التطورات في حضرموت، وجّهت «الرئاسة» تحذيراً صريحاً من تداعيات استمرار إغلاق مطار عدن الدولي أمام الرحلات المدنية والإنسانية، معتبرة الخطوة تعطيلًا لمرفق سيادي، وإضراراً مباشراً بالمواطنين، ومخالفة لمرجعيات المرحلة الانتقالية وجهود خفض التصعيد التي ترعاها الأطراف الإقليمية والدولية.

ودعت «الرئاسة» عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إلقاء السلاح والانخراط في مسار الدولة ومؤسساتها التوافقية، على أساس إعلان نقل السلطة و«اتفاق الرياض»، مؤكدة أن معالجة القضية الجنوبية ستظل أولوية وطنية، لكنها لا يمكن أن تتم عبر الإجراءات الأحادية أو فرض الوقائع بالقوة، بل من خلال الحوار السياسي والشراكة الوطنية.

وأكد المصدر أن الدولة ملتزمة بحماية مرافقها السيادية، ورفض أي محاولات لابتزاز سياسي أو عسكري تحت عناوين تقرير المصير أو التصعيد، محذراً من أن استمرار مثل هذه الممارسات يهدد بتوسيع دائرة المواجهة، ويفتح الباب أمام عزلة سياسية وقانونية لا تخدم أي طرف.


تقدم في مشروع الربط الكهربائي بين السعودية ومصر يثير قلقاً في إسرائيل

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع مراحل التشغيل التجريبي لمحطة الربط الكهربائي السعودي المصري بمدينة بدر (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع مراحل التشغيل التجريبي لمحطة الربط الكهربائي السعودي المصري بمدينة بدر (مجلس الوزراء المصري)
TT

تقدم في مشروع الربط الكهربائي بين السعودية ومصر يثير قلقاً في إسرائيل

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع مراحل التشغيل التجريبي لمحطة الربط الكهربائي السعودي المصري بمدينة بدر (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع مراحل التشغيل التجريبي لمحطة الربط الكهربائي السعودي المصري بمدينة بدر (مجلس الوزراء المصري)

فيما سلّط الإعلام العبري الضوء على مشروع «الربط الكهربائي» بين المملكة العربية السعودية ومصر، الذي أعلنت القاهرة «الانتهاء من مرحلته الأولى»، قال نائب رئيس الهيئة العامة للبترول بمصر سابقاً، صلاح حافظ لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا المشروع يثير قلقاً في إسرائيل».

وأوضح حافظ أن هذا المشروع الذي تم إحراز تقدم كبير فيه «له أبعاد استراتيجية مهمة للغاية لإحداث تكامل في ملف الطاقة بين السعودية ومصر، ويأتي ذلك رداً على المشروع المعتزم تدشينه لتوريد الطاقة من الهند لأوروبا عبر دول بينها إسرائيل».

وكانت صحيفة «غلوباس» الإسرائيلية قد حذّرت من مشروع الطاقة بين مصر والسعودية لربط شبكتيهما الكهربائيتين، قائلة إن «هذا المشروع الضخم والطموح يعكس تطوراً ملموساً في التعاون الإقليمي خارج إطار ممر (IMEC)، الذي يعاني من تعثر، وهذا التعاون يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات المشتركة المتعلقة بتحقيق أهداف الطاقة المتجددة».

وأوضحت «غلوباس» أن «مشروع ممر (IMEC)، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في سبتمبر (أيلول) 2023 بوصفه مساراً يربط الهند بأوروبا، عبر الإمارات والأردن وإسرائيل في مجالات الطاقة والاتصالات والنقل، ما زال عالقاً في مرحلة الإعلانات دون تقدم ملموس، خصوصاً بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، رغم إعلانه دعمه للمشروع، بالتعاون مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي».

وأشارت الصحيفة العبرية، المتخصصة في الاقتصاد، إلى «أن السعودية ومصر لم تنتظرا تطورات (IMEC)، بل شرعتا في تنفيذ مشروع خاص بهما».

وأعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر، الأربعاء، «الانتهاء من المرحلة الأولى من الربط الكهربائي مع السعودية لتبادل قدرات تبلغ حوالى 1500 ميغاواط، ومن المقرر الانتهاء من المرحلة الثانية من المشروع لتبادل 3000 ميغاواط خلال الربع الأول من 2026».

تقدم ملحوظ في مشروع الربط الكهربائي السعودي - المصري يثير قلق الإعلام العبري (مجلس الوزراء المصري)

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي المصري محمد أنيس إن «الطاقة الإجمالية للمشروع تبلغ 3 غيغاواط، وهذا أقل من نسبة 10 في المائة من الحد الأقصى للاستهلاك في مصر، كما أن الكهرباء التي يمكن تصديرها إلى أوروبا يجب أن تكون طاقة متجددة، لكن المشروع السعودي - المصري لا يشترط أن تكون كل الطاقة المنقولة عبره طاقة متجددة».

وأوضح أنيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «فكرة المشروع تقوم فقط على أن كل دولة تدعم الأخرى في حال حدوث نقص عندها وقت الذروة، نظراً لأن ذروة مصر في الصيف، بينما ذروة السعودية في الشتاء، كما أن الساعات الخاصة بالذروة نفسها مختلفة، ومن ثم فهذا الربط الكهربائي سيحقق تأميناً مهماً لكلا البلدين وقت الذروة».

وأشار أنيس إلى أن هذا الربط في حد ذاته «لا يمثل تهديداً لمشروعات نقل الطاقة لأوروبا، لأن الأخيرة تشترط أن تكون الطاقة المنقولة إليها متجددة، كما أن حجم السوق الأوروبية كبير، ومن ثم فهي تستوعب أن تصدر لها إسرائيل ومصر والهند وغير ذلك، لكن يوجد عامل مهم، وهو أن إسرائيل ليس لها عمق استراتيجي، والطاقة المتجددة تحتاج إلى بناء محطات في الصحراء».

وتابع أنيس موضحاً: «في حال أقدمت مصر على الربط الكهربائي مع أوروبا في ظل وجود ربط مماثل مع المملكة العربية السعودية، ولدى الدولتين كثير من الصحاري الشاسعة، وعمق استراتيجي كبير لإنتاج طاقة متجددة، فسيكون نقل الطاقة المتجددة عبر مصر إلى أوروبا أرخص وأكثر عملية، لكن تصوير الإعلام الإسرائيلي للربط بين السعودية ومصر في شكله الحالي على أنه تهديد لمشروعات إسرائيل هو بروباغندا في ظل المتغيرات الحادثة بالشرق الأوسط».

وقبل أسبوعين أعلنت الحكومة المصرية عن دخول مشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية مرحلته النهائية، تمهيداً لبدء تشغيل المرحلة الأولى من المشروع، وقد تابع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مع وزير الكهرباء المصري، محمود عصمت، الوضع التنفيذي لمشروع «الربط الكهربائي السعودي - المصري»، والمستجدات الخاصة بمختلف أعماله تمهيداً لبدء التشغيل. فيما قال وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الأسبوع الماضي، إن المشروع «يتم تجهيزه في صورته النهائية لبدء تشغيل المرحلة الأولى في القريب العاجل، على أن يتبعها بشهور قليلة تشغيل المرحلة الثانية».

الحكومة المصرية تعلن عن دخول مشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية مرحلته النهائية (وزارة الكهرباء المصرية)

ويأتي هذا الإعلان بعد سلسلة من التطورات المتسارعة، حيث بدأ التشغيل التجريبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبلغت نسب الإنجاز أكثر من 95 في المائة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع إجراء اختبارات تقنية ناجحة على الخطوط والمحطات، وفقاً لبيانات وزارة الكهرباء المصرية.

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، قال إن «محاولة تصوير مشروع الربط بين السعودية ومصر حالياً في مجال الكهرباء على أنها خطة، أو مشروع يهدد إسرائيل، هي أمور مفتعلة لأن التعاون بين الدولتين مسألة تاريخية، ومصر تقوم بمشروعات ربط كهربائي ليس مع السعودية فقط، بل مع دول أخرى في الجوار».

وأضاف جاب الله موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن مصر «تقوم بهذه المشروعات في إطار السعى إلى أن تكون مركزاً إقليمياً للطاقة بكل أنواعها، وهذا المشروع مع السعودية يحقق مصلحة البلدين، ولا يهدف إلى المنافسة مع مشروعات أخرى، لكن هناك من يحاول خلق ضجة حول أي شيء تقوم به مصر في المنطقة وكأنه موجه لإسرائيل، أو كأن مصر والدول الأخرى يجب ألا تفكر في مصالحها وأمنها، خشية أن يتم اتهامها بأن ما تفعله ضد إسرائيل».

ويعد مشروع «الربط الكهربائي السعودي - المصري» أكبر مشروع ربط في الشرق الأوسط، بتكلفة إجمالية تقارب 1.8 مليار دولار، ويتكون من 3 محطات محولات ضخمة ذات جهد عالٍ، الأولى في شرق المدينة المنورة بالسعودية، والثانية في مدينة تبوك السعودية، والثالثة في مدينة بدر بشرق القاهرة، وتربط بينهما خطوط هوائية يصل طولها لنحو 1350 كيلومتراً، وكابلات أخرى بحرية، ويعمل على التنفيذ تحالف من 3 شركات عالمية.

ووقعت الاتفاقية الأساسية عام 2012، واستؤنف التنفيذ الفعلي في السنوات الأخيرة بدعم من تحالفات دولية، تشمل شركات مثل «هيتاشي إنرجي»، و«أوراسكوم كونستراكشن».

وحسب المعلن رسمياً، فإن المشروع يهدف إلى استغلال الاختلاف في أوقات الذروة بين الشبكتين، ذروة السعودية بفصل الشتاء، وذروة مصر بفصل الصيف، مما يُؤمن توفيراً اقتصادياً في الوقود، ويعزز موثوقية الشبكات، ويمهد لسوق عربية مشتركة للكهرباء، ويُنظر إلى المشروع على أنه يشكل نواة لربط إقليمي أوسع، يربط قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، مع دعم أهداف الطاقة المتجددة في كلا البلدين.